< د. خالد الحري سيكون خطأ جسيما مع التاريخ والجغرافيا أن نسمح بضياع مكتسبات مونديال 2022، ونهدر ما حققه أسود الأطلس، عرقا وقتالية وندية وعدم استسلام في الميدان. كما أنه من غير الصواب، بمنطق تدبير الدولة وقطاعاتها، أن نفرط في قيم التميز والتباري والتحدي ومجابهة التحديات وتقدير الذات والثقة فيها، التي نثرها المنتخب الوطني ورودا في القارات الخمس. فما قدمه 26 لاعبا والمدرب والطاقم في شهر بقطر، هو درس لـ45 مليون مغربي، يجب الاستفادة منه، واستثماره واستغلاله إلى أبعد الحدود، كما نتوقع أن تفعله دول أخرى، ألهمتها أضواء النجاح، واستحقاقات التفوق والقدرة على تحقيق النتائج في الامتحانات الكبرى، وعدم الارتكان إلى الخمول والكسل والأحكام المسبقة. فلن يمر هذا البريق الرائع مرور الكرام في حياة الأمم والشعوب التواقة إلى الحرية والانعتاق، وإلى تحقيق الاستقلال والسيادة الكاملة، وإلا سنكرس عنا النظرة الدونية نفسها التي يريدها الآخرون لنا، ويسعون إلى تنفيذها على أرض الواقع بشتى الأدوات الاقتصادية والعسكرية والرياضية والعلمية، تجسيدا لنظرية استعمارية قديمة "هناك دول يجب أن تحكم العالم، وأخرى يجب أن تنصاع إلى هذا الحكم". لقد أعطى "وليدات الركراكي"، الذين يمثلون كل الطيف المغربي في الداخل والخارج، صافرة الانطلاق لتجويد عمل الدولة والحكومة، الذي بدأ منذ سنوات، مع إعادة النظر في عدد من المفاهيم والمرجعيات وتدقيق للتصورات والرؤى، التي كانت تنطلق من نظرة دونية للذات مقابل تقدير مبالغ فيه للآخر. إن تفكيك عقدة تفوق الآخر، وإسقاط نظرية التسليم بالحدود المرسومة لنا سلفا، هما ما نحتاج بالضبط في المرحلة المقبلة، من أجل البناء والتطوير وتحقيق الإنجازات نفسها في ميادين وقطاعات مختلفة. وأتصور أن العمل انطلق فعلا في مستويات معينة لتشخيص التأثير الحقيقي للمشاركة المشرفة للمنتخب الوطني في المونديال على صورة المغرب في العالم، والموقع الذي احتله في شبكات الرصد والتموقع والمتابعة، وحجم الاهتمام في محركات البحث ومواقع التفاعل، وهي معطيات علمية وتقنية تشكل بوصلة لخطة العمل في المستقبل. ولسنا في حاجة إلى تذكير بأن المغاربة، بعد مونديال قطر وبسببه، أضحوا أكثر إلحاحا على تحقيق الاستحقاقات نفسها، ولم يعودوا يقبلون بأقل من الرتب الأولى في الجاذبية والسياحة والتسويق والتطور الصناعي والترويج والصادرات والسيادة الطاقية، وأيضا في التعليم والبحث العلمي والصحة والبنيات التحتية والتكنولوجيا والتحول الرقمي، مع تسجيل أهداف في مرمى الفساد والريع والزبونية بالإدارة والصفقات العمومية وفي المجتمع. إن كل هذه القطاعات ستكون موضوع مقارنة، من الآن فصاعدا، مع منجزات المنتخب الوطني، وسيكون على الوزراء والمسؤولين ومديري المؤسسات العمومية والجماعات الترابية أن يستلهموا طريقة وليد الركراكي و"نيته" في مجالات اشتغالهم، ولن يقبل من أي أحد، بعد اليوم، الاختباء وراء قلة الإمكانيات وضعف الموارد المالية والبشرية. لقد انتهى زمن التبريرات، وبدأ عهد الانتصارات والمكاسب المستحقة مغربيا. ولن نسمح لأحد أن يفسد علينا الفرحة. سنكون له بالمرصاد.