< د. خالد الحري لم يحدث أن أجمع العالم على فريق لكرة القدم، مثل المنتخب الوطني، الذي أبهر بلعبه وقتاليته والتزامه التكتيكي وحضوره الذهني طيلة ست مباريات، خاض خلالها مواجهات عاصفة مع أعتى المدارس الكروية في أوربا، وأخرج ثلاثا منها من المونديال. لأول مرة تقف ملايين الجماهير، في القارات الخمس، إجلالا واحتراما وتقديرا واعتزازا بأبناء المغرب، وتصفق لهم بحرارة، وتبكي معهم، وتشد من عضدهم، وهم يغادرون الملعب بعد مقابلة الحلم، انتهت بخسارة صغيرة، وليست بهزيمة، وشتان بين الكلمتين. سيسجل التاريخ لعشرات العقود المقبلة، أن فريقا عربيا وأمازيغيا قادما من شمال إفريقيا، أفزع عمالقة كرة القدم وصناعها، وأربك قناعاتهم، وفرض عليهم مراجعة كل شيء، بعد أن تأكدوا أن عالما جديدا في اللعبة قد ولد على التو. فخلال ست مباريات، لم يصنع المنتخب المغربي مجده الخاص، أول فريق عربي وإفريقي يصل إلى نصف النهاية، بل فتح باب الأمل أمام باقي الشعوب والأمم الأخرى، من أجل الاجتهاد والعمل والصبر، وأساسا الحلم، واعتبار المستحيل صفحة قديمة من الماضي. إنها الرسالة التي بعثها أسود الأطلس إلى ملايين البشر في العالم. رسالة الحق في الحلم، والحق في الأمل، والحق في الندية، والحق المشروع في مقارعة الكبار، وهي رسالة سياسية في عمقها، سيكون لها ما بعدها في التحولات المقبلة في العالم. لهذا كله والكثير منه، نرفع القبعة إلى منتخبنا الوطني وإلى مدربه وليد وإلى الطاقم التقني والطبي والمرافقين، وإلى فوزي لقجع رئيس الجامعة ومهندس الإنجازات، لما حققوه للمغرب ولصورته رياضيا وإنسانيا ورمزيا، من خلال مشاهد وأحاسيس مغربية خالصة طافت العالم، واستأثرت باهتمام الرأي العام الدولي والصحافة. لقد فعلتم المستحيل أيها الأبطال، وخروجكم من المونديال كان من الباب الذهبي الكبير، وحتى وسط ارتباك تكتيكي فرضته مواجهة بطل العالم في نسخة 2018، لعبتم ندا للند، وكتفا لكتف، وصارعتم حتى الرمق الأخير، وكنتم على حق جنودا تشرفون اللونين الأحمر والأخضر، ورجالا تستحقون جزيل الشكر. صنعتم التاريخ أيها الأسود في الميدان، وصنعها رجال ونساء آخرون في المدرجات، حضروا من كل فج عميق من العالم، وزلزلوا الملاعب بالهتافات والأهازيج، ووقعوا على ملحمة خرافية في حب الوطن، بشهادة مؤسسات التصنيف الدولي، التي وضعت الجمهور المغربي في الرتب الأولى في مونديال 2022. ورغم الأحداث غير المسؤولة التي رافقت الإعداد لحضور مزيد من الجماهير إلى ملعب البيت بقطر، وما ترتبت عنها من مناوشات في المطار الدولي للدوحة وإلغاء رحلات جوية، فإن ذلك لا ينقص من قيمة الجمهور المغربي، الذي ملأ المدرجات وشحذ الهمم، وشجع حتى الدقيقة الأخيرة، ولم يغادر الملعب إلا بعد أن ألقى التحية على عناصر المنتخب الوطني. تحية، أيضا، للوطن ولأبناء الوطن وللمغاربة الأحرار. تحية لكل من فكر وأبدع واجتهد وسهر وصبر حتى وصلنا إلى هذه اللحظة. وتحية لجنود الخفاء الذين لا تغريهم صورة، أو لقطة، أو مشهد. لأنهم مسكونون بحب الوطن.