fbpx
حوادث

جدوي: ليس دفاعا عن القضاة و إنما عن القضاء

القاعدة القانونية قاعدة اجتماعية نابعة من المجتمع وتعبر عن طموح أفراده وتطلعاتهم

من بين مشاريع القوانين الجاري حاليا مرورها عبر القنوات التشريعية الدستورية، مشروع القانون التنظيمي 14.22 بتغيير وتتميم القانون التنظيمي 106.13 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، وفي هذا المقام والمقال سنقتصر على الفقرتين الأخيرتين للمادة 45 اللتين جاء بهما المشروع المذكور، وكما جاء في العنوان فإن هذه المقالة ليست دفاعا عن القضاة، إذ الأخيرون، دفاعا عن أنفسهم هم أقدر وبذلك هم أجدر ففيهم – كما هو غير خاف– قضاة الحكم الذين يرجحون مختلف وسائل دفاع الفريقين المعروضة أمامهم، وفيهم قضاة النيابة العامة الذين هم دفاع المجتمع، لذلك باتوا بالدفاع أقدر و أجدر سواء فرادى وجماعات وعن طريق مؤسساتهم والجمعيات، وإنما دفاعا عن القضاء الذي هو شأن مجتمعي يهم كل الأفراد والجماعات والأحزاب والنقابات وكل الفئات فكلنا متقاضٍ افتراضي في وقت من الأوقات.

بقلم: ذ أشرف منصور جدوي*

أولا: المادة 45
تنص المادة 45 في صيغتها الحالية: “تطبيقا لأحكام الفقرة الأولى من الفصل 120 من الدستور، يحرص القاضي على البت في القضايا المعروضة عليه داخل أجل معقول، مع مراعاة الآجال المحددة بنصوص خاصة”.
وبمقتضى مشروع القانون ستضاف فقرتان لهذه المادة تنصان على:
” يتولى المجلس تحديد آجال للبت في مختلف أنواع القضايا، في حالة عدم تحديدها بنص قانوني.
تعتبر الآجال التي يحددها المجلس مجرد آجال استرشادية لتطبيق أحكام هذه المادة ولا يترتب عليها أي أثر بالنسبة للدعوى”.
هذا هو التتميم الذي جاء به مشروع القانون المذكور، وهو ما يسترعي منا الوقوف عليه وإبداء بعض الملاحظات.
إن المادة 45 سواء في صيغتها الحالية أو الصيغة المزمع إدخالها عليها، يتعين أن تكون في تناغم وتناسق تامين مع الفصل 120 من الدستور والذي جاء فيه ” لكل شخص الحق في محاكمة عادلة وفي حكم يصدر داخل أجل معقول…”.
إن المتأمل للفصل المذكور ليلحظ أن المشرع الدستوري قد سبق في الصياغة المحاكمة العادلة على الأجل المعقول، كما أنه لم يحدد معيارا زمنيا للأجل المعقول، ليس فقط لأن الدستور يأتي بالخطوط العريضة ويترك التفاصيل للقانون، بل إيمانا منه بتعذر تحديد معيار زمني لما هو أجل معقول وما هو غير ذلك، زيادة على أن المشرع الدستوري لو علم إمكانية تحديد ذلك بدقة لوقع التنصيص على ذلك صراحة أو على الأقل لفوض تحديده إلى القانون، كأن يقع التنصيص على: ويتولى القانون تحديد الأجل المعقول، وبما أنه لم يقع ذلك أعتقد أن أي تحديد و من أي جهة كانت يبقى مشوبا بعوار دستوري بين هذا من جهة، ومن جهة، ثانية إن الفقرة الثانية المضافة ميزت بين نوعين من الآجال، آجال محددة بنص القانون وآجال تركت للمجلس الأعلى للسلطة القضائية تحديدها في حال سكوت القانون، لكن حيث إن هذا المنحى يعتبر نشازا دستوريا فلا المشرع الدستوري حدد الأجل، ولا فوض لأي جهة ما إمكانية تحديد هذا الأجل أي أن القانون التنظيمي حينما فوض للمجلس تحديد الآجال فقد فوض اختصاصا لا يملكه هو أصلا، زيادة على ما يمكن أن يشكله ذلك من اعتداء أو تداخل للسلط.

ثانيا: التمييز بين الآجال الاسترشادية والآجال غير الاسترشادية
إن الوقوف عند هذه النقطة منشؤه الفقرة الأخيرة المزمع إضافتها هي التي استرعت منا هذا التمييز، إذ جعلت من الآجال التي يحددها المجلس مجرد آجال استرشادية، وبمفهوم المخالفة، الآجال التي وقع تحديدها بالقانون هي ليست آجالا استرشادية، أي أنها آجال يتعين احترامها تحت طائلة الجزاء طالما ليست استرشادية، ويمكن أن نصف الآجال المحددة بنص القانون بأنها قواعد قانونية آمرة وهو ما يستدعي ربطها بالجزاء، بينما الآجال المحددة من قبل المجلس هي قواعد قانونية مكملة لا يترتب على مخالفتها أي جزاء، لكن وانطلاقا من الفقرة الأخيرة من مشروع م 54 هل يصمد هذا التمييز؟
إن المحلل لطريقة صياغة تلك الفقرة في شقها القائل ولا يترتب عليها أي أثر بالنسبة للدعوى، معناه بمفهوم الموافقة أي أنه احترم أو لم يحترم الأجل المحدد من طرف المجلس فالدعوى ستبقى سارية ولا يمكن لعدم احترام الأجل أدنى وقع على مسارها، وبمفهوم المخالفة هناك أثر لعدم احترام الأجل على أمور أخرى وهي التي سترد في الفقرة الموالية.

ثالثا: موقع المادة 45
لا يخفى على لبيب ولا على مهتم بالشأن القانوني، ما لموقع النص القانوني من آثر عند بث الروح فيه عند تطبيقه، وإذا عدنا لموقع المادة 45 المذكورة التي أتى بها المشروع، فإنها جاءت في القسم الثاني المعنون بحقوق وواجبات القضاة وهذه هي ثالثة الأثافي، فبعد أن استطرد المشرع في الحقوق جرى التنصيص على الواجبات وم 45 هي من الواجبات الملقاة على القضاة، وعليه فإنه ولئن كانت الآجال مجرد آجال استرشادية فإن عدم احترامها يشكل مخالفة من القاضي للواجبات الملقاة على عاتقه وقد يجد التأديب أقرب إليه من حبل الوريد.

رابعا: هل المادة 45 من المشروع قاعدة قانونية اجتماعية فعلا؟
سبب طرح هذا السؤال هو أنه يفترض أن القاعدة القانونية قاعدة اجتماعية نابعة من المجتمع وتعبر عن طموح أفراده وتطلعاتهم، وهنا فليسمح لي السادة واضعو المشروع أن أتساءل وإياهم هل هناك من إحصائيات مثلا بخصوص الأجل المنصوص عليه في م 113 من مدونة الأسرة والقاضي بالبت في دعاوى التطليق داخل أجل لا يتجاوز ستة أشهر وهل ذلك الأجل كاف وغالبا ما يحترم أم العكس؟ هل هناك من إحصائيات لأجل الثلاثة أشهر المنصوص عليه في م 546 من ق م ج، حيث يجب البت في طلبات النقض المرفوعة من المعتقلين بكيفية استعجالية وبالأولوية فهل هذا الأجل فعلا كاف وهل يتم احترامه أم لا وما هي نسب احترامه أو عدم ذلك؟
إذا ثبت ما سبق من عوار دستوري يشوب الفقرتين المزمع إدخالهما للمادة 45 وما تمت مناقشته سلفا، فإن هذا المشروع يبقى غير مشروع للعلل الواردة سابقا، وإنه وإذا كانت القاعدة القانونية عامة ومجردة بينما المقرر القضائي على عكس ذلك، إذ هو يهتم بكل قضية وكل حالة على حدة فأنى للحكم العام أن ينسحب على الخاص بفروعه وتفرعاته وتفاريعه؟.
المسألة ليست مسألة تحديد للأجل، المسألة مسألة خصاص في القضاة، فإذا ما تم توفير العدد الكافي من القضاة باتت السيطرة على وقت البت في الملفات – مع مراعاة الاستثناءات – متحكما فيها وفي حال عدم وجود الموارد البشرية الكافية فإنه كمن يلقي بالقاضي والمتقاضي في اليم مكتوفي الأيدي طالبا منهما عدم الغرق، فالقاضي سيكون بين مطرقة المساءلة التأديبية وسندان توفير محاكمة عادلة وأيهما انحاز إليها ضاعت العدالة، إما عدالة قضية المتقاضي المرتبطة بالأجل أو عدالة قضية القاضي حيث الأخير منوط به الحرص على حريات وحقوق المتقاضين وأمنهم القضائي، بينما القاضي حارس الأمن القضائي لا أمن قانونيا له.
* محام بهيأة البيضاء


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى