حوادث

دراسة في القانون : دور التشريع والقضاء في حماية حق الشغل بالمغرب

يونس العياشي سياسة الخوصصة دفعت المشرع إلى اعتماد نظام صعوبات المقاولة

لقد أثارت  سياسة الخوصصة أو الخصخصة – وهي نقيض سياسة التأميم – عدة إشكالات قانونية، سيما ما يتعلق باستقرار العامل في عمله بعد انتقال ملكية المؤسسة العمومية مثلا إلى القطاع الخاص، فإلى أي حد استطاع قانون الخوصصة رقم 39.89 الذي تبناه المشرع المغربي خلال العقد الثامن من القرن الماضي حماية حق الشغل كحق مكتسب بالنسبة للعمال؟
نجد الإجابة على هذا التساؤل المحوري ضمن مقتضيات الفقرة 2 من المادة 5 من قانون الخوصصة، والتي نصت صراحة على أن تحدد الإجراءات التي يمكن وفقها بعد استطلاع رأي الهيأة المكلفة بالتقويم، تخويل بعض المشترين أولوية أو معاملة متميزة مراعاة لواحد أو أكثر من الأهداف التالية :
– تمكين فئات اجتماعية جديدة من امتلاك المنشئات ومحاربة الاحتكار.
– تطوير وتقوية الاقتصاد الجهوي.
– المحافظة على الشغل.
ويرى أستاذنا الدكتور رشيد الفيلالي المكناسي في مقالته المتميزة حول موضوع «المركز القانوني للأجير في ظل قانون الخوصصة «، منشورة في مجلة الإشعاع التي تصدرها هيأة المحامين بالقنيطرة العدد 4 :» … يبدو أن مقاربة هذا الموضوع يجب أن تتم من خلال نقطتين هامتين، الأولى تعرف بميراث المقاولات وترتكز على تحويل التزامات المشغل السابق إلى المشغل اللاحق، والثانية ناتجة هن وضع التشريع الاجتماعي المغربي الذي يفرق بين الأحكام العامة المطبقة على علاقات الشغل الفردية داخل المؤسسات الخاصة، والأحكام الخاصة بمستخدمي المؤسسات العمومية، وهذه النقطة الأخيرة هي الأكثر تعقيدا لأن أجراء المؤسسات العمومية يتمتعون بحقوق تختلف أحيانا عن حقوق باقي الأجراء، قد يكون بعضها امتيازا مثل نظام حوادث الشغل والأمراض المهنية والعطل، والبعض الآخر قد يكون مخالفا لذلك مثل قواعد الترسيم والاحتياط الاجتماعي.
ونتيجة لذلك، يظهر أن احترام التزام المؤسسة المخوصصة اتجاه الأجراء من لدن مشغل يضع الأجير أمام خيار متناقض، فإن حافظ على النظام المطبق من لدن المؤسسة العمومية سيكون متنكرا للتشريع الاجتماعي العادي الذي يجب عليه التشبث به، وعلى خلاف ذلك لو وضع نظاما للعمل وشروط تعاقدية جديدة مطابقة لهذا القانون، نتج عن ذلك خرق للالتزامات الناتجة عن استمرار المؤسسة «.
وتجدر الإشارة إلى أن المشرع المغربي قد تدارك على مستوى مدونة الشغل، النقص الذي كان يعتري المادة 754 من (ق ل ع) من خلال المادة 19 المشار إليها سابقا، والتي اعتبرت الخوصصة أحد الأسباب المؤدية إلى  تغيير الوضعية القانونية للمشغل أو الطبيعة القانونية للمقاولة، وهذا تكريس للمبدأ القائل بأن الأجير هو مرتبط بالمقاولة وليس بصاحبها.
ونستحضر هنا قول جلالة المغفور له الحسن الثاني والذي جاء كديباجة لقانون الخوصصة :»… يجب أن نلفت الانتباه إلى أن سياستنا الرامية إلى تحويل المؤسسات العامة إلى القطاع الخاص، لا بد وأن تراعي بعض العوامل الاجتماعية التي لا يجوز إغفالها، وفي مقدمتها عاملان نريد أن نشير إليهما لما لهما من أهمية خاصة.
العامل الأول : هو التشغيل الذي يوليه المغرب أهمية قصوى، وقد يحدث لو ترك الحبل على الغارب أن يفضي تحويل مؤسسة عامة إلى القطاع الخاص في بعض القطاعات أو الجهات أو في بعض الظروف إلى الاستغناء عن بعض العاملين بالمؤسسة دون تعويض، وحالة مثل هذه لا بد أن ينظر إليها بعين الاعتبار، ذلك إما بتأجيل القيام بعملية التحويل، وإما بالتزام من ستنتقل إليه المؤسسة العامة بالاحتفاظ بمن يشغل فيها من العاملين.
العامل الثاني : يتمثل في ضرورة العمل على ألا يكون تحويل المؤسسات العامة إلى القطاع الخاص فرصة لتعزيز التمركز الرأسمالي، ومطية يركبها كبار الأغنياء للحصول على احتكارات جديدة، لأن الغرض المتوخى من العملية التي نحن بصددها هو توفير الفرص لفئة جديدة من المواطنين وتمكينها من وسائل الكسب والعمل …».
وكان من آثار نهج سياسة الخصخصة أن استعاض المشرع المغربي على نظام الإفلاس بنظام صعوبات المقاولة، وذلك من خلال الإصلاحات التي تضمنتها المدونة الجديدة للتجارة 15.95 .
ونستحضر هنا قول أستاذنا الدكتور أحمد شكري السباعي الذي قال  :» لقد كان الإفلاس ينزل كالسيف الباتر على رقبة كل تاجر ( مقاولة فردية أو جماعية أو شركة ) توقف عن دفع ديونه عند الحلول أو في تاريخ استحقاقها وذلك حسب المادة 197 من قانون 1913 المنسوخ، ويترتب على هذا الإفلاس القاسي وضع الأختام وإجراء الجرد وبيع الأموال المنقولة والعقارية والقيام بتوزيعها على كثلة الدائنين مع ما يترتب على ذلك من ضياع فرص العمل …».
ونعتقد أن نظام صعوبات المقاولة كان يروم الحفاظ على استمرار استغلال المقاولة وعلى مناصب الشغل الموجودة بها بالموازاة مع عملية إبراء ذمتها من الديون المترتبة عليها.
ومعلوم أن الصعوبات التي قد تمر منها المقاولة تفرض المرور عبر مسطرتين أساسيتين، الأولى تسمى مساطر الوقاية من الصعوبات، والثانية تسمى مساطر معالجة الصعوبات .
ويقصد بالوقاية من الصعوبات -حسب ما استقر عليه الفقه المغربي والمقارن سيما الفرنسي – عزل واستئصال دلائل أكيدة من شأنها إحداث صعوبات حقيقية أو احتمالية أو كامنة .
أما المقصود بمعالجة صوبات المقاولة، فهو أن الأخيرة يكون سببها واحد، يضرب جسم المقاولة إما ضربة خفيفة وغير قاتلة تعالج عن طريق التسوية القضائية ( التصحيح القضائي)، وإما ضربة قاتلة ومميتة تعالج عن طريق (التصفية القضائية)، وهذا السبب أو المرض الوحيد هو التوقف عن أداء الديون المستحقة على المقاولة عند حلولها.
ومما لاشك فيه أن وضعية الأجراء على مستوى حماية حقهم في الشغل أثناء مساطر الوقاية من الصعوبات تكون مستقرة نسبيا، ولا تبدأ في التأثر إلا عند الانتقال إلى مساطر الوقاية الخارجية التي يحركها رئيس المحكمة التجارية والذي يتعامل مع العمال أو من يمثلهم كباقي الدائنين فيما يخص الاستماع إليهم عن طريق ممثل العمال، وهو ما تنص عليه الفقرة الثانية من المادة 548 من مدونة التجارة .
ومن الطبيعي أن تتأثر وضعية العمال أكثر عند الانتقال  إلى مساطر المعالجة، خاصة عند اتخاذ قرار إما بإنجاز مخطط الاستمرارية أو مخطط التفويت، وأخيرا مخطط التصفية القضائية في الحالة التي تصبح فيها وضعية المقاولة مختلة بشكل لا رجعة فيه.
بقلم:  يونس العياشي, نائب وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالقنيطرة
دكتور في الحقوق

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق