fbpx
حوادث

دراسة في القانون : دور التشريع والقضاء في حماية حق الشغل بالمغرب

 يونس العياشيالعمل كان موضوع عناية من قبل القوانين الوضعية على اختلاف درجاتها

للشغل مفهوم راسخ لا جدال حوله، فهو حقيقة ثابتة في الماضي والحاضر والمستقبل، وهو مصدر كل إنتاج وثروة وحضارة وخير، وهو ما يميز الإنسان عن باقي الكائنات ويفضله عنها. فبالعمل وحده، انتقل الإنسان من حالة الهمجية إلى حالة التحضر والمدنية، وعن طريق العمل تحرر الإنسان من قسوة الطبيعة ، محولا مواردها إلى خيرات، ينتفع بها ويشبع حاجاته منها باستمرار، وبواسطة العمل أقام الإنسان علاقات  اجتماعية، ونمت المجتمعات وازدهرت الحضارات وظهرت علاقات العمل التي تطورت من فردية إلى جماعية. وعبر مسيرة الحضارة الإنسانية، بدأ العمل كجهد إنساني حر لدى الإنسان البدائي لتلبية  حاجاته الأساسية والإبقاء على نوعه، ومع الحاجة للتعاون بسبب تعقد الحياة وازدهار عصر النهضة، نال العمل قدرا من الإجلال، وبدأ الطموح لامتلاك العالم،  وذلك بغزو المكان والاستيلاء على الحركة وترويض الزمان ذاته، وأصبحت سلطة الإنسان على الطبيعة سلطة أكبر. 

مع تقدم الثورة الصناعية ظهرت أهمية العمل، وقد اعتبر رواد الفكر الليبرالي أن ثروة الأمم تنتج عن العمل، وكان ذلك ثورة على ما روج له الاقتصاديون من قبل من حيث إن مصدر الثروة هو الذهب والفضة، أو أن ينبوع القيمة الوحيد هو خصب الأرض.
وما قاله آدام سميت عن قيمة العمل في خلق الثروة في كتابه «بحث في طبيعة ثروة الأمم وأمجادها»، أكده الفقيه الفرنسي منتسكيو، الذي اعتبر أن الإنسان لا يكون فقيرا لأنه لا يملك شيئا، وإنما لأنه لا يعمل.  
ولقد تبوأ العمل مكانة سامية في الرسالات السماوية، سيما الإسلام، واقترن دوما بالإيمان والعبادة حتى أن الرسول صلى الله  عليه وسلم، اعتبر العمل والعبادة سيان في القيمة والأجر والثواب عند الله تعالى.
والعمل في الإسلام ليس غاية في حد ذاته ،وإنما هو وسيلة لضمان استمرار الحياة وتطور المجتمعات في توازن بين حاجتي الروح والجسد، بين الدنيا والآخرة، عملا بالقول المأثور «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك ستموت غذا».
والعمل بهذا المعنى، كان موضوع عناية واهتمام ليس فقط من قبل الرسالات السماوية، وإنما أيضا من قبل القوانين الوضعية على اختلاف درجاتها، وكذا الاتفاقيات الدولية سواء ذات الطبيعة العالمية أو الإقليمية، الأمر الذي مهد إلى خلق مؤسسات متخصصة في ميدان العمل وشؤون العملة أو الأجراء من قبيل منظمة العمل الدولية ومنظمة العمل العربية اللتين تحاولان قدر الإمكان توحيد قوانين العمل أو التقريب بين مستوياتها.
والعمل المنتج للثروة – وكما هو معلوم – إما أن يتم في إطار حر من ذلك التجارة والزراعة– وهي مهن قديمة قدم التاريخ – والصيدلة والمحاماة….، وإما أن يتم في إطار علاقة قد تكون نظامية مع الإدارة أو تبعية للغير.
وقد أضحى الحق في الشغل اليوم من أبرز حقوق الإنسان، وهو يأتي من حيث الأهمية مباشرة بعد الحق في الحياة.
وفرص الشغل على أهميتها وكثرة الطلب عليها تتحكم فيها عوامل، تجعلها متوفرة أحيانا وغير مستقرة في أخرى سواء في البلدان المتقدمة أو النامية، ذلك أن هاجس البطالة والعطالة يقض مضجع دول العالم غنيها قبل فقيرها، كبيرها قبل صغيرها.
وتسعى الدول من خلال الدراسات المنجزة في مجال الشغل، الوقوف على مكامن الخلل التي تحول دون توفير الشغل واستقراره، سيما مع تقلص إمكانيات الدولة الحديثة في التوظيف، كما هو الشأن في المغرب الذي عرف لأول مرة في تاريخه برنامجا للمغادرة الطوعية، وذلك بهدف التقليص من كثلة الأجور التي يعتبرها البعض معيقة للتنمية.
ومؤدى ذلك، فإن الانخراط في  العمل المأجور أو التابع، هو حتما في تزايد مضطرد عبر العالم، بحيث أصبح المعول عليه الأول لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يفرض بالضرورة إعادة النظر في الترسانة القانونية المرتبطة بميدان الأعمال كضرورة استلزمتها سياسة التقويم الهيكلي، الذي فرضت على المغرب من قبل المؤسسات المالية الدولية، كصندوق النقد الدولي والبنك العالمي في العقد الثامن من القرن الماضي، والذي أنجز وقتها تقريرا أكد فيه أن المغرب لئن كان  وضعه الاقتصادي ينبأ بالسكة القلبية على حد قول جلالة المغفور له الحسن الثاني، فإن ذلك يرجع إلى صعوبة تدفق الاستثمار بالمغرب الناتج بالأساس على غياب الأمن القانوني والقضائي في ميدان الأعمال، علما أن المغرب وبالنظر لاتفاقيات الشراكة الاقتصادية التي تجمعه مع مجموعة من الدول عقب انضمامه إلى منظمة التجارة العالمية بعد التوقيع على اتفاقية «الكات»، أصبح مدعو أكثر من أي وقت مضى إلى تأهيل المقاولة المغربية وجعلها قادرة على التنافسية في محيطها الجهوي والوطني والدولي.
وبالنظر إلى أن استقرار علاقات الشغل الفردية والجماعية – حماية حق الشغل – هي مؤشر أصيل على قدرة المقاولة على التنافسية، فإننا نتساءل أي دور للتشريع والقضاء المغربيين في حماية حق الشغل وفي استقرار علاقات الشغل الفردية والجماعية ؟
إن الضرورة المنهجية للإجابة على هذا الإشكال المحوري، تقتضي تقسيم الموضوع على النحو التالي:
المحور الأول : دور التشريع في حماية حق الشغل في المقاولة المفربية.
يلعب التشريع عموما دورا مهما في حماية الحقوق وفي استقرار المعاملات، والتشريع سواء كان عاديا صادر عن البرلمان أو فرعيا صادر عن الحكومة في شكل نصوص تنظيمية (قرارات ومراسيم )، يكون ملزما وبدرجة أعلى متى كانت أحكامه آمرة ومتصلة بالنظام العام، كما هو الحال في تشريع الشغل بسبب طابعه الحمائي أو من خلال مدونة التجارة في باب صعوبات المقاولة لارتباطها بالحياة الاقتصادية والاجتماعية.
وسنحاول إبراز ومقاربة دور التشريع في حماية حق الشغل من خلال مستويين، نخصص الأول للحماية المقررة لحق الشغل على مستوى التشريع الاجتماعي بشقيه تشريع الشغل وتشريع الضمان الاجتماعي، على أن نخصص  المستوى الثاني لإبراز الدور نفسه على مستوى قوانين أخرى سواء كانت تلك القوانين موضوعية أو إجرائية، وهي قوانين لئن كانت تبدو بعيدة عن ميدان الشغل والأعمال، إلا أنها مؤثرة بشكل أو بآخر في استقرار علاقات الشغل الفردية والجماعية على حد سواء.
أولا : مظاهر حماية التشريع الاجتماعي المغربي لحق الشغل.
معلوم أن التشريع الاجتماعي المغربي يضم فضلا عن مدونة الشغل المعروفة بقانون 65.99، قانون الضمان الاجتماعي الصادر سنة 1972 كما تم تتميمه وتعديله في عدة مناسبات .
وحماية حق الشغل في إطار هذا القانون الأخير أي قانون الضمان الاجتماعي يتم بطريقة غير مباشرة من خلال التعويضات التي يوفرها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، أو ما يعرف عند فقه الشغل  بالأجر الاجتماعي، ذلك أن عقد الشغل هو عقد تبادلي وملزم لجانبين، وأن الأجر يؤدى عن العمل، وأن عدم أداء العمل من قبل الأجير إما  مثلا بسبب مرضه مرضا غير مهني، أو بسبب الولادة بالنسبة للأجيرة يعفي المشغل من أداء الأجر من حيث المبدأ، وهنا يتدخل نظام الضمان الاجتماعي لصرف التعويضات المقررة في القانون تحقيقا لفلسفة المشرع المتمثلة في عدم إرهاق الذمة المالية لرب العمل بأجر، يكون فيه عقد الشغل متوقفا، وفي ذلك حماية غير مباشرة لحق الأجير في الشغل وضمان استمرار عقد الشغل إلى حين انتهاء العذر الاضطراري الذي أدى إلى توقفه.
  بقلم: يونس العياشي ,نائب وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالقنيطرة
دكتور في الحقوق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى