بقلم: يونس مجاهد حضرت اجتماعا موسعا في باريس، الاثنين 31 مارس الماضي، نظمته نقابة الصحافيين، في الكنفدرالية العامة للشغل (CGT)، في إطار الحملة التي أطلقتها للدفاع عن الخدمة العمومية، في وسائل الإعلام، بعد أن شرعت الحكومة الفرنسية في إطلاق مشروع تجميع وسائل الإعلام العمومية في "هولدينغ"، بهدف اندماجها مستقبلا، الأمر الذي اعتبرته هذه النقابة ضربا للتعددية وللمكتسبات، التي تحققت بفضل نضالات القوى السياسية اليسارية والنقابات وجمعيات المجتمع المدني. وشارك في هذا الاجتماع عدد من قادة الرأي والفكر، والباحثين وكبار الصحافيين، في فرنسا، بالإضافة إلى عدد من النواب في البرلمان، الذين أكدوا ضرورة حماية الإعلام العمومي، من تهديد التدخل الحكومي، ومحاولة سيطرة اليمين، باعتبار أن هذا الإعلام مازال ينتج الجودة ويعكس التعددية، ويلعب دورا طليعيا في التصدي للتضليل الإعلامي ونشر العنصرية وقيم الكراهية، وتفاهة ما يمرر في بعض منصات التواصل الاجتماعي. ووزع مناضلو ومناضلات الحزب الشيوعي الفرنسي مطوية من أربع صفحات، تحذر من خطورة الاستخدام السيء لتكنولوجيات التواصل الحديثة، خاصة مع ما يتيحه الذكاء الاصطناعي من جميع أشكال التضليل، إذا كان هذا الاستخدام غير مقنن، وغير مؤطر، وإذا لم تتم حماية مهنة الصحافة، ما يعني، حسب المنشور، أن الديمقراطية ستكون في خطر، لذلك "لا يمكننا قبول هذا، ونطالب بتحرك موحد بين المواطنات والمواطنين، وكل أولئك الذين يشتغلون في مهن الثقافة والإبداع الحر والإعلام الجاد، بالتحرك، خدمة للعقل والفكر النقدي". ولم يكن الحزب الشيوعي وحده الذي شارك في هذا التجمع، بل كل التنظيمات السياسية اليسارية، بمختلف تلاوينها، أجمعت على ما تشكله الثورة الرقمية من خطر على الديمقراطية، إذا استعملت من قبل القوى اليمينية والميركانتيلية. وهو الموضوع الذي خصص له منشور الحزب الشيوعي فقرات، من بينها أن "الثورة الرقمية مكنت من تداول هائل للمضامين على صعيد كوني، فالمنصات وشبكات التواصل الاجتماعي أصبح لها تأثير كبير على المعلومة وعلى الصحافة، ومع الهواتف الذكية، التي يقضي فيها المواطنون حوالي أربع ساعات في اليوم، أضحت هذه المنصات والشبكات المصدر الأول للمعلومة، خاصة لدى الشباب، بهذا صار مالكو هذه التكنولوجيا يلعبون دور الناشر دون أن يتحملوا الالتزامات والأخلاقيات، وأساسا التمييز بين المعلومة المدققة وغير المدققة". أصبح العالم أمام ناشرين جدد، أي ما تسمح به المنصات العالمية، على مختلف تطبيقاتها، وهو ما أتاح الفرصة للكثير من الناس بأن يتحولوا إلى منتجي محتوى، وإذا كان هذا في حد ذاته إيجابيا لحرية التعبير والإبداع، فإن وقوعه في أيادي البعض تحول إلى نقمة حقيقية، نظرا لاستغلاله من قبلهم في إنتاج محتويات فاسدة، واستخدامه في التشهير والابتزاز والتجارة الرخيصة. إن هذه الفئات من الناس، ليست جديدة في المجتمعات، وقد أطلق عليها كارل ماركس وفردريك إنجلز، في العديد من كتاباتهما، اسم "البروليتاريا الرثة"، التي هي خليط من المنحرفين واللصوص والمجرمين، والمومسات والوسطاء، وغيرهم من هذه الفئات المهمشة، التي هي ضحية للفوارق الاجتماعية، تستغل ضعفها وتتلون مع كل شيء، هدفها الاسترزاق، وتكون أداة في خدمة الفاشية والرجعية، لذلك حذرت منها كل التيارات اليسارية، واعتبرتها خطرا على الثورة والديمقراطية والتقدم. وفي المغرب، تمكنت بعض من هذه "البروليتاريا" الرثة من استغلال الإعلام والتواصل، فأنتجت محتويات فاسدة، إذ تحرك فيها منحرفون، يعملون على نشر التضليل والتشهير، مستفيدين من المكتسبات القانونية والحقوقية التي تحققت بفضل النضالات التي خاضتها الأحزاب الديمقراطية والنقابات المناضلة وجمعيات المجتمع المدني الجادة، في الوقت الذي لم يكن يظهر لهؤلاء أي أثر، ولم يساهموا في التضحيات التي بذلت لتحقيق هذه المكتسبات. بل أكثر من ذلك، إنهم هم الذين يهددون هذه المكتسبات، لأنهم يستغلون ما حققه غيرهم، بهذا الشكل المنحرف، وهو الوضع الذي يدفع إلى التفكير في كيفية صيانتها من هذا الاستخدام الفاسد. وقد نشرت منظمة "اليونسكو" تقريرا، في 9 دجنبر 2022، جاء فيه أن هناك توجها في الكثير من بلدان العالم، للتعامل مع التشهير بموجب القانون الجنائي، إذ تشير البيانات إلى أن 39 دولة من بين 47 في إفريقيا، و38 دولة من بين 44 في آسيا والمحيط الهادي، تعتبر التشهير جريمة جنائية. وفي أوربا الوسطى والشرقية، هناك تزايد في اللجوء إلى القوانين الجنائية المتعلقة بالتشهير، والتي لا تزال سارية في 15 دولة من بين 25 في المنطقة، بينما لا تزال جرائم التشهير قائمة في 29 دولة من بين 33 في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، أما في أوربا الغربية وأمريكا الشمالية، فلا تزال قوانين التشهير الجنائي سارية في 20 دولة من بين 25. وتعتبر "اليونسكو" أن قوانين التشهير ينبغي أن تكون خالية من العقوبات السالبة للحرية، لكن عندما يسقط الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في يد "البروليتاريا" الرثة، فإن كل القيم التي ناضلت من أجلها أجيال من الشرفاء، تتعرض للعبث بها، ويتم تمريغها في الوحل.