سوء النية في جريمة القذف قرينة نسبية وبسيطة تعتبر حرية الصحافة أساسا لنبض الحياة داخل المجتمعات الديمقراطية، ومقياسا لتقدمها وانفتاحها من خلال توفير آليات الولوج إلى المعلومة وتداولها بشكل يضمن حق المواطنين في الإطلاع على ما يجري داخل مجتمعهم. ومن ثمة فإن المغرب عمل على تكريس الضمانات المتعلقة بحرية الصحافة من خلال دستور سنة 2011 الذي يعكس حقيقة الارتقاء بها ، لأن الحق في المعلومة أصبح من بين أهم الحقوق التي يقع على عاتق الدول احترامها وتوفير كافة الضمانات القضائية لحمايتها، وذلك لأنه من بين أهم الحقوق الإنسانية التي تدور في فلك حماية ذاتية الإنسان بغض النظر عن جنسيته، أو لونه أو لغته. كما أن محكمة النقض المغربية اعتبرت في أحد القرارات أن: «العبارات المهينة وغير اللائقة الصادرة في حق بعض الموظفين العموميين وكذا بعض الهيآت المنظمة والمنشورة عبر المقال الصحفي المومأ إليه أعلاه، وكذا على صفحات الأنترنيت باعتبارهما وسيلتي نشر عمومية لا يمكن أن تكيف قانونا إلا باعتبارها قذفا». يتخذ الركن المعنوي في جريمة القذف صورة القصد الجنائي الخاص، الذي يقوم متى توفر للجاني العلم بأن الإدعاء أو الإسناد الذي ينسبه للشخص المقذوف ينطوي على المساس بالشرف والاعتبار .ويستخلص القصد الجنائي الخاص من خلال توفر المتهم على روح الانتقام وإرادته الممنهجة في تلويت سمعة الشخص والمساس بمكانته داخل المجتمع، من خلال العبارات المستعملة من قبل القاذف في حق الشخص المقذوف حسبما أكده العمل القضائي كما يلي:«... حيث يستفاد من أجوبة الظنين أمام المحكمة أن هدفه من نشر المقالين هو فضح واقعة ترامي المشتكي على الملك العمومي لأنه يستغل حصانته البرلمانية، وأن هذه الحصانة هي التي تحتل الملك العمومي، وأن والده رجل كبير في السن ولا يمكن لإنسان عادي أن يقوم بهذا الترامي.وبما أن الظنين ومن خلال أجوبته في سائر مراحل البحث يؤكد ترامي المشتكي، ولا يقول إنه متهم بالترامي بمعنى أنه أصدر حكما باتا على واقعة الترامي حصلت من «خ» وعائلته، مع أن هذه الجنحة حدد لها المشرع في الفصل 570 من القانون الجنائي شروطا دقيقة لحفظ الأمن العمومي بصفة فورية، وإلا انتقل الأمر إلى منازعة مدنية، وتكليف كل طرف بمستنداته وحججه، وهو الأمر الذي لم يستحضره الظنين عند كتابة المقال ولم يتحرى فيه.وحيث أدلى المشتكي بشهادة إدارية صادرة عن رئيس جماعة (...) تفيد أنه لا يملك ولا يستغل أي عقار بتراب الجماعة منذ سنة 2000 ، كما أدلى بشهادة إدارية صادرة عن قائد المنطقة تفيد الشيء نفسه، وبالتالي فالتساؤل هو أين النفوذ الترابي للمشتكي الذي ضم له ما ترامى عليه حسب الظنين.وبما أن الترامي هو فعل شخصي ومادي ولا يتصور فه فاعل مادي وفعال معنوي، والحجة أو المرجعية التي يعتمدها الصحفي حسب الفصل 49 من قانون الصحافة هي تلك الحجة القبلية أي ضرورة تواجدها قبل الكتابة فضلا عن كون حضور الابن في نزاع يخص والده، لإيجاد حل حبي لا ينهض حجة على ارتكاب الفعل أو الضلوع فيه، وإلا لأصبح كل من يتفاوض ولو في إطار الوكالة صحيحة عن مدعى عليه أو مجرم، وهو أمر غير مستساغ، فضلا عن أن أية متابعة حسب رسالة رئيس الجماعة ستكون في مواجهة الوالد و ليس الإبن.وبما أن الظنين كشف عن صفة المشتكي واسمه كبرلماني يستغل نفوذه على الأفعال المنسوبة إليه، وفي ذلك جلب الاحتقار ومس بالاعتبار وتشويه السمعة .»ومن جهة أخرى، فإن استخلاص محاكم الموضوع للعناصر التكوينية لجنحة القذف من الوقائع المعروضة عليها، يدخل ضمن سلطتها التقديرية دون رقابة عليها من قبل محكمة النقض حسبما كرسته هذه الأخيرة في أحد قراراتها كما يلي: « حيث إن محكمة الاستئناف لما أيدت الحكم الابتدائي استندت إلى أن الطاعن عقب بمقال بجريدة (....) على مقال سبق للمشتكية أن نشرته بالجريدة نفسها، واستظهر في مستهله بآية قرآنية كريمة تقول « يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة وتصبحوا على ما فعلتم نادمين»، وأضاف بأن ما نشر بجريدة (...) في حقه لا يصدر إلا عن حاسد وحاقد أو مريض لا هم له سوى التخريب والتشويش وممارسته الإرهاب الإعلامي، وهو ما اعتبرته المحكمة قذفا وسبا في حق المشتكية، على اعتبار أن الطاعن وصفها بالفسق والإرهاب وبالحسد والمرض . والمحكمة لما قيمت الوقائع المعروضة عليها وكيفتها التكييف القانوني الملائم في إطار سلطتها في تقدير الوقائع المعروضة عليها، تكون قد بينت الوقائع التي كونت منها قناعتها وأبرزت كافة العناصر التكوينية لجنحتي القذف والسب، فجاء قرارها معللا بما فيه الكفاية والوسيلة على غير أساس». وتجدر الإشارة إلى أن سوء النية في جريمة القذف هو قرينة نسبية وبسيطة تنتفي في حالة ثبوت الباعث المشروع لدى القاذف أو تقيد هذا الأخير بحق النقد وحرية التعبير. وهذا ما أكده العمل القضائي الذي اعتبر أن: « الوقائع الواردة في المقالين المشار إليهما تمت في إطار شروط حق النقد وحرية التعبير دون المساس بشخص المطالب بالحق المدني» .غير أن السؤال الذي يطرح في هذا السياق يتعلق بمدى جواز التحلل من المسؤولية الجنائية استنادا للدفع بالأمية؟تجيبنا محكمة النقض من خلال أحد قراراتها معتبرة أن « حيث إن تنصيصات القرار المطعون فيه بأن الطاعنة اعترفت بنشر وقائع جنحة القذف بجريدة ... بتاريخ ... استخلصته المحكمة من تصريحها المضمن من محضر استماعها لدى الضابطة القضائية عدد ... بتاريخ ..... بأنها هي التي قامت بنشر المقالات المرتبطة بالموضوع بجريدتي ... و ... بمساعدة جمعية ... لمحاربة العنف ضد المرأة، وأنها ما زالت مصرة على النشر والكتابة في جميع وسائل الإعلام. وأكدت أمام محكمة الاستئناف بتاريخ 27/09/2010 بأنها اتصلت فعلا بالجريدة المذكورة، ويتجلى من المقال المنشور ب ... ليومي ... و ...، المدلى بنسخة منه بالملف، تحت عنوان « ... « يتبين بأنه يتكلم بلسانها. وبذلك فالمحكمة ثبت لها من الاعتراف والمقال المذكورين أنها هي المسؤولة عن نشر وقائع جنحة القذف التي أدينت من أجلها. وأن ادعاء الأمية لا يعفيها من المسؤولية عن النشر، ما دام أن تلك الوقائع جاءت على لسانها وتحت مسؤوليتها. كما لم يثبت للمحكمة، من وثائق الملف، أن جمعية ... لمحاربة العنف ضد النساء هي التي قامت بنشر المقال المذكور. والقرار المطعون فيه معلل بما فيه الكفاية والوسيلة على غير أساس».ثـالثـا : الجـــزاء القـانـونـي إن ضمان الحماية القانونية للأشخاص سواء الطبيعية منها أو المعنوية أو الهيئات العامة استلزم من المشرع التنصيص على عقاب كل من ادعى أو نسب واقعة إلى شخص أو هيأة معينة، وجبر الضرر عما يلحق بهم جراء المساس باعتبارهم وشرفهم، إلا أن الجزاء يختلف باختلاف صفة الأشخاص التي يعنيها القذف حسب صراحة المقتضيات الواردة في الفصل 45 وما يليه من قانون الصحافة .خـاتـمــة:صحيح أن القضاء المغربي كرس عدة مبادئ للموازنة بين حرية الصحافة، وبين الحريات الأدبية للأشخاص، وصحيح أيضا أن الدستور المغربي لسنة 2011 قد نص على مجموعة من الضمانات التي تكفل حرية الصحافة، إلا أننا نأمل أن يخرج مشروع قانون الصحافة إلى حيز الوجود في القريب العاجل خاليا من أية عقوبات سالبة للحرية، ومنظما لمهنة الصحافة ومفهوم الخطأ المهني بشكل دقيق، ومتضمنا لضمانات مسطرية تستجيب للمبادئ المنصوص عليها ضمن المواثيق الدولية حتى تتبوأ حرية الصحافة المكانة اللائقة بها على الصعيدين الوطني والدولي، باعتبارها من جهة أولى- حسب الجمعية العامة للأمم المتحدة- شرطا مسبقا لجميع الحريات الأخرى وأساس نبض الحياة داخل المجتمعات، ومن جهة ثانية – وحسب رأي المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان - معيارا للتعددية والتسامح وروح التفتح في المجتمعات الديمقراطية ، ومن جهة ثالثة – مؤشرا لقياس مدى توسع هامش الحرية أو التضييق عليه، وحتى يستعيد المغرب رتبته التي فقدها دوليا حسب تقرير منظمة «فريودوم هاوس». بقلم: الدكتـور حسـن فتـوخ ,مستشار بمحكمة النقض