عمال ينظمون جلسات استماع جماعية لمواطنين في لقاءات مفتوحة بالبيضاء وحدها امرأة كانت دقيقة في تشخيص ما يقع بدار "سطاش" ببلدية دار بوعزة، وهي تضع اليد على الجرح، وتصب، عبر ميكروفون، جلسات الاستماع الجماعية التي ينظمها عامل إقليم النواصر، لهبيل الخطيب، بمجموعة من دواوير المنطقة، زيت الحقيقة الحارقة "الراجل هو السبب... ما كاينش الرجالة"، تقول أمينة، قبل أن تضيف "هل تعلم سعادة العامل أن النساء هجرهن الأزواج، منهن المطلقات، ومنهن اللواتي ترك أزواجهن البيوت إلى غير رجعة. ولذلك فإنهن يضطررن إلى مطاردة قوت عيش أبنائهن، ومنهن التي تأتي من منطقة أخرى إلى دار سطاش لأن سومة الكراء هنا رخيصة، وكل واحدة تأتي ومعها أربعة أو خمسة أطفال، كلهم يتربون في الشارع لأن الأم تنشغل بالبحث عن لقمة العيش تخرج من البيت من الثامنة ولا تعود إلا في السادسة".المرأة وضعت اليد في أصل المشكلة، وهي تشير إلى أن إهمال أطفال الأمهات المطلقات، أو اللواتي غاب عنهن أزواجهن، وعدم تدخل السلطات لإلزامهم بنفقة الأطفال، يقود الصغار إلى أحضان الانحراف، "لدينا بيوت مهجورة، يستغلها المنحرفون، وهؤلاء الأطفال سرعان ما يندمجون في عالم الانحراف، ويصبحون مدمنين، لأنه لا يوجد أحد يحميهم، أو يراقبهم".كل الشهادات ابتهجت بطريقتها الخاصة بهجر العامل كرسيه المريح، والتنقل عبر الأحياء لتنظيم لقاءات مباشرة مع السكان، مرفوقا برئيس البلدية ورئيس المجلس الإقليمي ورئيس المجلس العلمي للمنطقة، الذي تولى وعظ الآباء والأمهات الذين حضروا اللقاء، وذكرهم بدور الأسرة في تربية الأبناء وإصلاحهم، وأنذرهم بخطورة الوضع "إذا فقد الأمن فقد كل شيء"، وهو يستعرض تجربة دول عربية أخرى، التي خسر مواطنوها نعمة الأمن.الأمن هي النقطة الوحيدة المطروحة للنقاش على طاولة اللقاء المفتوح، وهو ما دعا العامل إلى التنقل بين الأحياء، بحثا عما أسماه "الحقيقة"، "نريد الإنصات إلى الجميع، مضيفا أنه "بدون أمن لا توجد تنمية اقتصادية ولا اجتماعية". وقال العامل مخاطبا السكان، يجب أن تعود النساء إلى الخروج بأمان وتعدن إلى بيوتهن بأمان، جميع السلطات المحلية والمصالح الأمنية مستعدة ليل نهار لتوفير الأمن للمواطن، هذه أولويتنا" يقول العامل بحزم. لكن المسؤول يعود إلى مربط الفرس ويضع بينه وبين المقاربة الأمنية مسافة، ليقول "الذين يتباهون بالسكاكين والسيوف هم أبناؤنا يجب أن نربيهم وتقع علينا مسؤولية توعيتهم"، قبل أن يتطرق إلى أهمية دور الأسرة والمدرسة والمجتمع المدني. وقبل أن تنغرز سيوف صراحة السكان في كبد أسباب انتشار الجريمة، يقر مسؤول وزارة الداخلية بوجود فئة خارج القانون "هؤلاء يروجون المخدرات، خاصة الأقراص المهلوسة، وينشرون سمومهم في محيط الإعداديات والثانويات، ويساهمون في تكوين منحرفين ومدمنين، لذلك أعطين تعليمات صارمة لمحاربتهم".وبما يشبه التبليغ تحدث السكان عن البنايات المهجورة التي يلوذ بها مروجو المخدرات والمنحرفون، مطالبين بإغلاقها وتعلية أسوارها، كما طالبوا بتطليق الحملات المناسباتية، وسن حملات أسبوعية أو حتى شهرية لاعتقال المجرمين. وعبر بعضهم صراحة عن تخوفه من أن تكون الحملات الأمنية موسمية، قبل أن تعود دار سطاش إلى "التسيب"، وهنا يبتعد المتدخلون عن إدانة رجال الدرك ويعثرون لهم على أعذار كثيرة تساهم في انتشار الجريمة "عناصر الدرك قليلة، والمشاكل الأمنية كثيرة، ولا يمكنهم التدخل في كل مكان دفعة واحدة، كما أنهم لا يتوفرون على وسائل نقل كافية، ولا وسائل نقل تمكنهم من اقتحام الأزقة الضيقة المنتشرة هنا"، وهذه أسباب كافية لتجهض عمليات الدرك، حسب المتدخلين. وليعلم رئيس المجلس العلمي، الذي تحدث عن سر أمان البلاد المرتبط بالثوابت الدينية والوطنية، سر اعتناق مجموعة من الشباب مذهب التشرميل، تحدث السكان عن تورط شركات صناعة "النيبرو"، وترويج التبغ "إذا قل النيبرو ولم يسوق للقاصرين، فلن يكون هناك حشاشون، إذا حورب بائعو السجائر بالتقسيط سيقل المدخنون الصغار، إذا خفضت شركات السجائر من إغراءاتها، من قبيل تقديم علبة ثالثة مجانا لكل من يقتني علبتي سجائر إضافة إلى ولاعة هدية، سنحد من نسبة المدخنين". هذا واحد من الأسباب التي تدفع الشباب إلى التدخين، وليست أولها، يقول أحد الفاعلين الجمعويين، قبل أن يعرج على أسباب أخرى من بينها غياب مرافق رياضية ومركبات ثقافية، وعدم التواصل باستمرار مع المجتمع المدني لمناقشة مشاكل الشباب، وغياب دعم للجمعيات لتكثيف أنشطتها الثقافية والشبابية لجعل الشباب منشغلا دائما حتى لا يسقط في فخ الإدمان وبالتالي الإجرام. وبدا العامل منشغلا بهموم السكان، وهو يخبرهم أن الشكايات التي خرجت من القلب وصلت إلى القلب، ما حمل بعضهم إلى ضفة الارتياح في انتظار الحلول التي ستعيد ثقة المواطنين الكاملة في رجال الداخلية بكل أجهزتها.ضحى زين الدين