الصباح الفني

مفتكر: “البراق” يرفض المتفرج الكسول

قال إن فيلمه لا يترك المتفرج سلبيا بل يجعله يحاول فك ألغازه

أكد المخرج محمد مفتكر أن فيلمه «البراق»، أول أفلامه الطويلة الذي خرج إلى القاعات أخيرا وحصد العديد من الجوائز، صعب لأن زاوية الحكي فيه تتم من وجهة نظر إنسانة مريضة عقليا. وأشار في حوار مع «الصباح»، إلى أن المبدع لا يصنع إلا الأعمال

التي يحس بها ويتفاعل معها وتتطابق مع شخصيته الفنية. في ما يلي تفاصيل الحوار:

لماذا اختيار البراق، بكل حمولته الدينية، عنوانا لفيلمك؟
اختيار الاسم كان من خارج المحتوى الدرامي للفيلم. إنه يحيل على حيوان هو الحصان الذي لا يطير أصلا، لكنه يطير في المتخيل الشعبي أو المرجعية الأسطورية. إنه اختيار رمزي يعود إلى تلك الفتاة التي تعتقد بقدسية الحصان من خلال كل ما يحكيه الأب والأم لها. فالطيران هنا هو طيران هذه الفتاة التي تحاول أن تحلم وتؤمن بهذا الحلم حتى لا ترى الحقيقة المرة التي عاشتها. الطيران إذن إيجابي وهو بمعنى التحليق فوق الواقع.

فيلمك عمل نخبوي وموجه أكثر إلى المهرجانات بالدرجة الأولى. لماذا لم تضع في اعتبارك الجمهور العادي؟
لا يمكن للمبدع عموما، كيفما كان مجال اشتغاله، أن يضع مثل هذه الاعتبارات في ذهنه. لا يمكنني أن أقول إنني سأصنع فيلما للمهرجانات أو آخر من أجل الجمهور العريض. إنه منطلق خاطئ يصبح معه المبدع تاجرا أكثر منه فنانا. والفنان لا يصنع إلا الأعمال التي يحس بها ويتفاعل معها وتتطابق مع شخصيته الفنية. من الصعب أن يتنبأ مخرج بمصير عمله بعد إخراجه. وإذا كان الفنان يصنع فيلما من أجل الجمهور فهو لن يرقى بهذا الجمهور. السؤال المطروح هو ما هو أفق انتظار الجمهور المغربي؟ إذا كان هذا هو المنطق، فقد يصدم المخرج إذا لم يتوافق عمله مع هذا الأفق.

فيلمك ليس تجاريا. فكيف استطعت إقناع بعض المنتجين الخواص بدعمه؟
لا يوجد لدينا في المغرب منتجون يدعمون فيلما مغربيا بشكل كامل، حتى ولو كان المنتج يضمن نجاح الفيلم تجاريا، لأنه يعرف مسبقا أنه لن يستعيد أمواله. السينما المغربية توجد اليوم بفضل الدعم السينمائي والتلفزيوني، إضافة إلى إسهامات بعض المنتجين. و»البراق» لم يخرج عن هذا السياق. ليس لدي علم بالميزانية الحقيقية للفيلم، لكن كل ما يمكنني  أن أقوله هو أن ظروف إنتاجه كانت حسنة.

لماذا كنت مصرا على أن يكون «البراق» شبيها بأفلامك القصيرة السابقة في غموضه وصعوبته، رغم أنه أول فيلم طويل لك؟
باعتباري سينمائيا، أعتقد أن لدي مشروعا جماليا أحاول التجريب فيه. بدأ هذا المشروع منذ أول أفلامي القصيرة وتطور في أفلام قصيرة لاحقة وانتهى بالفيلم الطويل الذي أكمل هذه الحلقة. يتلخص هذا المشروع في سؤال كيف يمكن للغموض أو للمتاهة أن تصبح في حد ذاتها هدفا للفرجة والتساؤل؟ كيف يصبح التعامل مع الزمن والمكان هدفا دراميا وجماليا وعنصرا فاعلا في الكتابة السينمائية؟ كيف يمكن للتساؤل (تساؤل المتفرج المستمر) أن يكون عاملا من عوامل الإبداع؟ أعتقد أن «البراق» لا يترك المتفرج سلبيا بل يجعله يحاول فك الألغاز، وبهذا يصبح كذلك صانعا لفيلم آخر مواز. الهدف من «البراق» ليس أن تفهم أو لا تفهم حين ينتهي الفيلم، لكن في المتعة التي يقضيها المتفرج طيلة مدة عرض الفيلم. فيلم البراق يرفض المتفرج الكسول. وغالبا ما يكون هذا الأخير هو من يرفض الفيلم ويقول إنه لم يفهمه أو لم يعجبه.من جهة أخرى، أجد أن علينا نحن المخرجين أن نغني السينما المغربية باختلافاتنا، خاصة أنها سينما فتية وما زالت في بدايتها، كما أنها أصبحت نموذجا في السينما العربية. قد يعجبك الفيلم أو لا يعجبك لكن لا يمكن أن تقول عنه إنه رديء.

لماذا كل هذه الصعوبة في الفيلم؟
الفيلم صعب لأن زاوية الحكي تتم من وجهة نظر إنسانة مريضة عقليا. والمتفرج لا يشاهد إلا ما تشاهد هي، وكلنا نعرف أن المريض العقلي له تعامل خاص مع الزمان والمكان والحدث والأشخاص. إنها نظرة ذاتية جدا. وهذه النظرة هي التي حاولت أن أحكيها، لذلك يصبح المتفرج شبه مريض دون أن يحس بذلك. ونحن لم نتعود في السينما المغربية على هذه الزاوية من الحكي التي تستعمل وجهة نظر يختلط فيها الحلم بالواقع والبراق بالحصان. إن المتفرج يفقد بذلك سلاحه الذي به يفكك هذا الفيلم، وهذا ما يفسر أن فيلم «البراق» بقي موضوع نقاش وتساؤل بعد عرضه.

كيف كانت أصداء عرض الفيلم؟
أصداء عرض الفيلم معتدلة. ليست لدي أرقام محددة، لكن عرضه لأسبوعين يبشر بالخير. وتيرة مشاهدته في القاعات متصاعدة. هذا ما قيل لي. أتوصل أيضا برسائل عبر «الفيسبوك» من مشاهدين يقولون لي «ضرنا راسنا» ويحاولون الفهم، ومنهم من يعتقدون أنهم فهموا ويريدون تأكيدا مني لصحة ما فهموه…

دفاعك وتحيزك لصف المرأة طاغ في جميع أعمالك. لماذا؟
من بين الأصداء التي سمعتها عن الفيلم أن إحدى المتفرجات قالت لي إنه أحسن فيلم كرم المرأة المغربية. كيف يمكن لمجتمع ما أن يعتبر المرأة دونية المستوى إلى درجة تدفع الأب إلى تربيتها كذكر؟ لا أعتقد أن مجتمعا كيفما كان يمكن أن يتطور وقد أقصى المرأة من سيرورة هذا التطور. وهذا ما يحكيه «البراق» على المستوى الموضوعاتي. يجب أن نقبل المرأة كما هي والرجل كما هو دون تفضيل مادي أو معنوي. بدون شعور أجد أن بطلات أفلامي نساء. هل بسبب غياب الأخت؟ أم بسبب فقداني لوالدي في سن صغيرة؟ وهو غياب عوضته الوالدة بحضورها القوي والإيجابي جدا في حياتي. أو ربما بحكم أنني لست متزوجا كذلك؟ هناك غياب للمرأة في حياتي. النساء في أفلامي أكثر جمالا وروعة منهن في جميع الأفلام المغربية. أحب المرأة وأمنحها قيمة كبيرة.

من بين نقاط القوة في فيلمك الأداء الجميل للممثلة ماجدولين الإدريسي التي لم نتعودها في مثل هذه الأدوار. كيف كان اختيارها؟
اختيار ماجدولين كان تقنيا أكثر منه فنيا. كنا نبحث عن فتاة صغيرة تلعب دور البطولة وكان من الصعب أن نجد طفلة عمرها أقل من 18 سنة لتحمل ثقل الفيلم. ماجدولين لديها بنية جسدية متغيرة ومرنة تمكنها من لعب دور الصبية الصغيرة أو الفتاة الشابة… كما أن ماجدولين لديها من الناحية الفنية مساحة هائلة لأداء الأدوار سواء في المجال الكوميدي أو الدرامي، وقد أثبتت ذلك في الفيلم، إضافة إلى أنها منضبطة جدا في العمل.

كتبت سيناريو الفيلم أيضا شأنك شأن العديد من المخرجين الذين يكتبون ويخرجون ويقومون أحيانا بدور البطولة. أليس هناك كاتب مغربي يمكن أن يقوم بهذا الدور؟
ليست لدينا سيناريوهات جيدة، ولا كتاب سيناريو في المغرب. وأتحمل مسؤوليتي في ما أقول. وهذا ليس حكم قيمة. حين تصبح السينما صناعة مكتفية بذاتها في المغرب سيكون لدينا كتاب سيناريو. أما اليوم فلدينا فقط كتاب هواة من خارج المهنة، وحتى إن تم التعامل معهم فالمخرج يعيد كتابة السيناريو غالبا. كتابة السيناريو يلزمها دراسة اللغة السينمائية في معاهد مختصة أو بطريقة عصامية فيها مواظبة. كل مخرج يحلم بأن يجد يوما سيناريو مكتوب جيدا وأتحدى أي مخرج أن يرفضه.

ماذا عن تجربتك في رئاسة لجنة تحكيم مسابقة الفيلم القصير بمهرجان طنجة؟
إنها مهمة صعبة بحكم أنني أعرف كل ما يقع في الساحة السينمائية على مستوى الفيلم القصير وأعرف نسيبا كل التوجهات. سأحاول باتفاق مع أعضاء لجنة التحكيم أن ننظر إلى هذه الأعمال نظرة احترافية وأن تكون الكتابة السينمائية وكيفية تناولها للقضايا الراهنة هي همنا الأساسي في نظرتنا وحكمنا على الأعمال المعروضة.

ما هو جديدك؟
منذ 7 أشهر وأنا بصدد كتابة سيناريو مشروعي الجديد. لكن خروج «البراق» إلى القاعات وردود الفعل المختلفة جعلتني أتريث قليلا لكي أعيد النظر في مجموعة من القناعات ومساءلتها من جديد. إن إنتاج فيلم لا يكتمل إلا بخروجه إلى القاعات، فهي مرحلة تدخل في صناعة الفيلم. تعرفت أكثر على المشاهد المغربي. سآخذ الأمر بعين الاعتبار لكن ليس بطريقة سطحية، بل بطريقة تجعل  رد فعل الجمهور العريض والمختلف فاعلا وحاضرا في الكتابة السينمائية لمشروعي الجديد.

أجرت الحوار: نورا الفواري

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق