نشر الأحكام القضائية تطاول على الدستور تتبع الرأي العام المغربي والقضاء على صفحات الجرائد والمواقع الإلكترونية مبادرة لإحدى الجمعيات في إطار ما يسمى تعزيز رقابة المجتمع المدني على القضاء المتمثلة في نشر الأحكام القضائية المعيبة التي فيها شبهة الرشوة، أو التدخل من طرف السلطة السياسية أو من أي طرف آخر في الأحكام القضائية. ولتحاشي هذه الفوضى القانونية لابد من الاستماع إلى صوت الحكمة، والرزانة، والقانون والمؤسسات ، وما دمنا في بلاد تاريخها القضائي، الذي صنعه، رجالها، وملوكها، ومؤسساتها عبر قرون من الزمن، يجب أن يقف اليوم كل قاضي ضد هذه الفوضى. فإذا كانت فرنسا بعظمتها، اختزلت في صوت سبعة قضاة، فإن الودادية الحسنية للقضاة اليوم، بمئات القضاة توضح للرأي العام اجتنابا لهذه الفوضى التي أراد البعض أن يطلقها، في صفوف الجسم القضائي، والمؤسسات الوطنية، في هذا الظرف التاريخي والانتقالي الدستوري، فإن قضاة المملكة الشرعيين يقولون "لا للفوضى" للأسباب التالية: أولا : في ما يتعلق بنشر الأحكام القضائيةمن خطاب صاحب الجلالة المغفور له الملك الحسن الثاني يوم 24 أبريل 1995 :» أحتكم بجدية وتأكيد على إصدار المجلات القضائية التي تصدر فيها أحكامهم، لأنني كنت أقر بعض الأحكام قبل خمسة عشر أو عشرين عاما، وكانت تلك الأحكام بتعليلها تشرف المغرب وتشرف القضاء المغربي، ولي اليقين أن هؤلاء القضاة مازالوا موجودين عندنا، وهذه النوعية من القضاة موجودة عندنا فعلينا أن نعرف بفلسفتنا القضائية، والمسببات القضائية فسيكون ذلك إثراء لجميع القضاة أولا، وسيكون مرجعا من المراجع فيما إذا حدث حادث، وسيكون بطاقة تعريف لنوعية القضاء المغربي وما يشتمل عليه من اجتهاد في الرأي ومن ابتكار في تكوين القضاة » انتهى النطق الملكي.وبما أن الودادية الحسنية للقضاة الجمعية الوحيدة التي راعاها ملوك المغرب باعتبارها الممثل التاريخي والشرعي والمخاطب لقضاة المملكة بمقتضى الخطب الملكية السامية خصوصا منها لمن فاته ركب المعرفة نذكره بالخطاب الملكي السامي لجلالة الملك محمد السادس نصره الله بمناسبة افتتاح دورة المجلس الأعلى للقضاء مارس 2002 «وبذلكم تسترجع الودادية إشعاعها، وتحمل من جديد مشعل استقلال القضاء، والدفاع عن حقوق القضاة، وتحدد النهج القويم لعملها، ولمساهمتها في إصلاح القضاء، الذي يوجد اليوم في قلب عملية تغيير المجتمع وتحديثه، ودمقرطته وبناء دولة الحق والقانون والنماء والتقدم، أي في صميم اختيارات استراتيجية لا رجعة فيها وتحديات مصيرية يجب على المغرب أن يرفعها، وهو ما لن يتم إلا بالمساهمة الحاسمة والفعالة للقضاء «. «انتهى النطق الملكي السامي.ولمن خانه الإطلاع على التاريخ القضائي المجيد من أصحاب المشاريع والكتاب الجدد الذين سال بهم سقف التأليف في الشأن القضائي أذكرهم بالأمر المولوي الصادر عن جلالة الملك المغفور له الحسن الثاني المؤرخ في 8 ربيع الأول 1420 الموافق ل 22 يونيو 1999، عندما أمر جلالته رحمه الله بإخراج مجموعة من الأحكام الصادرة عن الاستئناف الشرعي الأعلى إلى الوجود، بعد مراجعتها، واستخراج مبادئها والتعليق عليها وفهرستها، ونشرها، لتصبح سهلة المنال في يد القارئ، وهو ما نفذته اللجنة العلمية المكونة من كبار قضاة المملكة المنتمين إلى الودادية وعلى رأسهم، الأستاذ إدريس الضحاك، والأستاذ عبد العلي العبودي والأستاذ محمد الصقلي والأستاذ محمد بوزيان والأستاذ محمد الأجراوي والأستاذ أبو مسلم الحطاب، والأستاذ أحمد عرة، وتكليف للمنسق الأستاذ ميلود لقصير القاضي الملحق بالأمانة العامة للحكومة.وبناء على الأمر المولوي وبهبة ملكية خاصة تم طبع الأحكام الصادرة عن مجلس الاستئناف الشرعي الأعلى في مجلدين. ويستخلص من ذلك أن من له الأمر في نشر الأحكام القضائية هو رئيس المجلس الأعلى للقضاء، ورئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية باعتباره الضامن لاستقلال القضاء، هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإن تمويل الطبع والنشر والتعليق لا يكون أبدا من موارد أجنبية وإنما بهبات ملكية وأوامر سامية، وإذن مولوي اعتبارا للفصل 115 من الدستور الذي ينص على أن جلالة الملك هو رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية.وكل تطاول على نشر الأحكام القضائية هو تطاول على الدستور وعلى المؤسسة القضائية من الناحية الشرعية، إذ ليس الأمر بيد وزير أو رئيس حكومة، أو قاض، أو محام، أو جمعوي وطني أو أجنبي مسألة إعطاء الإذن في نشر الأحكام والقرارات القضائية بصفة رسمية أو غيرها، أو ابتغاء أجر مالي، أو هبة، فمتى كانت الأحكام الصادرة باسم جلالة الملك وتطبيقا للقانون موضوع مساومات مالية أو البيع والشراء فيها بواسطة هبات أجنبية لا تعرف الجمعيات المانحة لها، تاريخ القضاء، وخصوصيته في بلادنا، أو وقع التحايل عليها، باسم البحث العلمي والعمل الجمعوي للإيقاع بمن يجهلون حتى بلغة تحرير قوانين في غياهب خلافات جمعوية حول هبات مالية.ثانيا : إذا كان صاحب المشروع الذي هو محام وغير معذور بجهله للقانون لا يعلم أن ما أقدم عليه في إطار العمل الجمعوي من محاولة أخذ إذن من وزير العدل عن طريق استغلال صفته كنائب لرئيس المجلس لأعلى للقضاء في هذه الفترة الانتقالية بمقتضى الفصل 178 من الدستور، وهو ما فنده وزير العدل عن طريق ممثله، وتدعوه اليوم الودادية الحسنية للقضاة إلى إصدار بيان واضح في ذلك لتوضحة الأمر، حيث يبقى طلب موافقته كوزير وليس كنائب رئيس المجلس الأعلى للقضاء، ألا يعتبر ذلك مسا باستقلالية الجمعيات غير الحكومية المحرم عليها قانونا؟ كما عبرت عن ذلك رئيسة جمعية عدالة مسا بمبدأ الاستقلالية عن الجهات الحكومية كأحد المبادئ الأساسية لعمل المنظمات غير الحكومية المدافعة عن حقوق الإنسان." أين هي حقوق الإنسان يا صاحب المشروع؟ وشهد شاهد من أهلها !"ثالثا : ألم يقرأ أصحاب المشروع الرامي إلى التربص بالقضاة ومحاولة إقامة محاكم تفتيش في بداية الألفية الثالثة على القضاة المغاربة، متطاولين على مؤسسة القضاء كشويعر المتنبي الشاعر الكبير الذي كان تحت إبطه متناسيا بأن هيبتهم وقوتهم من قوة القضاء وضعفهم وهوانهم من ضعف القضاء، فهم بذلك يستحلون لأنفسهم مركز المراقب والرئيس والآمر والناهي، والفقيه، والقاضي، والعالم، والتقني، والجهبيذ، والنحرير، والشريف والنزيه، والتقي والمستقيم، والولي، والمقدم، على من ؟ على القضاة الذين أعطاهم القانون والدستور هذا الحق، لقد أطلعت على فصول القانون، ولم أجد نصا في جميع التشريعات العالمية يبيح التحجير على القضاة، فمن أين جئتهم بالله عليكم بهذه الأفكار، ربما يكون الأمر في هولندا التي منحتكم بعض الأوروات، هل سألتم الهولنديين أنفسهم الذين لم يسمح للقضاة في هذا البلد بإنشاء أكثر من جمعية واحدة للدفاع عن مصالحهم، خوفا من تفرقة صفوفهم التي يمكن أن تدخل بينها بعض الأوساخ والفيروسات السياسية والبكتيريات الدماغية التي تؤثر على استقلاليتهم، فبالأحرى تمويل مشروع كحق أريد به باطل من أجل تبرير صرف هذه المبالغ، لغاية لا يعلمها إلا أصحابها. لكن انتظروا قليلا لقد قرأنا على صفحات الجرائد نفسها المستخدمة كمنبر لمشروعكم خبرا مفاده أن رئيس الحكومة سوف يخضع أموال الجمعيات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات خطوة تنهي عقودا من السيبة في تبذير أكثر من 250 مليار سنتيم. الأداء القضائي هو ثلاثة ملايين حكم يصدر سنويا ألم يستحي أصحاب المشروع بأنه في الوقت الذي كان فيه أحدهم من مكونات اللجنة العليا للحوار الوطني، ألم يكن حريا به أن يستصدر تنزيلا دستوريا، لمشروعه، يعطي الحق للجمعيات بصراحة القانون في ذلك، أم أنه يعلم مسبقا بأن مكونات هذه اللجنة كانت ستستهزئ بفكره القانوني الخلاق في حالة طرح مثل هذه الخزعبلات وستتساءل عن وجوده بينها، في الوقت الذي أوصت في تنزيل الدستور بضمان استقلالية القضاة، وجعلت من مظاهر ذلك الفصل 76 من مسودة مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة (وهو بالمناسبة مازال موضوع أخذ ورد بين وزارة العدل، والودادية الحسنية للقضاة). ألستم من المشاركين في اللجنة العليا؟ أليس هذا القانون منبثقا من توصياتكم؟ لماذا لم تكن فيكم الشجاعة الأدبية والفكرية التي بمقتضاها سمحتم لأنفسكم بدور الرقيب والترصد للقضاة بإضافة فقرة خاصة تجيز لجمعيتكم والجمعية الهولندية الممولة لمشروعكم، تقييم أداء القضاة، أليس الأداء القضائي هو ثلاثة ملايين حكم وقرار يصدرها قضاة المملكة سنويا؟ أتصور فعلا الصندوق الذي يمكن لكم المطالبة به لجمعية أخرى للقيام بهذه المهمة، وكيف ستديرونه من الناحية المالية تحت أعين ومراقبة المجلس الأعلى للحسابات، نصيحتي إليكم أن تتريثوا قبل اتخاذ هذه الخطوات التي يمكن أن تنتهي بكم عند هؤلاء القضاة الذين تريدون أن تحجروا عليهم وعندئذ سوف يكون كلام. التشهير بالقضاة عمل جرمي ألا تعلمون وهذه من أبجديات القانون الجنائي وأنتم تصرحون بأنكم سوف تعلقون على الأحكام الابتدائية والاستئنافية المعيبة، بأن هذه الأحكام حصنها القانون الجنائي من تطاولكم؟ إذ أن الفقرة الأولى من الفصل 266 تنص أنه قبل الحكم غير القابل للطعن، وقبل صدوره هناك خط أحمر لا يمكن أن يتم تجاوزه في قضية ما.و أن اجتهادا لمحكمة النقض في الفصل نفسه المطابق لقانونا الجنائي إذ اعتبرت هذه المحكمة في تفسير المادة 266 المذكورة أعلاه في قرارها المؤرخ في 29 يناير 1957 الصفحة 93- «بغض النظر عن النقد الموجه إلى قرار قضائي في حد ذاته بالنسبة لتطبيق المبادئ القانونية والذي يمس شخص القاضي الذي أصدر القرار بصفته جارحة "Des Allégations blessantes" من شأنها المس بشرفه واعتباره تعتبر داخلة في مفهوم الفصل 266 المطابق للفصل الفرنسي».وبأنكم عندما تصرحون بأن الغرض من مشروعكم هو التشهير بالقضاة الفاسدين والمشبوهين لتطهير القضاء بالنسبة للأحكام الابتدائية والاستئنافية المعيبة هو في حد ذاته عمل جرمي يدخل نصا واجتهادا تحت طائلة نصوص جنائية جاري بها العمل، وإذا لمسنا العذر لقضاة مبتدئين سايروكم بحكم مساندتهم لهم في عمل جمعوي وقضاة آخرين، غلب عليهم تخصصهم الإداري إذ لم يلتفتوا ولم يتفقهوا في القانون الجنائي، وآخرين نصبوا أنفسهم شرطة للمرور، وآخرون سامحهم الله لم يثنيهم تقاعدهم المريح في السلك القضائي عندما اعتبروا أن نشر الأحكام يؤسس لترانسبرانسي قضائية، ما أبعد القضاء وواجب التحفظ المفروض على مهنتنا، من هذه الترهات التي أحيا الله القضاة حتى أصبحوا يسمعون بهذه البدع باسم الحق في المعلومة وباسم المجتمع المدني، وما أحصن للقضاة من الابتعاد عنها، وتصريف شؤونهم بدون الاستقواء بغير القانون المنظم لنا، والنصوص التي تحمي أعمالنا والحصانة الكبرى التي توفرها لنا رئاسة جلالة الملك نصره الله للمجلس الأعلى للسلطة القضائية. القانون يمنع مؤسسة الوسيط من إبداء الرأي تنبهكم وتنصحكم الودادية الحسنية للقضاة بضبط حساباتكم وصرفها في غير نشر أحكام مؤسسة لا شرعية واقعية ولا قانونية لكم عليها في استخدام أحكامها وقراراتها، كأصول تجارية مذرة للنفع، كان الأولى بها استخدامها في مهنتكم الحرة المحتاجة إليها، أكثر من القضاء الذي بفضل قناعة رجاله وعفتهم قرر أن تستغني حتى جمعياته، عن مثل هذا الفتات، حرصا على استقلاليته إذ تجوع الحرة ولا ترضع من ثديها ومن الأولى تنظيف بيت الإنسان أولا قبل أن يتطاول على تنظيف بيوت الآخرين.رابعا : ألستم أنتم من المساهمين في تنزيل المادة 77 من مشروع المدونة نفسها: «يحق للقاضي بطلب منه الإطلاع بالأمانة العامة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية على آخر تقرير تقييم الأداء الخاص به وذلك قبل متم شهر يونيو من كل سنة.يمكن للقاضي المعني بالأمر داخل أجل خمسة عشر يوما أن يقدم تظلما إلى المجلس بشأن سير الترقي المقترح له. إذا تبين للمجلس جدية تظلم القاضي يقرر نسق الترقي المناسب».أليست هذه الضمانات هي في الحقيقة مسطرة لمنازعة القاضي لرؤسائه الذين خول لهم القانون المنبثق من الدستور وحده، الذي سهرتم عليه في اللجنة العليا، للطعن في تقييم إنجاز قراراته وأحكامه وهي أمور من القداسة بمكان، نص عليها الفصل، وحصر الأشخاص والمؤسسات المعهودة إليها بالحصر والنص، بالتقييم، لماذا لم تأمروا اللجنة بإضافة جمعيتكم التي لم تكن إلا في مخيلتكم، إذ بأي صفة يمكن لكم فرض شخصيتكم وجمعيتكم كرقيب على أحكام وقرارات القضاء التي حرمها حتى على وزير العدل باعتباره أصبح غير معني بمقتضى دستور 2011 بشؤون القضاء، فما بال جمعية تخطو الخطوات الأولى في طريق لا يمكن لمن يريد ارتياده حتى يتوفر على درجة استثنائية في القضاء عمرها أزيد من ثلاثين سنة، إذ إذا رجعتم إلى الفصل 76 من مشروع القانون الأساسي أن المؤسسات الحصرية التي عهد القانون لها بتقييم القرارات والأحكام القضائية لا يمكن عمليا إلا في حالات نادرة جدا أن تكون دون مستوى الدرجة الاستثنائية. !خامسا : وأتوجه إلى صاحب مشروع محاكم تفتيش القضاة والتربص بهم، وهو محام من أسرة القضاء يا حسرتاه ! أليس كان الأحرى بكم أن تقوموا بدور الرقيب، على مؤسستكم التي نكن لها كل التقدير والاحترام، أعلم علم اليقين انه لا يمكنكم ذلك لأنها محصنة بنقابات عتيدة مدافعة عن منخرطيها، مجرد التفكير في ذلك سوف يترتب عنه إحالة صاحب الفكرة على المجلس التأديبي، ألم تعلموا أنه في فرنسا وفي عدة دول يمنع بمقتضى القانون على مؤسسة الوسيط وحتى في المغرب أن تقوم بتقييم وإصدار رأي ولو استشاري في حكم أو قرار قضائي، وأنه محرم عليها، في إطار مبدأ الفصل بين السلطات الإشارة إلى كون حكم أو قرار معيب لعدم اختصاصها، وأنه في فرنسا لا يمكن لهذه المؤسسة لا المناقشة ولا التعليق على القرار القضائي وإنما فقط رفع الملفات غير المنفذة من طرف الإدارات العمومية إلى رئيس الجمهورية الفرنسية دون أي إشارة إلى العمل القضائي أو صاحبه احتراما لمبدأ فصل السلطات. وكذلك الأمر بالنسبة إلى بلادنا ومختلف البلدان في العالم.سادسا : ألا تعلمون بأن الفصل 380 من القانون الجنائي ينص:"من تدخل بغير صفة في وظيفة عامة، مدنية كانت أو عسكرية، أو قام بعمل من أعمال تلك الوظيفة، يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات، ما لم تكن جريمة أشد" أليس تقييمكم لعمل القضاة يعتبر قيام بأعمال الرؤساء والوكلاء الذين منحهم القانون بصفة حصرية ولأعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية هذه الاختصاصات؟ بقلم نور الدين الرياحي (الناطق باسم الودادية الحسنية للقضاة)