المعدن الإفريقي الذي لم تزده دروب السلاح والسياسة إلا بريقا لا يستمد الماس خصوصيته من تفرده بين الأحجار ولا من نقاء جزئياته، بل يشكل فصول أسطوريتة من الجمع بين تناقضات عديدة، إذ لم يزده صراع السياسيين والعسكر على مناجمه إلا نقاء، ورغم أنه مضرب المثل في البياض يأتي في الغالب من القارة السمراء ، كما أن احتكاره لصدور و أنامل حسناوات العالم لم يمنعه من التربع على عرش المعادن من حيث القوة والصلابة. وإذا كانت غالبية الدول الإفريقية مرت من تجارب متفاوتة من الصراعات والحروب، فإن الصراع حول مناجم الماس كان وراء اندلاع أغلبها، كما هو الحال في سيراليون وأنغولا والكونغو ونيجيريا، حيث تسعى كل الأطراف إلى احتكاره، ذلك أن السيطرة عليه تتيح مصدرا للقوة والسطوة والرفاهية، كما تمنح إمكانات قوة يمكن توظيفها في شراء الأسلحة وتمويل الحروب.لكن تأثير المعدن النفيس لم يقف عند الحدود الإفريقية، إذ وصل بريقه إلى عيون أقوياء العالم، وما الصراع الكبير بين دول مجلس الأمن على مناطقه إلا دليلا على ذلك، خاصة بين واشنطن وباريس وبيكين.وعلى امتداد سنوات العقد الأخير من القرن الماضي حاول مجلس الأمن تطويق الصراع، وتوافق أعضاؤه على استصدار قرارات كثيرة تهدف إلى منع استيراد الماس من مناطق النزاعات في إفريقيا، وذلك بذريعة أن زعماء الحرب كانوا يستخدمونه لتمويل النزاعات الداخلية.كما أصدر مجلس الأمن قراراً يحظر استيراد الماس من أنغولا عام 1998، لأن القوى المتحاربة كانت تبيعه لتمويل الحرب الأهلية هناك، وقد رفع هذا الحظر سنوات قليلة بعد ذلك. وفي سنة 2001 فرض المنتظم الدولي حظرا على استيراد الماس من ليبيريا، قبل أن يمنع سنة 2005 استيراد الماس من كوت ديفوار، بالإضافة إلى فرض حظر مماثل على جمهورية الكونغو بذريعة أنها تصدر الماس بكميات ضخمة على الرغم من أنها لا تملك مناجم مهمة للمعدن المذكور، إذ وقفت التحقيقات أن مصدر الماس المهرب لدول إفريقية مجاورة يحظر عليها تصدير الماس. وأخيرا توصلت الأمم المتحدة إلى إطار قانوني يمكن أن يقلل من شدة الصراع على الماس، عندما فرضت على الدول المصدرة للماس نظاما يعرف باسم «عملية كمبرلي» يفرض على الدول المصدرة للماس أن تمسك سجلات واضحة بكميات وقيم الماس الذي صدرته ومصدره وطريقة إنفاق عائداته.المفارقة الأخرى هي أن رأس زينة الأغنياء يأتي من قارة الفقراء ومن النادر أن يحصل السكان المحليون، الذين يقومون بكل أشغال التعدين عن كامل قيمته، علاوة على أنه يسهل تهريب الماس، ويتسرب الشطر الأكبر من معاملاته خارج القنوات الرسمية، وهو ما يحرم الحكومات من عوائد الضرائب التي هي في أمس الحاجة إليها.لا ينتظر أن توقف قرارات المنتظم الدولي الحالمين بامتلاك الماس، فقد أعلنت وكالة الفضاء الأمريكية أخيرا عن اكتشاف العلماء كوكبا بضعف حجم الأرض يشكل الماس المكون الرئيسي فيه ويدور حول نجم يمكن أن يرى بالعين المجردة ... صدق الإنجليز "لا يقطع الماس إلا الماس".ياسين قُطيب