احتفالات وزيارات لزوايا منتشرة بمناطق الشياظمة وحاحا وعبدة عادت الحياة من جديد إلى زوايا ركراكة بمناطق الشياظمة وحاحا وعبدة، بعد توقف اضطراري فرضته جائحة كورونا، لسنتين، وبدا زوار هذه الزوايا، أكثر شغفا وحبا بتجديد العهد مع "الدور" وإشباع نهمهم الروحي، في لقاءات صوفية تنصهر فيها الذات، من خلال قراءة القرآن على الطريقة المغربية، والذكر والابتهال إلى الله. وفضلا عن البعد الروحي والديني الذي يشكله موسم ركراكة، فإنه يعتبر حركة اقتصادية مهمة، إذ ينشط فيهرواج السلع، ويتم ترويج منتوجات محلية، كما يؤكد العديد من التجار والحرفيين. إعداد: محمد العوال وأحمد جرفي (موفدا الصباح إلى زاوية ابن حميدة) انطلق قبل أسبوع، موسم ركراكة، الذي يعتبر أطول موسم بالمغرب، والذي يمتد لأزيد من شهر، يتم خلاله إقامة احتفالات وزيارات للعديد من الزوايا المنتشرة بمناطق الشياظمة وحاحا وعبدة، كتجسيد عميق لأدوارها الدينية والصوفية وإبراز قيم التضامن والتكافل الإنساني وصلة الرحم بين أهالي المنطقة وزوارها، مساهمة في حركية تجارية تنعش الاقتصاد المحلي، فضلا عن خدمة التصوف السني بعمقه المغربي. أطول موسم بالمغرب يستمر موسم ركراكة بطقوسه الاحتفالية والدينية، على طول 44 رحلة بين جماعات ودواوير الشياظمة وحاحا وعبدة، إلى أن يصل موكب الطائفة إلى الصويرة". ويقول أحد شرفاء ركراكة "إنه أطول موسم بالمغرب، فهذه المناطق تعرف حركية طيلة مدة إقامة الموسم، والناس يأتون من كل فج عميق، لحضور الموسم في مختلف المحطات التي سيصلها الموكب... علاقة الناس بالموسم لا يمكن وصفها.. إنه حب أبدي صعب على الوصف". قبل ثلاثة أيام، كانت زاوية ابن حميدة، والتي تعتبر معقلا لشرفاء ركراكة، مع موعد خروج "الخيمة"، بطقوس استثنائية، واحتفالات خاصة. وحل المئات من الزوار يوما واحدا قبل خروج الخيمة، فضلا عن ممثلي زوايا ركراكة، إذ التقوا من أجل تجديد العهد والصلة والتشاور بينهم، وإعداد الخيمة، وتهييئها قبل خروجها في اليوم الموالي. بدا الكثيرون منشرحين لعودة الحياة إلى موسم ركراكة، وقضوا ليلة صوفية، حضرت فيها الابتهالات وقراءة القرآن والدعاء لولي الأمر.. وبدا الفرح على وجوه كل الزوار، الذين قصدوا الزاوية، وباتوا بمدرستها القرآنية التي تضم المئات من الطلبة ليس من مختلف مناطق المغرب فحسب، بل من السينغال ونيجيريا وموريتانيا وغيرها من الدول. خيمة ركراكة.. طقس استثنائي للخيمة مكانة اعتبارية خاصة لدى شرفاء ركراكة، فهي ترمز إلى الدفء والأمن والأمان، ودار للثقافة والعلم والدين، كما تعتبر سقيفة يجتمع تحتها شرفاء ركراكة، الذين يتلقون التبرعات والهدايا والهبات مقابل أدعية التيسير والفتح والهناء والنجاح في الحياة. ومازال شرفاء ركراكة محافظين على طقوس خاصة، منها خروج الخيمة صبيحة يوم الثلاثاء، على اعتبار أن وصول الخيمة، قبل عقود طويلة خلت، كان يوم الثلاثاء، إذ رغم انطلاق الموسم، فالخيمة لا تغادر مقر الزاوية إلا في هذا اليوم، إذ يتم نقلها عبر ناقة، وذلك إخلاصا للعادات راسخ. ويرى القائمون على شؤون زوايا ركراكة، أن الخيمة، التي يتم نصبها تزامنا مع طواف شرفاء كراكة، ترمز إلى التداول في الشأن الديني والعلاقات الاجتماعية المبنية على التضامن والتسامح والتعايش، كما أنها تشكل فضاء للنقاش والتواصل، بين الأهالي.. وغالبا ما يتشكل القائمون على الخيمة، من فقهاء يتميزون بحفظهم للقرآن الكريم، ومعرفتهم بـأمور الدين، وضبطهم للأحكام الدينية، بالإضافة إل المعرفة التامة بالتصوف السني المغربي، وشخصيات معروفة بالورع والتقوى والزهد، وآخرين يعرفون بكل دقة تفاصيل جغرافية مختلف المناطق التي يصلها موكب ركراكة، فضلا عن معرفة بتاريخ رجال ركراكة، ويبقى القاسم المشترك بين مختلف القائمين على الخيمة، هو الانتماء إلى شرفاء ركراكة. ويقول الفقيه الحسين، في حديث عن ركراكة، فهم "سيدي واسمين وهو سلطان مجموعة سبعة رجال، وهو دفين جبل الحديد بالشياظمة، وسيدي بوبكر الشماس دفين زاوية أقرمود بسفح الجبل من جهة البحر، بالإضافة إلى سيدي صالح بن أبي بكر الشماس ابن السابق، وهو دفين بلاد حويرة على مقربة من والده، علاوة على سيدي عبد الله أدناس الذي يوجد ضريحه بالقرب من وادي تانسيفت من الجنوب، ثم سيدي عيسى بوخابية الذي يوجد ضريحه كذلك على ضفاف وادي تانسيفت، فضلا عن سيدي سعيد بن يبقى دفين موضع تمزت، وسيدي يعلى دفين رباط شاكر بمنطقة أحمر بإقليم اليوسفية". نشاط اقتصادي يرى الكثيرون أنه بالإضافة إلى البعد الروحي والثقافي الذي يشكله موسم ركراكة، فإنه بالمقابل يعتبر موسما اقتصاديا بالمنطقة، إذ تنشط الحركة الاقتصادية، كما تنتعش العديد من الحرف والمهن المحلية. فدور ركراكة، يستقطب المئات من أبناء القبائل التي تتقاسم الانتماء إلى ركراكة، إد يحرصون على الحضور للموسم لتقاسم لحظات الفرح وصلة الرحم مع أهاليهم وذويهم، فضلا عن المساهمة في الرواج الاقتصادي والاجتماعي والسياحي والفني. فعلى امتداد تضاريس الشياظمة وحاحا وعبدة، وبين هضابها وشعابها ووديانها يلتقط الوافد على موسم ركراكة، مشاهد مبهرة لقوافل من الدواب، تتبعها طوابير من البشر يمشون على الأقدام بين الحقول والمراعي.. وإذا كان الموسم يعتبر فرصة للزوار من أجل تجديد الصلة بهذه المناطق، فإن سكان المناطق أنفسهم، يعتبرون الموسم متنفسا روحيا واجتماعيا، إذ تتزين النسوة كما الأطفال، ويخرج الجميع في مواكب، من أجل الاستمتاع بأجواء الموسم، وزيارة الخيمة، التي تعتبر فضاء لتطهير الذات وتجديد الإيمان. تاريخ قبائل ركراكة يعتبر الأستاذ أحمد العسري، في حديث عن تاريخ قبائل ركراكة، أن هذه القبيلة، أسلمت على يد التابعي عقبة بن نافع الفهري سنة 67 هجرية، وهي القبيلة المغربية الوحيدة التي أسلمت طوعا وإيمانا وبدون أي مناوشة مع "جيش الفتح"، فقد كان دينها أقرب الى الإسلام... وأضاف، أنها (القبيلة)استضافت عقبة ورجاله أياما في منطقة رباط اكوز (الصويرية القديمة)..وفي هذه البقعة بالضبط وضع عقبة بن نافع قوائم فرسه في البحر وقال "والله لو كنت أعلم ما وراء هذا البحر " المحيط الاطلسي" لخضت إليه مجاهدا".. ولما أراد عقبة بن نافع الفهري متابعة الجهاد في المغرب ترك لقبيلة ركراكة التابعي شاكر بن همام، المعروف قبره بالمجال الترابي لسبت جزولة، ليعلمهم القرآن والحديث واللغة العربية ثم رحل ... كان عقبة بن نافع قافلا الى القيروان قاعدته العسكرية ليتجهز لحملة أخرى، حين حاصرته قبائل نفيس وكادت تقضي عليه لولا نجدة قبائل ركراكة التي فكت الحصار عنه وفتحت بلاد نفيس عنوة، ومن هنا جاءت مقولة " ركراكة فتاحين المغرب..." ورحل عقبة بن نافع ولم يعد، لأنه استشهد في "الزاب" على يد كسيلة الأمازيغي.. وبقيت قبائل ركراكة وحدها في مواجهة باقي القبائل ... مرة تقاتل من أجل نشر الإسلام حولها في قبيلة جزولة، ومسكالة، لمثونة الصغرى، ومصوفة... وغيرها ومرة فقط تدافع عن نفسها حتى جاء حسان بن النعمان الى المغرب مرة ثانية ... ويضيف المتحدث، أنه حسن إسلام قبيلة ركراكة، وانتشر بين أفرادها وأصبحت مرجعا فيه في الدعوة والعلم .