وكالات الأسفار خصصت ضمانة غير مقننة لتعويض الحجاج المتضررين للحج في قلوب المغاربة مكانة خاصة، ما إن يصل المرء إلى سن معينة أو ينعم بالبحبوحة المادية، حتى يسعى على الأيدي والأرجل خلف لقب «حاج». لا يهم أن يكون المرء متدينا دائم التعبد، فرحلة الحج ظلت على مر السنين محطة عمرية بالنسبة إلى كل مغربي. وعلى مدى قرون وعقود انتقلت رحلة الحج من «فنتازيا» السير على الأقدام إلى الطيران على متن المقصورة الأولى بأرقى الخطوط الجوية، لتتحول هذه الفريضة الدينية إلى سوق مالية ضخمة برقم معاملات قياسي. وكالات الأسفار إحدى ركائز هذه السوق وحائط مبكى كل متضرر من عملية الحج. حوالي تسعة أشهر على انطلاق مناسك فريضة الحج وقبلها مناسك العمرة المختارة في رمضان الكريم. التنافس على أشده بين وكالات الأسفار بعد اعتماد تسجيل المرشحين لقضاء مناسك الحج في لائحة فريدة وموحدة عوض لائحتين، كما كان معمولا به في وقت سابق، وبالتالي تمكينهم من اختيار الجهة التي يرغبون في السفر معها إلى الديار المقدسة بكل حرية، الأمر الذي أشعل فتيل المنافسة التجارية بين الوكالات وأنعش حصصها في سوق الحج، الذي يمثل 70 في المائة من حجم أنشطتها. أسعار مرتفعة حد التطرف وأخرى منخفضة حد الشك، أوقعت المرشحين للحج أو العمرة في حالة ارتباك، رغم تشابه العروض والخدمات المقدمة، فالسعر الأدنى لتمويل رحلة حج لن يتجاوز 39.500 درهما للشخص الواحد، وفق مصدر من الفدرالية الوطنية لوكالات الأسفار، إلا أن تباين الأسعار ليس العائق الوحيد أمام المرشح للحج أو العمرة لاختيار مطيته في الرحلة المقدسة، بل تنتصب عقبات أخرى في وجهه، تهم اختيار العرض الجيد، والأهم من ذلك وكالة الأسفار التي ستفي بتنفيذه. وهكذا تعودت مسامع المغاربة على حوادث النصب والاحتيال على الحجاج، وفرار أرباب وكالات الأسفار وعجزهم عن الوفاء بالتزاماتهم، مع اقتراب موعد موسم الحج، وهو حديث ذو شجون بالنسبة إلى بعض الحجاج الذين تحول سعيهم إلى قضاء الفريضة من أعتاب وكالات الأسفار إلى ردهات المحاكم، والحال هنا يصفه الحاج عبد الكريم، بالصدمة، حين وقع ضحية نصب إحدى وكالات الأسفار، غير المرخصة، ضمن العملية الوطنية لتنظيم الحج، التي تشرف عليها وزارتا الأوقاف والشؤون الإسلامية ووزارة السياحة والفدرالية المهنية التي تمثل القطاع، إذ يقول بنبرة تعتصرها الحسرة: «دفعت له من دمي وغدرني»، واسترسل بعد ذلك في الدعاء على صاحب الوكالة. حـج خمـسة نجـوم مقابل ذلك، لا يمثل الإكراه المادي شيئا بالنسبة إلى فئة معينة من المرشحين للحج، الذين يبحثون أداء مناسك الفريضة وفق شروط سياحية فخمة. تذاكر درجة أولى على متن الطائرة، فنادق وإقامات من فئة 5 نجوم، بالإضافة إلى خدمات التطبيب والإرشاد الديني والسياحي. وبهذا الخصوص تحكي الحاجة نعيمة، الستينية، بفخر عن رحلة حجها، التي مرت بظروف جيدة تعبر عنها بالقول: «قضيت أسعد الأوقات في الديار المقدسة، فالزخم الديني والمرافق الراقية، تجعلانك سعيدا وتتمنى العودة حين تتسنى لك الفرصة». الحاجة نعيمة، ميسورة الحال، لم تتردد في اختيار أفضل العروض حين قررت قضاء المناسك عبر وكالة أسفار، تنتمي إلى فئة معينة، متخصصة في تنظيم الرحلات الراقية إلى الديار المقدسة، ولها في هذا الشأن زبناء «في آي بي»، لا يبخلون على أنفسهم في تمويل رحلة فريدة، إذ تظل رحلة الحج عالقة في ذهن كل مغربي، يستمر في روايتها لكل قريب إلى الممات. رحلة عمر واحدة تحمّل الشخص لقبا يلتصق باسمه طيلة حياته. يمكن الحديث هنا عن فئة معينة من الزبناء، لا تطولهم الممارسات الشاذة لبعض وكالات الأسفار خلال موسم الحج، إذ يتحدث بعض الحجاج عن إهمال كلي للحاج فور نزوله بمطار جدة الدولي من قبل الوكالة التي أشرفت على رحلته، ليجد نفسه وحيدا يجهل أين يتجه، ذات اليمين أو ذات الشمال، وهي الواقعة التي عايشها الحاج محمد، حين غرر ببعض الزوار الذين رافقوه في رحلة الحج، إذ يؤكد عدم استفادتهم من خدمة المرشدين الديني والتقني خلال الرحلة، لينصهروا في جماعات حج أخرى قادتهم في قضاء مناسكهم إلى نهايتها. وهنا يرد صاحب إحدى وكالات الأسفار على هذا الأمر، بالتأكيد على استحالة إهمال وكالة مرخص لها بتنظيم الحج لزبنائها، إذ يظل هاجس العقاب من قبل وزارة السياحة يلازمها خلال محطات الرحلة المختلفة، فكل شكوى أو تظلم من قبل أحد الحجاج يهدد أنشطة الوكالة خلال موسم الحج الموالي، لتظل وكالات الأسفار غير المرخص لها مسؤولة بنسبة أكبر عن التجاوزات التنظيمية خلال موسم الحج. موضة "العمرة" المغرية التخوف من عقوبات وزارة السياحة، مرده الحرص على الاحتفاظ بهامش الربح المهم الذي يدره موسم الحج على وكالة الأسفار، التي تستفيد أيضا من تنظيم مناسبة العمرة، وهي سوق أخرى ما فتئت تنمو خلال السنوات الأخيرة، خصوصا خلال شهر رمضان الكريم، لتتحول إلى موضة بين الأثرياء وميسوري الحال، الذين يعتبرونها رحلة سياحية دينية، إذ تشمل برامج الوكالات لهذه المناسبة، عروض رحلات سفر إلى الديار المقدسة، رفقة محطات توقف بتركيا أو أبوظبي مثلا، يتسنى خلالها للزبون الاستفادة من يومين أو ثلاثة أيام سياحية، محضة، قبل التوجه لقضاء مناسك العمرة.وفي هذا الشأن، يؤكد مصدر من الفدرالية الوطنية للسياحة استقبال 40 ألف معتمر سنويا، إذ يلاحظ خلال السنوات الأخيرة تحول في سلوك الزبناء المغاربة، الذين باتوا يفضلون رحلة العمرة بشكل أكبر، وهي الرحلة التي يصل تمويلها إلى 73 ألف درهم، وبالتالي تحوي شروط الفخامة والرفاه وتستقطب زبناء من فئة معينة، تقدر المنتوج وتسعى خلف الكمال.ويؤكد صاحب وكالة للأسفار، أن المحطة التركية استحوذت على الحصة الأكبر من عروض العمرة الراقية خلال السنتين الماضيتين، إذ تشير الإحصائيات السياحية بين البلدين إلى استقطاب تركيا لسبعة آلاف سائح مغربي، مقابل 200 سائح تركي، علما أن المملكة لا تتوفر على مندوب سياحي في هذا البلد، الذي صار وجهة سياحية تنافسية على المستوى العالمي، بفضل منتوجاته السياحية منخفضة التكلفة.عموما، يظل نجاح رحلة الحج أو العمرة رهينا بمدى التزام وكالة الأسفار بالتزاماتها اتجاه الحاج، إذ تمثل حائط المبكى عند وقوع أي مشكل، فيما يتهم مهنيو القطاع الزبناء بغياب الوعي وعدم إداركهم لحقوقهم، إذ يؤكد عضو في الفدرالية الوطنية لوكالات الأسفار ضرورة طلب المرشح للحج لعقدة مع وكالة الأسفار، تلزم الطرفين وتضمن حقوقهما في حال تضرر أحدهما. بدر الدين عتيقي