تطبيقات المساطر الإجرائية تشكو العقم وضعف النجاعة كان لزاما البحث عن آليات لنهج سياسة جنائية جديدة، تأخذ بعين الاعتبار الأعطاب المذكورة من خلال إعمال مبدأ الملاءمة مع إحكام الدستور الجديد ومبادئ الاتفاقيات الدولية واستحضار مقاربة النوع الاجتماعي وتعزيز الحماية القانونية لضحايا العنف، سيما الفئات التي تعاني الهشاشة المتمثلة في النساء ضحايا العنف والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة والأحداث الموجودين في وضعية صعبة، وإقرار نظام بدائل للعقوبات السالبة للحرية وتفعيل آلية الصلح وتوسيع دائرة استعماله أمام قاضي التحقيق وهيأة الحكم، وإقرار نظام الصلح بالنسبة للجرائم البسيطة مع توسيع مجال الأخذ بالعقوبات الإدارية في ميدان الأعمال بدل العقوبات الزجرية، مع تبسيط شروط الآليات القانونية لمراجعة العقوبة كنظام الإفراج المقيد بشروط, ونظام ضم وإدماج العقوبات، ومسطرة رد الاعتبار، فضلا عن تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة بترشيد الوضع تحت تدابير الحراسة النظرية اعتمادا على معايير أكثر دقة مع تمتيع المشبوهين بالمساعدة القانونية القضائية خلال مرحلة البحث التمهيدي، وكذا الاعتقال الاحتياطي من خلال إخضاعه لضوابط واضحة ومحددة وتعليل اللجوء إليه مع جعل قرارات النيابة العامة في هذا الشأن قابلة للطعن أمام القضاء، وأنسنة معاملة الموقوفين والمشتبه فيهم بما ينسجم والحقوق المكفولة لهم.4: حول الارتقاء بفاعلية ونجاعة القضاء:وقفت الهيأة العليا لإصلاح منظومة العدالة على اختلالات تشوب التنظيم القضائي للمملكة، تحول دون نهوضه بمهامه المنوطة به على مستوى الارتقاء بالعملية القضائية وضمان فعاليتها ونجاعتها، وبالتالي ضياع فرص الاستثمار الأمثل للموارد البشرية والمادية، وهدر الآمال المعقودة على فلسفة تقريب القضاء من المتقاضين وتضخم الخريطة القضائية وعدم عقلنتها.وبالنتيجة فقد أثر ذلك سلبا على تطبيقات المساطر الإجرائية التي باتت تشكو العقم وضعف النجاعة وعدم الفعالية، مما ساهم في تضخم القضايا وتزايد إعدادها وصعوبة سرعة البت فيها، وبالتالي هدر زمن الإجراءات القضائية، وانفلات ضبط فعالية وأداء إجراءات التبليغ والتنفيذ، كما أن ولوجبات العدالة أضحت متجاوزة سواء على مستوى بنية استقبال المتقاضين أو التواصل معهم، مما يتحتم إعادة النظر في هذه البنيات العتيقة والتفكير في بدائل أكثر حداثة وعقلانية. ومن أجل تجاوز ذلك، يجب أن ينصب العمل على ترشيد الخريطة القضائية مع مراعاة التخصص ووحدة القضاء وإعادة توزيع القضاء المتخصص "القضاء الإداري والتجاري"، مراعاة لحجم المنازعات الإدارية والأقطاب التجارية والصناعية الكبرى مع إحداث أقسام إدارية وتجارية بالمحاكم الابتدائية وجعل المحكمة الابتدائية العضو الرئيسي في التنظيم القضائي، باعتبارها صاحبة الولاية والمختصة بالبت في كل القضايا إلا ما أسند الاختصاص فيه إلى جهة أخرى بنص خاص، مع ما يستتبع ذلك من إحداث غرف استئناف تجارية وإدارية.ولضمان فعالية أكثر للأداء القضائي توسيع دائرة اختصاص قضاء القرب بالرفع من اختصاص القيمي ومنحه صلاحية البت في بعض الجنح الأخرى، واعتماد القضاء الجماعي في الجنح التأديبية وإلغاء نظام الغرف الاستثنافية الموجودة بالمحاكم الابتدائية مع جعل النيابة العامة أمام المحاكم التجارية تابعة للنيابة العامة بالمحاكم العادية، وإعادة النظر في توزيع مراكز القضاة المقيمين، وإحداث غرف استئنافية تابعة لمحكمة الاستئناف في مقار المحاكم الابتدائية التابعة لدائرة نفوذها أخذا بعين الاعتبار البعد الديمغرافي والجغرافي. ومن أجل تكامل تحقيق هذه الأهداف مجتمعة وجب مراجعة القوانين الإجرائية، سيما قانوني المسطرة المدنية والمسطرة الجنائية بما يساهم في تبسيط وتسريع إجراءات البت مع اعتماد المكننة في إطار الإدارة الالكترونية، وذلك عبر التحكم في عمر الدعاوى وتقليص الطعون في القضايا البسيطة واحترام قدسية الأحكام وتنفيذها في مواجهة أشخاص القانون العام، مع تسريع إجراءات التبليغ والتنفيذ واعتماد وسائل الاتصال الحديثة وتأهيل العمل القضائي للرفع من جودة أحكامه مع وضع الآليات القانونية الضرورية في تفعيل قاعدة التعويض عن الخطأ القضائي.ولضمان سهولة الولوج إلى القانون والعدالة والاستفادة من الخدمات القضائية وجب تطوير نظام المساعدة القضائية وإحداث نظام المساعدة القانونية المجانية وتحسين ظروف استقبال الوافدين على المحاكم وتعميم المعلومة القانونية والقضائية والحرص على ضمان تواصل محكم مع المتقاضين بلغة يفهمونها خاصة اللغة الأمازيغية والحسانية مع تقوية القدرة التواصلية للمحاكم مع المواطنات والمواطنين، وتحديد آلية التواصل كذلك بين المحاكم ووسائل الإعلام بما يساهم في تفعيل مبدأ الحق في المعلومة وإرساء أعلام قضائي متخصص.5 :حول إنماء القدرات المؤسستية لمنظومة العدالة ينصب هذا الهدف الإستراتيجي حول مؤهلات مكونات منظومة العدالة وإنماء قدراتها العلمية والمعرفية ومهاراتها من قضاة وموظفي هيأة كتابة الضبط ومحامين وموثقين وعدول ومفوضين قضائيين وخبراء قضائيين وتراجم محلفين وأعوان مكلفين بمهام الشرطة القضائية، ناهيك عن تحسين شروط الولوج إلى المهن القضائية والقانونية، واعتماد آليات تضمن جودة التكوين الأساسي والمستمر والرقي بالتكوين المتخصص. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، انصب نظر الهيأة العليا للإصلاح على مراجعة نظام التكوين الأساسي والمستمر والتخصصي بمعهد تكوين القضاة مع إحداث مركز للبحوث والدراسات القانونية به، وإحداث مؤسسات لتكوين باقي مكونات كتابة الضبط: المدرسة الوطنية لكتابة الضبط، مؤسسة تكوين المحامي، معهد وطني للتوثيق، مراكز للعدول والمفوضين القضائيين والخبراء القضائيين.إضافة إلى الجانب المؤسساتي لمحور الإصلاح حول ولوجبات وشروط ممارسة مهن منظومة العدالة، اعتماد معايير جديدة تروم مراجعة المؤهلات العلمية، وشروط خاصة لتنظيم المباريات ومراجعة أنظمة الامتحانات، إضافة إلى الرفع من مدة التكوين الأساسي للملحقين القضائيين والمفوضين القضائيين واعتماد مبدأ إلزامية التكوين الأساسي لمنتسبي المهن القضائية والقانونية والتكوين التخصصي للقضاة، وذلك وفق سياسة تتوخى وضع برامج سنوية للتكوين المستمر والتخصصي من أجل المواكبة وتعميق المعارف، مع إضفاء الإلزامية على التكوين المستمر وجعله سبيلا للترقية وتولي مناصب المسؤولية بالنسبة إلى القضاة وموظفي هيأة كتابة الضبط. بقلم: أحمد قيلش