الرياضة

سياسة وتطرف ومناورات وراء التغيير في أم العصب

قليل من الديمقراطية أنزل إصلاح من عرشه وقاد جودار إلى برلمان الكرة بالبيضاء

لم يكن عبد الهادي إصلاح، رئيس عصبة الدار البيضاء الكبرى لأزيد من إحدى عشرة سنة، يتوقع أن تكون نهايته على الشاكلة التي كانت عليها مساء الخميس الماضي، بعد حوالي إثنتي عشرة ساعة من النقاش وتبادل الاتهامات والاشتباكات، في جمع

عام سيبقى خالدا في ذاكرة أندية البيضاء ونواحيها. جمع شهد كل شيء يمكننا أن نجده في حياتنا اليومية، من سياسة وتطرف ومناورات وقليل من الرياضة. عاش خلاله الحاضرون كل أشكال الأحاسيس والانفعالات الإنسانية، دون الحديث عن بعض السلوكات الشاذة التي صدرت عن بعض المحسوبين على الرياضة… كيفما كان الحال، خرج الجميع بقناعة واحدة، هي أن الإرادة الجماعية، غالبا ما تطيح بأصحاب القرارات الفردية، كما هو الحال في السياسة. جمع عصبة الدار البيضاء مورس فيه قليل من الديمقراطية، ونجح في التغيير، فكيف كان سيكون الأمر لو طبقت فيه بحذافيرها؟

الهدوء الذي يسبق العاصفة
بدت القاعة التابعة للمركب الثقافي للصخور السوداء، في الساعات الأولى من صباح الخميس الماضي، هادئة قبل انطلاق فعاليات جمع عام عصب الدار البيضاء الكبرى، إلا من تكتلات هنا وهناك، تتجاذب الأحاديث بشكل ودي، وتضع سيناريوهات مختلفة لمجريات جمع سيعلن عن حقبة جديدة من تاريخ أكبر عصبة في المغرب.
أخرج الكثير من الرؤساء وممثلو الأندية أرقى ما لديهم في الدولاب احتفالا بالتغيير المرتقب، بعد أن ظلوا لإحدى عشرة سنة غائبين عن مصادر القرار، يعانون في صمت، وينتظرون التفاتة من هذا العضو أو ذاك.
بدا جليا أن أمورا تطبخ في الخفاء، رغم الابتسامات العريضة التي ما فتئ المرشحون يوزعونها على الحضور، وعينهم على الهاتف المحمول الذي قد يأتي بمفاجأة أو خبر سعيد من حين لآخر.

الشرارة الأولى للاحتجاج
شكل إبعاد رئيسين دفعة واحدة من القاعة، بقرار من رئيس الاجتماع عبد الهادي إصلاح، الشرارة الأولى لجمع عاصف سيشهد تحولا وأحداثا مثيرة أرخت بظلالها على جميع مكونات الأندية المشاركة، التي اعتبرته مجانبا للصواب، ووأدا للديمقراطية، مطالبين بعودتهما على الفور إلى القاعة، ومهددين بالانسحاب، وهي الرغبة التي امتثل لها رئيس العصبة مرغما، شريطة اكتفائهم بالحضور ملاحظين دون التصويت على التقريرين المالي والأدبي.
واعتبرت المعارضة هذه العودة انتصارا معنويا، وبداية نهاية القرارات الانفرادية لإصلاح، فيما رأى آخرون أن القرار فيه الكثير من الحكمة، حفاظا على الهدوء داخل القاعة، والسير العادي للجمع.

كلمة الرئيس
تتخللها الكثير من الغموض، واعتبرها بعض الحاضرين سردا لنشاطات على الورق فقط، وإنجازات ظلت حبيسة الرفوف، فيما وصفها آخرون بملخص لتقرير أدبي لم يحن بعد الوقت لتلاوته.
ورغم احتجاج بعض الحضور على طول كلمة إصلاح، إلا أنه أصر على إنهائها، وفق ما يخوله إليه القانون رئيسا للجمع، وبمباركة من ممثل الجامعة الذي حاول في البداية السيطرة على القاعة، قبل أن يفلت منه زمام الأمور في وقت لاحق من يوم سيظل راسخا في ذاكرة أندية البيضاء ونواحيها.
أمام تعنت الرئيس، غادر بعض الحضور القاعة، وشكلوا جماعات صغيرة في بهو المركب الثقافي، الذي تحول إلى ملحق لقاعة الاجتماع، تدبر فيه «المكائد والمطبات»، للإطاحة برأس رئيس أينعت وحان وقت اقتطافها، على حد تعبير أحد ممثلي الأندية، الذي لم يكف على انتقاد سياسة المكتب المسير، وأكد أنه يتوفر على أدلة مادية تدين الرئيس ومن معه، في حال أصروا على مواصلة المسرحية عن حد تعبيره.    

تلاوة  التقريرين  وسط  الاحتجاج
لم يأت التقريران الأدبي والمالي بجديد، وكرر الكاتب العام ما جاء على لسان الرئيس، ما أجج غضب الحاضرين مرة أخرى، الذي استعجلوه في تلاوة ما بين يده، للمرور إلى عملية التصويت، التي بدا ظاهرا ومنذ البداية أنها لن تكون في صالح الرئيس.
وكانت النقطة التي أفاضت الكأس، وهو تسلم التقريرين قبل انطلاقة الجمع بدقائق معدودة خلافا لما ينص عليه القانون، ما اعتبره الحاضرون محاولة أخيرة من المكتب للتملص من مسؤولياته، وعدم إتاحة الفرصة للمصوتين للاطلاع على مضمونه ومناقشته في الجمع العام بطريقة شفافة، وفضح التلاعبات التي طبعت فترة تسيير إصلاح ومن معه.
وشكلت ملاحظات بعض المتدخلين، نقطة تحول في الجمع، خصوصا بالنسبة إلى هؤلاء الذين دخلوا القاعة بدون خلفيات، وكان همهم الوحيد إحداث التغيير ليس في أسماء المسيرين، ولكن في البرامج وطرق التدبير، لكن بعد سماعهم واطلاعهم على فحوى التقريرين انضموا إلى كتلة المعارضة، التي تقوت داخل القاعة، ولم يعد هناك مجال للتشكيك في سقوط امبراطورية إصلاح.

شبح  الوداد  والرجاء  يلاحق  إصلاح
رغم أن الحاج دحنان، ممثل الرجاء، حاول إخلاء مسؤولية الرجاء والوداد الرياضيين من مسؤولية ما يقع، وتدبير الانقلاب على نظام استمر أزيد من 11 سنة، كانت كل المؤشرات والدلائل، تدل على أن إصلاح خسر المعركة، عندما خسر ثقة قاطرتي كرة القدم الوطنية.
فالرجاء يحمله مسؤولية خسران الاعتراض الذي تقدم به أمام شباب المحمدية في ثمن نهائي كأس العرش للموسم الماضي، والوداد يعتقد أن إصلاح لا يخدم مصالحه داخل العصبة، ومن تم قرر الفريقان حرمان العصبة من مستحقاتها في تذاكر المباريات التي يحتضنها ملعب محمد الخامس، ما شكل ضربة موجعة لإصلاح، لم يستفق منها إلا بعد أن بات الجمع العام، أمرا وقعا لا مفر منه، تحت ضغط الغريمين.

تطرف داخل القاعة
كان لكلمة سميرة الزاولي، ممثلة الاتحاد الرياضي، والناشطة في مجال كرة القدم النسوية، وقع على الحاضرين، حينما تحدثت عن تهميش هذه الرياضة داخل العصبة، وحرمان ممثليها من ممارسة حقهم الشرعي في التصويت، وطالبت بانضمام المرأة إلى المكاتب المسيرة المقبلة، مصدر قرار وليس مجرد قوة اقتراحية. وناشدت المسؤولين في مجلس المدينة في معرض تدخلها على الاهتمام بكرة القدم النسوية، من خلال إحداث «كازا فوت للسيدات» لاكتشاف المواهب التي من شأنها تطوير هذه الرياضة في المغرب، تماشيا مع ما جاءت بالرسالة الملكية للمناظرة الوطنية للرياضة في 24 و25 أكتوبر 2008.
وما كان لهذه الكلمة التي ابتعدت عن مناقشة التقريرين المالي والأدبي، دون أن تثير حفيظة بعض المتطرفين، الذين احتجوا على تدخل الزاولي، واعتبروه خارجا عن النص، وضرورة إعطاء الأولية لمعاناة الرجال قبل النساء على حد تعبيرهم، وهو كاد يتسبب في فوضى داخل القاعة، لولا تدخل بعض أصحاب النيات الحسنة.  

السياسة  قبل  الرياضة
يبدو أن السياسة كانت حاضرة بثقلها داخل، ليس من خلال حضور الرئيس المنتخب محمد جودار فحسب، وإنما من خلال وجود بعض الأندية المسخرة في الانتخابات المرتقبة سنة 2012.
امتلأت القاعة ببعض الوجوه السياسية المعروفة بين الأوساط الرياضية، كانت تمسك بخيوط اللعبة دون أن تظهر في الصورة، ربما انطلقت في عد الأصوات الممكن أن تحصل عليها بانتمائها إلى قاعدة رياضية.
هي إذن لعبة سياسية بقميص رياضي، إطارها أندية القسم الشرفي، وملعبها الكبير اسمه عصبة الدار البيضاء الكبرى، ومن حق المتتبعين أن يتساءلوا عن من سيفوز باللقب؟ أكيد أنها ليست الرياضة…

نهاية    حزينة
لم يكن عبد الهادي إصلاح يتوقع أن تكون نهايته على رأس العصبة بهذه الطريقة الحزينة، فأن يتخلى عليك أقرب الأقرباء، ويغادروا المنصة قبل إعلان النتيجة، فذلك يعني أن ما بني على باطل فهو باطل، وأن تحاول بشتى الوسائل تمويه الرأي العام، والبقاء في الكرسي أبد الدهر، فهذا منتهى الأنانية، وأن تسعى إلى الهروب إلى الوراء من خلال اختلاق مبررات واهية، فذلك منتهى الجبن…
لا ينكر أحد على إصلاح الخدمات التي قدمها لكرة القدم داخل العصبة وعلى الساحة الوطنية، ومساهمة في تطوير اللعبة الأكثر شهرة في بلادنا في الحواري والزقاق، لكنه بالمقابل نسي أن الأمر كان مجرد أمانة كان من الضروري إعادتها إلى صاحبها في يوم من الأيام غير منقوصة، وهذا ما حصل الخميس الماضي، الفرق الوحيد أن الأمر تم بالإكراه بدل الطواعية.

نور الدين الكرف

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق