الصباح السياسي

حرب البلاغات بين الداخلية والعدالة والتنمية

تجربة إدماج الإسلاميين المعتدلين في اللعبة السياسية تسير اليوم نحو الارتداد بعد أن كانت اختبارا مغربيا ناجحا

لم تكن العلاقة بين العدالة والتنمية ووزارة الداخلية على هذا التوتر من قبل، على الأقل قبل أن يخرج حزب الأصالة والمعاصرة إلى الوجود. ذلك أن الوزارة لا تتردد في الرد على تصريحات أو تصرفات لمسؤولي حزب العدالة والتنمية، بل تجعل نفسها طرفا يواجهه ويتكفل بالرد عليه، بدلا من الأحزاب السياسية التي تسمح لها طبيعة الصراع السياسية بأن تكون ندا لحزب عبد الإله بنكيران، ولا تفوت وزارة الداخلية الفرصة لإثارة انتباه مسؤولي الحزب إلى تجاوزاتهم.
تبادل الاتهامات بسبب الانتخابات
يرى البعض أن الشرارة الأولى للصراع، اندلعت على خلفية تصريحات لنواب الحزب في اجتماع للجنة الداخلية واللامركزية والبنيات الأساسية بمجلس النواب، ترمي إلى الطعن والتشكيك في سلامة العمليات الانتخابية المتعلقة بانتخاب الأجهزة التنفيذية للمجالس الجماعية، في استحقاقات يونيو 2009.
وزارة الداخلية نبهت حزب العدالة والتنمية حينها، إلى أن “السلطات العمومية تعاملت بصفة عامة مع الاستحقاقات الجماعية الأخيرة بكل جدية وصرامة، انطلاقا من المسؤوليات الموكولة إليها قانونا في هذا المجال، معتبرة أن ادعاءات نواب العدالة والتنمية عارية من الصحة، وأن مزاعم المنتسبين إلى حزب العدالة والتنمية تندرج في إطار “الاستراتيجية غير السليمة التي تعتمدها الهيأة السياسية المذكورة لإظهار الحزب في موقع الضحية المتآمر ضدها بغية كسب التعاطف والمساندة وتحقيق المزيد من الاستقطاب من خلال تزييف الحقائق والتناقض في المواقف نهجا في التعامل مع السلطات العمومية والمصالح الأمنية ومختلف الأطراف التي تنافس هذه الهيأة السياسية في الميدان”. كما اتهمت الداخلية حزب العدالة والتنمية بـ”تعكير الجو الطبيعي والعادي للاستحقاقات الأخيرة في عدد من المدن، بما في ذلك مدينة وجدة، حيث ركز، في إطار خطته المبنية بالأساس على التشويش والاستهلاك الإعلامي، على الإدعاءات الكاذبة والتصريحات المغرضة وذات الطبيعة السياسوية”، و”تحريض أتباعه قصد جمع المواطنين وحشدهم، وإثارة احتجاجاتهم، وتأليبهم بكيفية شكلت مساسا بالأمن العمومي، غايته في ذلك إثارة انتباه الرأي العام لتبرير فشله في عقد تحالفات صلبة”. لقد شكل البلاغ مفاجأة بالنسبة إلى الكثير من المتتبعين بالنظر إلى أن الوزارة ظلت على الدوام تنأى بنفسها عن الرد على الأحزاب أو مقارعتها في الساحة السياسية.

العدالة والتنمية تشكك في حياد الداخلية
وحتى عندما انتقد المجلس الوطني للعدالة والتنمية ما وصفه بتراجع الداخلية عن حيادها إزاء التنافس الانتخابي، حين اعتبر حزب بنكيران أن الكثير من تعيينات مسؤولي الوزارة أصبحت ذات حساسية سياسية، ما يؤشر على تزايد تراجع حيادها إزاء التنافس الحزبي والانتخابي، وكذا «ممارسة بعض مسؤوليها أساليب الترغيب والترهيب على منتخبي الحزب لترحيلهم إلى أحزاب أخرى، وعرقلة مشاريع التنمية المحلية لبعض الجماعات التي يسيرها الحزب». ردت وزارة الداخلية بقوة معتبرة أن الاتهامات «مجرد مزاعم واهية لا سند لها ومحاولة مكشوفة لتبرير المشاكل الداخلية للحزب». كما احتجت الداخلية على إثارة مسألة التعيينات الأخيرة في أسلاك رجال السلطة، ووضعها في خانة الصراعات السياسية، مشيرة إلى أن الأمر يتعلق بتعيينات تحكمها مقتضيات الدستور، وأن التعيينات في مناصب المسؤولية تخضع لمعايير الكفاءة والنزاهة والقدرة على خدمة المواطنين والصالح العام وليس الأحزاب السياسية، مشددة على رفض منطق التشكيك في قيامها بالمهام المنوطة بها قانونا، وكل مغالطة أو ادعاء يستهدف أجهزتها ومسؤوليها، فيما لوحت هذه المرة باللجوء إلى القضاء ضد حزب بنكيران.
بيان العدالة والتنمية الذي استفز وزارة الداخلية، أشار إلى وجود «اختراقات مؤسساتية للإدارة الترابية، اعتاد البام تجريبها في عدد من الجماعات والمدن»، بالمقابل تساءلت الداخلية عن خلفيات ومرامي إقحام بيان المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية مسألة التعيينات في أسلاك رجال السلطة في خانة الصراعات السياسية، مثيرة أن ما جاء في بيان الحزب من اتهامات «مجرد مزاعم واهية لا سند لها ومحاولة مكشوفة لتبرير المشاكل الداخلية للحزب».

الإرهاب والرميد والاحتجاج في البرلمان
قضية الإرهاب أثارت وزارة الداخلية مرة أخرى، فخلال  المؤتمر الثاني لجمعية مستشاري العدالة والتنمية المنعقد بتاريخ 25 شتنبر من السنة الماضية بالرباط، استغرب الأمين العام للحزب، عبد الإله بنكيران، عدم الإعلان لحد الآن عمن كان وراء أحداث 16 مايو 2003 الإرهابية. هذا التعليق اعتبره مسؤولو الداخلية تشويشا على الجهود التي تبذلها الدولة في مواجهة الظاهرة، و»تسفيها» وتشكيكا في مجهودها. الداخلية انبرت للرد على بنكيران مستغربة أن يأتي «التصريح بعد مرور أكثر من سبع سنوات عن هذه الأحداث الأليمة وبعد أن قالت العدالة كلمتها في هذه القضية وأغلقت ملفها»، قبل أن تستطرد مشككة في مرامي التصريحات بالقول: «وهكذا، وإذا كانت الدولة بكل مؤسساتها ومكوناتها قد قامت بواجبها في هذه القضية، فإنه يتعين على الذين ما زالوا يطرحون شكوكا حول هذا الموضوع أن يتحملوا مسؤولياتهم كاملة أمام الرأي العام الوطني، وأن يختاروا موقعهم علانية وبكل وضوح عوض الترويج للشكوك، وأن ينخرطوا كليا في الإجماع الوطني الذي يدين الإرهاب بكل أشكاله، وكيفما كان موقع وصفة مرتكبيه»، البيان أخرج العدالة والتنمية من حالة الإجماع الوطني كما أخرجته الأحداث نفسها من حقه في تغطية الدوائر الانتخابية برمتها، واكتفت بنحو أربعين في المائة من مجموع الدوائر فقط.
مسار الصراع بين العدالة والتنمية ووزارة الداخلية، يحتفظ بالكثير من الوقائع، فالتجربة التي كان ينظر إليها على أساس أنها اختبار مغربي ناجح بإدماج الإسلاميين المعتدلين في اللعبة السياسية، يبدو أنها تسير نحو الارتداد، والصراع قد يتخذ أحيانا طابعا شخصيا كما وقع في قضية منع نشاط عضو الأمانة العامة للحزب، مصطفى الرميد، ما حدا به إلى التهديد بالاستقالة من البرلمان، وقد تأخذ في أحيان أخرى صفة جماعية، كما وقع حين انتقدت الوزارة احتجاج نواب العدالة والتنمية، داخل جلسة للبرلمان، على اعتقال أحد قياديي الحزب بتهمة الفساد.

إحسان الحافظي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق