مهنيون وتجار مهددون بالإفلاس وعاملات في مليلية تشردن والمدينة تئن تحت وطأة الأزمات ترثي بني أنصار مجدها التجاري، فهي، الآن، مدينة للأشباح... شوارعها خالية، ومحلاتها التجارية مغلقة، وأسواقها أصابها الإفلاس، فيحتمي أصحابها من الشمس الحارقة بالجلوس في المقاهي، في انتظار غد أفضل. «المدينة تئن من المعاناة»، لكن سكانها، الذين اعتادوا العمل في مليلية المحتلة، يكادون يصرخون من الفقر والتشرد والانتظار «القاتل»، والعديد منهم أصبح عاطلا عن العمل، أو تائها يبحث عن لقمة العيش بطريقة تجنبه سؤال المحسنين... «إنها مدينة لا ترحم الفقراء والكادحين والعمال العاطلين منذ قرار إغلاق الحدود البرية، مع مليلية المحتلة»، كما يقول أحدهم، وهو يرتشف فنجان قهوة ويتطلع إلى المعبر الحدودي الخالي من المارة، مضيفا «إن المجد الاقتصادي للمدينة ولى إلى غير رجعة، والسكان يتجرعون مرارة شظف العيش، ومنازل كثيرة قطع تزويدها بالماء والكهرباء، لأن مالكيها أصبحوا فقراء عاجزين يفكرون في يومهم ويتطلعون إلى قرار يعيد إليهم إنسانيتهم». إغلاق قاتل للمعبر ودعت بني أنصار أوجها التجاري، منذ قرار المغرب إغلاق معبر بني أنصار، حتى كادت الحركة التجارية أن تتوقف وبدت المحلات التجارية، المتخصصة في التهريب، مغلقة، واقتصر نشاط بعض المحلات المفتوحة أبوابها على بيع ما تبقى من مخزون السلع. تبدو الحياة بطيئة جدا في بني أنصار، فالأسواق التي كانت تضج بالزبائن القادمين من مختلف مناطق المغرب لاقتناء أجود أنواع السلع وبأسعار رخيصة، اختفت، وصرح أحد التجار أن المدينة «تموت» ببطء، بعدما كانت تستقبل آلاف الزبناء من مختلف المناطق لاقتناء السلع. بدا التاجر غاضبا، فالفترة الحالية عادة تشهد إقبالا على الأغطية لحلول فصل الشتاء، إلا أن «المدينة، الآن، تحتاج إلى من يعيد إليها الدفء بقرارات شجاعة»، بعد أن طالت معاناتها، ففي نظره، فإن إغلاق معبر بني أنصار غير منصف، في غياب دعم الفئات المعوزة، وإيجاد حل لفئة العاملين في مليلية المحتلة». كانت المحلات التجارية تحقق رقم معاملات كبيرا جدا من تجارة الملابس وعجلات السيارات الإسبانية والمواد الغذائية، قبل أن تفلس، بعد توقف تزويد الأسواق، بل أصبحت المدينة تستهلك عجلات صنعت في المغرب. حيل لتجنب الإفلاس حاول بعض التجار التكيف مع الوضع الجديد في انتظار نهاية الأزمة التجارية مع مليلية المحتلة، فلجؤوا إلى بيع منتجات صنعت في المغرب، وإيهام الزبناء بأن مصدرها إسبانيا، لكن الحيلة لا تنطلي على الجميع، خاصة مع ارتفاع الأثمنة. يقول تاجر للملابس:»أصبحت أجلب السلع من البيضاء، وأبيعها، بعد إضافة ثمن النقل المرتفع بسبب طول المسافة، مما يكبدني خسائر مالية كبيرة». يتجه اقتصاد بني أنصار نحو الأسوأ، إذ تحدثت التقارير عن كساد كبير يشمل جميع القطاعات، وتراجع النشاط التجاري بنسب كبيرة، ، رغم استمرار المشاكل نفسها، ومنها أعباء الضرائب، وضعف الاستثمار بالمنطقة، ونفور كبار أثرياء المدينة من ضخ أموالهم في اقتصادها، والنتيجة «موت سريري» لمدينة يعاني شبابها بطالة قاتلة. لا يمانع التجار في إغلاق المعابر مع مليلية المحتلة، لكنهم يشترطون إيجاد بدائل وحلول لمشاكلهم، فالمدينة كانت تنتعش بالتهريب، ومنعه فجأة يتسبب في «موتها»، خاصة أنها تفتقد لقطاعات صناعية وخدماتية قادرة على سد الخصاص. مدينة المهاجرين السريين أغلب ملامح سكان المدينة حزينة، تخفي ألما ومعاناة في توفير لقمة العيش، حسب لقاءات مع مهنيين وتجار، إذ اختفت كل مظاهر الأمل في تحسين ظروف حياة الأسر الفقيرة أو الفئات المتوسطة، وما إن تقترب عقارب الساعة من السابعة مساء، حتى يخلد سكان المدينة إلى النوم، فتغلق كل أبواب المحلات التجارية والمقاهي أبوابها، علهم يحلمون بمستقبل زاهر أو يستيقظون فرحين بعودة الحياة إلى مدينتهم. مهن شاقة واقتصاد يئن، وأحلام كثيرة وحكايات المهاجرين السريين من دول جنوب الصحراء... إنها يوميات سكان بني أنصار الذين يواجهون المستقبل بأمل في جعل مدينتهم جميلة، توفر لهم فرصا للشغل وتنقذهم من البطالة ومهن مهينة. طالما افتخر سكان بني أنصار بمدينتهم، فموقعها الجغرافي جعلها نقطة جذب للكثيرين، فهي تقع في الشمال الشرقي للمغرب، تحدها شمالا مليلية المحتلة، وغربا جبل «غوروغو» وجماعة فرخانة، وشرقا بحيرة «مارتشيكا»، وجنوبا الناظور، ويفوق عدد سكانها 40 ألف نسمة، لكنهم يتزايدون بأرقام كبيرة، نتيجة استقبالها المهاجرين السريين من دول جنوب الصحراء الراغبين في الوصول إلى مليلية المحتلة، أو ممتهني التهريب المعيشي. دكاكين لبيع البؤس ما يميز بني أنصار ميناءها، وهو من أبرز مداخيل المدينة، إذ يحتوي على أرصفة لبواخر نقل المسافرين، وأخرى لبواخر صيد الأسماك، وثالثة لنقل السلع للتصدير والاستيراد، ومرافق مخصصة للتجارة الحرة (محطة القطارات ومحطات نقل السلع)، إضافة إلى أن المدينة بها المعبر الحدودي بني أنصار، ومعبر آخر يبعد عنها بكيلومترات قليلة ويدعى «الباب الصيني». وقرر المغرب، خلال الأشهر الأخيرة، وضع نهاية للتهريب المعيشي في بني أنصار، لأسباب اقتصادية، كما روج المسؤولون، وسرعان، كما تحكي، مصادر «الصباح»، ما انتعشت الحركة التجارية بالميناء، الذي يعيش «أزهى» فتراته التجارية، إلا أنه بالمقابل ضيق الخناق على الحركة التجارية بالمدينة والمنطقة بأكملها. وصف أحدهم المحلات التجارية ببني أنصار بأنها «دكاكين لبيع البؤس»، فأغلبها مغلق، واقتصر نشاط بعض المفتوحة أبوابها على بيع ما تبقى من مخزون السلع، خاصة الملابس. ويقول «حمال»، فضل الجلوس في مقهى قريب من المعبر الحدودي، إن ممتهني التهريب المعيشي يعيشون بطالة، لكنه يؤكد أن الضرر الأكبر لحق مليلية المحتلة، إذ تكبد اقتصادها خسائر كبيرة، تجاوزت 60 في المائة من مداخيلها الضريبية. نعيش التشرد دأبت حنان على العمل في مليلية المحتلة، منذ سنوات، إلا أن إغلاق المعبر جعل حياتها تنقلب رأسا على عقب. وتقول حنان :»أنا لا أمثل إلا نسبة قليلة من النساء اللائي كن يشتغلن في مليلية المحتلة، وأستطيع التحدث عن معاناتهن التي لا تنتهي، فهناك من تشردن، وأخريات بعن كل ما يملكن من أجل سد جوع أفراد أسرهن، إذ كنا نتقاضى راتبا شهريا، يصل إلى سبعة آلاف درهم، لكن بمجرد إغلاق المعبر أصبحنا لا نتقاضى ولو درهما واحدا، علما أنني مع جميع القرارات التي تهم مصلحة الوطن، لكن أملي خاب في أن يراعي المسؤولون وضعيتنا الاجتماعية». وتواصل حنان قائلة:»أصبحت العاملات في مليلية المحتلة مشردات، رغم أن الراتب كان يعيل عائلات كبيرة، علما أنهن ينتمين إلى جل المدن المغربية، وكن يساهمن في الاقتصاد الوطني بالعملة الصعبة، ويتكلفن بتدريس أبنائهن، ما أثر على الحالة الاجتماعية لهذه الفئة، وأشعر بالغبن وأنا أرى كيف تم قطع تزويد منازلهن بالماء والكهرباء، بعدما كن يعشن حياة باذخة، حتى أن منهن من غادرن المدينة، ويئسن من حل المشكلة الاجتماعية». لا تطالب حنان وصديقاتها، إلا بإيجاد حل لمشكلتهن، بعد إغلاق المعبر، ويدلين بعدد من الوثائق تشير إلى دورهن في تحويل مبالغ مالية من العملة الصعبة إلى البنوك المغربية، إلا أنهن يشعرن بالأسى لغياب محاور يتفهم مشاكلهن. محلات تجارية تعاني يتحدث كريم، صاحب محل لبيع المواد الغذائية في بني أنصار، بمرارة عن إغلاق المعابر مع مليلية، فقبل القرار كانت المطاعم والمحلات تشهد رواجا تجاريا كثيفا، مما أثر على الحركة الاقتصادية، التي وصفها ب»الجيدة جدا»، إلا أن إغلاق الحدود أدى إلى أزمة اجتماعية واقتصادية، إذ غابت السلع والزبناء، واختفى الرواج التجاري، وأفلست عدد من المحلات التجارية، وأصبح عدد كبير من المهنيين مشردين، يعانون لتوفير لقمة العيش لأبنائهم، ما دفعهم إلى المطالبة بالتدخل لإنعاش الاقتصاد وعودة الحياة إلى المدينة. الإفلاس يهدد مليلية تحكي مصادر مطلعة ل»الصباح» عما أسمته «الزلزال» الاقتصادي في مليلية المحتلة، بعدما كانت تعيش، إلى وقت قريب، رواجا كبيرا، فقطاع التجارة أصيب بالكساد، ما دفع التجار إلى الاستغاثة بالسلطات الإسبانية المركزية قصد التدخل لإيجاد حل عاجل ينقذ المدينة من الإفلاس، فالمستودعات والمحلات التجارية الكبرى أفلست، ما أدى إلى نقص كبير في السيولة المالية في وكالات البنوك، وغادر مستثمرون المدينة المحتلة، فأصبحت «مدينة للأشباح»، ولولا المساعدات المالية لاضطر أغلب الإسبان لمغادرتها. ولم يستسغ إسبان مليلية المحتلة لجوء المغرب إلى منع التهريب بشكل انفرادي، فتعددت ردود أفعالهم، ولجأت مندوبة الحكومة المركزية بالمدينة، إلى تمديد فترة اشتغال معبر فرخانة الحدودي، بدعوى الاستجابة لطلب جمعية التجار ورجال الأعمال، إذ أصبح يفتتح أبوابه إلى غاية العاشرة ليلا في وجه جميع الوافدين، وعلى وجه الخصوص رجال الأعمال وممتهني التجارة.