الصباح الـتـربـوي

الانقطاع والتكرار شبح المنظومة التربوية

المشروع 5 يسعى إلى كسب معركة الهدر المدرسي باعتماد التتبع الفردي للتلاميذ ودعم المتعثرين

ظل الهدر المدرسي بمثابة الشبح الجاثم باستمرار على صدر المنظومة التربوية الوطنية، بسبب ما يمثله من استنزاف حقيقي للجهود والميزانيات، إذ يرفع التكلفة النهائية لخريج هذه المنظومة عاليا. بالمقابل، ظل هم النهوض بمردودية النظام التربوي حاضرا في مختلف الإصلاحات التي تبنتها الحكومات المتعاقبة منذ عقد الثمانينات من القرن الماضي، من خلال البحث المستمر عن مختلف الوسائل والآليات التي تمكن من رفع بعض مؤشرات الكفاية الداخلية للنظام التعليمي، وفي مقدمتها، مؤشر الاحتفاظ بالتلاميذ أطول مدة ممكنة، خصوصا بالسلكين التعليميين بالابتدائي والإعدادي، وكذا مؤشر النجاح، وعلى رأس هذه الآليات ما يصطلح عليه بالدعم البيداغوجي بمختلف أنواعه وصيغة ومستوياته والمتدخلين فيه.
لقد اضطر المشروع الاصلاحي الذي تبنته الحكومة سنة 1985 بمناسبة تطبيق التعليم الاساسي القاضي بإلزامية التعليم طيلة تسع سنوات، عبر مبدأي تعميم التمدرس وتعميم النجاح، إلى اعتماد ما سمي حينها ببيداغوجيا الدعم والتقوية، غير أن النتائج كانت كارثية، وبالتالي تبخر مشروع التعليم الأساسي وصار في خبر كان.
وبحلول سنة 1998 صاغ التوافق الوطني ما أطلق عليه آنذاك الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الذي اعتبر، صراحة وضمنا، نصا وروحا، الهدر المدرسي إحدى معاركه الأساسية، فسطر من أجل ربح هذه المعركة عددا من الدعامات، منها ما هو كمي كرفع نسبة التمدرس ورفع نسبة النجاح، وتقليص نسبة التسرب، ومنها ما هو نوعي استهدف احداث تغييرات على مستوى البرامج والمناهج الدراسية والمقررات والكتب المدرسية. وحدد الميثاق نفسه مواصفات مواطن الغد، تلميذ اليوم، عمل الكتاب الأبيض والدلائل التي تلته (الدليل البيداغوجي تحديدا) على اجرأتها في صيغة كفايات، معتبرا الدعم، إضافة إلى عمليتي التدريس والتقويم، إحدى الآليات لتحقيق هذه الكفايات، والذي بدونه يستعصي هذا التحقيق.
ولم يكن الميثاق الوطني أوفر حظا من إصلاح سنة 1985، إذ ظلت نسبة الانقطاع عن الدراسة عالية جدا (6 في المائة في السلك الابتدائي و12 في المائة في السلك الإعدادي)، كما ظلت الخدمات التربوية متدنية، فالمحتويات والكفايات ظلت بعيدة عن أن تخدم الحاجيات الأساسية والحقيقية للمتعلمين، وبعيدة بالتالي عن الاستجابة لمتطلبات الحياة الاجتماعية وسوق الشغل بالتحديد، وبقيت الطرائق والأساليب عاجزة عن تنمية روح المبادرة والتكوين الذاتي والعمل الجماعي، واستمرت عملية التدريس تمارس في ظروف أقل ما يقال عنها إنها مزرية لا تصون كرامة المتعلم وحقوقه، لتفرز في الاخير نتائج تحصيل هزيلة.
من هنا جاء المشروع الخامس، ضمن المخطط الاستعجالي، للتصدي لهذا النزيف بهدف تقليص نسبة الانقطاع ورفع نسبة النجاح، وفي الوقت نفسه الارتقاء بجودة المنتوج التعليمي΅ إذ يرمي المشروع 5 إلى تمكين 90 في المائة من فوج 2010/2009 من استكمال سنوات التعليم الابتدائي دون تكرار في أفق 2015/2014، وتمكين 80 في المائة من الفوج ذاته من إتمام سنوات الدراسة بالثانوي الإعدادي دون تكرار في أفق 2017/2018
ولبلوغ هذه الاهداف، يعتمد المشروع 5 آليتين أساسيتين، هما التتبع الفردي للتلميذ ابتداء من السنة الأولى الابتدائية ليمتد طيلة سنوات التمدرس باعتماد بطاقة للتتبع، ثم دعم التلاميذ المتعثرين، دعم مدرسي مؤسسي من خلال استعمال الزمن الاسبوعي للمدرس، أي ثلاث ساعات أسبوعية بالسلك الابتدائي، وأربع ساعات بالسلك الثانوي الاعدادي، وكذا تنظيم دورات تدريبية للدعم وتأهيل التلاميذ خلال الفترات البينية.
أما مجالات الاشتغال، فتحدد في ثلاثة، أولها المشروع الثامن ويرمي إلى دعم قدرة المتعلمين على دمج الموارد في وضعيات إشكالية دالة، وثانيها المشروع رقم 11، ويستهدف دعم الموارد النهائية ومن خلالها الموارد المرحلية، وآخرها مجال اشتغال المشروع 5، الذي يسعى إلى دعم الموارد المرحلية المدرسة أسبوعيا في المجالات الثلاثة، أي القراءة والكتابة والرياضيات.
ورغم المجهود النظري المبذول في هذا السياق، والميزانيات المخصصة للدعم الاجتماعي لفائدة التلاميذ المتحدرين من أسر معوزة، فإن الحاجة تبدو ملحة إلى إيلاء الدعم النفسي الأهمية القصوى، وذلك لأنه يستحيل أن يصلح الدعم البيداغوجي مخلفات ومضاعفات حالات من قبيل التفكك الأسري والعقد النفسية، كما لا يمكن أن تفيد الطرائق والأساليب التي انتجت التعثر في علاجه. من هنا فلا مناص من اعتماد آلية الدعم السيكولوجي الذي يتكفل به الاخصائي النفسي والاجتماعي الذي أصبح وجوده بالمؤسسة التعليمية من الضروريات.

عبد الكريم مفضال

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق