وطنية

أحداث تونس تؤثر على حرب المخازنية والباعة المتجولين

تعليمات بعدم استفزازهم جعل لغة التفهم والحوار تحل محل الركل والرفس

“إلى سمحتي رجع شي شوية الله يرحم باك”، كلمات رددها أحد أفراد القوات المساعدة على مسامع أحد الباعة المتجولين بشارع الفداء بالدار البيضاء، وبعد أن لم يلق استجابة من البائع الذي كان منشغلا بتسلم مبلغ مالي من امرأة باعها بضعة

كيلوغرامات من الفواكه التي يعرضها في عربة مجرورة، أضاف المخزني الذي مال لون وجهه إلى السواد بسبب أشعة الشمس، ” بلا مشاكل أخويا الله يرحم باك، رجع شويا راك حابس الطريق”.

مرت فجأة صورة البوعزيزي ، الذي أحرق نفسه قبل أيام في تونس، في ذهن البائع المتجول، ووجه نظارات حادة إلى “المخزني” وكأنه يطلب منه الرحيل عن المكان وتركه لحال سبيله، أحس المخزني المثقل بتعليمات من رؤسائه بما يدور في رأس الشاب، اقترب منه ووضع يده على كتفه في محاولة لتخفيف غضبه وقال له “شوف أنا راني ولد الشعب بحالك، أنا ما قتل ليك حتى عيب، الله يعاونك أخويا على الزمان ولكن أنا راني ملزم باش ندير خدمتي”.
جاء جواب البائع المتجول، على غير ما توقعه  المخزني الذي قدم العديد من التنازلات وأبدى الكثير من التفهم، وقال له بصوت أكثر حدة والزبد يتطاير من فهمه “انتما راكم عيقتو علينا رخف عليا وخليني نترزق الله بلا ما نصدقو في شي حوايج أخرى”.
التفت المواطنون والباعة المتجولون القريبون من الشاب من أجل معرفة ما يجري، تركزت الأنظار نحو المخزني الذي حضرت في ذهنه تعليمات رئيسه في العمل، التي يحثه من خلالها كل صباح وقبل أن يتوجه إلى القطاع الذي سيشرف عليه، بعدم استفزاز المواطنين خاصة الباعة المتجولين، فقرر تقديم تنازلات أخرى مطالبا الشاب بعدم الحديث بصوت مرتفع، ومذكرا إياه بأن المسألة لا تتطلب هذا الغضب وتوتر الأعصاب، وبعد أن لم يلق الاستجابة من الشاب لم يجد حلا آخر غير ترك المكان.
” ولينا محكورين فهاذ القنت” يقول مخزني لزميل له وهما يهمان بمغادرة المكان، ليرد الأخير محاولا تهدئة روعه وتخفيف ضرره ” غير سلك الوقت خايبة”.
يتكرر هذا المشهد الذي وقع فيه هذا المخزني عشرات المرات في اليوم، بعد أن استغل الباعة المتجولون الوضع في الشقيقة تونس وقرروا الانتفاضة في وجه المخازنية وأعوان السلطة الذين اعتادوا الاعتداء عليهم.
غابت لغة الرفس والركل وحجز السلع التي اعتاد المواطن مشاهدتها في الحرب اليومية بين المخازنية والباعة المتجولين، وحلت محلها كلمات من قبيل “راه احنا فاهمين الوضع” و”الله يعاونكم على الزمان”، و “حتى شي واحد ما لقاها كيما بغاها” التي يرددها أفراد القوات المساعدة هذه الأيام على مسامع الباعة المتجولين.
“عدد الباعة المتجولين ازداد بعد أحداث تونس، وأصبحنا نعاين وجوها غير مألوفة تحتل الملك العام وتعرض بضاعتها في الشارع”، يقول أحد أفراد القوات المساعدة الذي تراجع خطوات إلى الوراء بعد أن رفض أحد الباعة الاستجابة إلى مطلبه بعدم التقدم إلى الأمام، قبل أن يضيف وهو يضغط على شفتيه ويحرك رأسه يمينا وشمالا تعبيرا عن آسفه على هذا الوضع “المغاربة كمونيين إلى ما تحكو ما يعطيو الريحة”.
يواصل رجال القوات المساعدة تقديم التنازلات أملا في أن يمر اليوم دون أن يحتكوا بأحدهم، غير أن الأمور تنقلب أحيانا، ذلك أن بعض المخازنية هم الذين تعرضوا للاستفزاز من قبل بعض الباعة المتجولين، مثلما حدث مع أحدهم عومل ب “احتقار” زائد، ما دفعه إلى الجهر بصوت مرتفع في وجه أحدهم قائلا “انت راه عندك فراشة كتصور فيها أكثر من ذاك شي لي كنصور، غادي تقول ليا نحرك راسي نكول ليك نتحرك أنا وياك”، ثم سكت لثوان استجمع خلالها أنفاسه وأضاف ” عنداك تمشي غالط”، قبل أن يتدخل بعض المواطنين من أجل تهدئته.
يستمر الوضع على هذا الحال طيلة اليوم، وينحني خلاله المخازنية للعاصفة في انتظار أن تمر هذه الأيام العصيبة، وبدء حرب جديدة بمعطيات أخرى قد تضع ما وقع في تونس في الحسبان وتحاول وضع اسس جديدة للتعامل، أو تعتبره حدثا عابرا وتعود حليمة إلى عادتها القديمة ، كما يقال.

الصديق بوكزول

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق