المشكلة ليست في النظام القانوني بل في المنطق الفاسد في الأحكام عندما صدر القانون رقم 00-44 المتعلق ببيع العقارات في طور الإنجاز، استبشر المهنيون، و في مقدمتهم رجال القانون، خيرا بما جاء فيه من مستجدات. ذلك أن المشرع قد سعى فيه، على ما بدا للجميع، إلى وضع إطار قانوني هام للمعاملات والعقود المبرمة بشأن العقارات التي مازالت في طور الإنجاز، قادر على توفير الحماية اللازمة لمصالح المستهلكين، سواء من خلال تجاوز سلبيات العقود المعروفة بتسمية «الوعد بالبيع»، أو من خلال تمكين المشترين من ضمانات معقولة مقابل ما يدفعونه من أموال. الحاصل من توجه المحاكم، الذي يجسده هذان الحكمان، أنه كلما تم إبرام عقد بيع ابتدائي لعقار في طور الإنجاز، فإن الآلية الحمائية التي عرضناها من قبل تصير غير ذات جدوى. بل، وهذا هو الأدهى، تصير تلك الأحكام درعا قويا يحول دون تحميل المقاول مسؤولية أفعاله وسوء نيته، وتؤمن له الحماية القانونية اللازمة لكي يستغل أموال الناس في تمويل أنشطته من دون أي تكلفة و لا جزاء.وحتى لا نحيد عن واجب الإنصاف والموضوعية، علينا أن نقر أن المشكلة ليست في النظام القانوني الذي تضمنته النصوص، بل في المنطق الفاسد الذي يعتمد في عدد من الأحكام القضائية.فإذا كان المشرع أبطل كل عقد أبرم من أجل تفويت عقار لا يزال في طور البناء إذا لم يتم وفق الشكل المفروض في عقد البيع الابتدائي، وأبطل علاوة على ذلك طلب الأداء أو قبوله إذا وقع قبل إبرام هذا الأخير، وذلك حتى ولو تم تنفيذا لاتفاق أو وعد بالبيع لا يتوفر على شروط العقد الابتدائي، فإن واقعة الأداء نفسها تبقى مستقلة عن هذا الحكم.ومن دون الدخول في نقاش قانوني دقيق قد لا يتسع له هذا المجال، فإن من الواضح أن الأداء الذي يقع في هذه الحالة يبقى خاضعا للأحكام الخاصة بدفع غير المستحق، ويمكن أن يترتب عنه إلزام المقاول بتعويض الزبون في حدود ما عاد عليه من نفع جراء استغلاله للمبالغ التي تسلمها.أما ما تتعلل به المحاكم التي تتبنى التوجه المشار إليه أعلاه، فلا وجه لاعتماده هنا، لأن البطلان الذي تقضي به المادة 8-618 المشار إليها إنما يلحق التصرف القانوني المتمثل في طلب الأداء أو قبوله عندما يصدر عن المقاول، وذلك حتى لا يكون له أي أثر ملزم لذمة المشتري.أما إذا نحن قبلنا هذا التوجه القضائي، فإنه سيؤول بنا إلى نتائج غير مقبولة بتاتا: إذ يكفي أن يحتال المقاول ليدفع بالزبون إلى توقيع عقد عرفي ويشرع في استخلاص ما استطاع الحصول عليه من دفعات، ثم يكون بعد ذلك في حل من الالتزام بما تعهد به في العقد، سواء تأخر في إنجاز المشروع أو توقف عن إتمامه، أو لم ينجزه أصلا، أو غير خصائصه ومواصفاته، أو قسم المشروع إلى رسوم عقارية لأجزاء مختلفة الحدود عما ورد في العقد، بل وحتى إذا فرض على الموعود له زيادة في الثمن، في جميع هذه الأحوال، ومهما فعل هذا الأخير، فإن المحكمة سوف تكتفي بالتصريح ببطلان العقد و ببطلان الأداءات طبقا للفصلين 3-618 و 8-618 من قانون الالتزامات والعقود، ثم تعتمد الفصل 306 من القانون نفسه، لكي تحكم على المقاول فقط بإرجاع أصل المبالغ التي تحملها كأقساط. وتطهر كل المخالفات والأفعال الاحتيالية التي قام بها، وتمتعه بحماية لا يستحقها، وتعرض مصالح الطرف الضعيف للضياع والضرر لا رجعة فيه، وكل ذلك بعلة أن الالتزام الباطل لا يمكن أن ينتج أي أثر إلا استرداد ما دفع بغير حق.فأين العدالة في ذلك؟لا يمكن أن نعيب على المشرع أنه رتب البطلان على عدم احترام شكل العقد الابتدائي أو أنه أبطل طلب وقبول الأداء إذا وقعا قبل هذا العقد. فهو لم يرد من ذلك إلا التأكد من تفعيل الضمانات التي قررها للمستهلك عبر تدخل مهنيين متخصصين ومسؤولين في عملية إبرام العقد، وكذلك تجنيب المستهلك الضغط والاستغلال الذين قد يتعرض لهما من الشركات العقارية.وإذا كان هناك من عيب أو تقصير فإنما ينبغي أن ينسب لعدم كفاءة وسطحية مقررات قضائية عاجزة عن استيعاب البناء القانوني في شموليته وتكميل أجزائه بعضها ببعض على نحو يكفل تحقيق أهدافه، وذلك في وقت كثر فيه الحديث عن الأمن القانوني و القضائي و غيرها من العبارات الرنانة..وفي انتظار تصويب العمل القضائي وتصحيح مساره في هذا المضمار، فإننا نلح على كل مقبل على اقتناء عقار في طور الإنجاز ألا يبرم أي عقد كيفما كان، حتى وإن صرح فيه المقاول بأنه لن يطلب تسديد أي قسط إلا بعد إتمام البناء أو بعد إبرام العقد النهائي، إلا إذا كان ذلك أمام موثق أو عدول أو مهني مؤهل طبقا للقانون.فالعقود المبرمة خارج هذا الإطار تبقى باطلة ولا أثر لها ولا حجة لها، بل إن إبرامها قد يحرم المشتري من كافة الضمانات المقررة لمصلحته بشكل نهائي، كما عليه أن يحرص على أن يتم تحديد مواصفات العقار بشكل دقيق في العقد وأن يطلب من محرر العقد أن يضم إليه ملحقا يحتوي على دفتر تحملات المقاول وتصاميم المشروع. ولا يتردد في الإلحاح على الطرف الآخر وعلى محرر العقد من أجل تضمين العقد بندين مهمين: يتمثل الأول في إلزام البائع صراحة بتمكينه من ضمانة بنكية أو رهن رسمي بقيمة كل أداء ينجزه لفائدته داخل أجل معين، ويتمثل الثاني في موافقة البائع على إجراء تقييد احتياطي على الرسم العقاري بناء على العقد الابتدائي.كما نناشد القائمين بتحرير العقود الابتدائية لبيع العقارات في طور الانجاز لكي يتحققوا من قيام شروط إبرامها، ولكي يمتعوا المشتري بالضمانات القانونية المقررة لهم ومن بينها إرفاق العقد بدفتر التحملات والتصاميم المشروع، وتضمين شرط التقييد الاحتياطي، وأن يتحققوا على الخصوص مما إذا وقعت أي أداءات قبل تاريخ العقد لكي تدرج مبالغها صراحة في هذا الأخير على أنها تحتسب في أقساط البيع، وذلك لتجنب القصور الذي وصفناه أعلاه و تمتيع المشتري بالحماية المنشودة. وبعد هذا وذاك، نناشد القضاة الذين تعرض عليهم هذه الملفات أن يتأنوا ويلتزموا جانب الحكمة في تطبيق القانون، وأن يتنبهوا إلى أن بطلان العقود لا يحول دون تطبيق نظام الإثراء بلا سبب الذي ابتدعته عقول فقهاء القانون لكي يضمنوا إعادة التوازن وإحقاق العدل في المعاملات المالية حين يعجز نظام العقد ويقصر نظام المسؤولية. فهذه هي المهمة التي ينتظر منهم القيام بها، حتى يكونوا أهلا للثقة التي يضعها فيهم الشعب المغربي، وملجأ للمظلومين والمستغلين، وسيفا صارما على كل من سولت له نفسه التلاعب بمصالح الضعفاء. بقلم: الدكتور محمد الباكير, أستاذ بكلية الحقوق بالدارالبيضاء