المشرع سعى إلى الابتعاد بأموال المستهلكين عن كل استغلال عندما صدر القانون رقم 00-44 المتعلق ببيع العقارات في طور الإنجاز، استبشر المهنيون، و في مقدمتهم رجال القانون، خيرا بما جاء فيه من مستجدات. ذلك أن المشرع قد سعى فيه، على ما بدا للجميع، إلى وضع إطار قانوني هام للمعاملات والعقود المبرمة بشأن العقارات التي مازالت في طور الإنجاز، قادر على توفير الحماية اللازمة لمصالح المستهلكين، سواء من خلال تجاوز سلبيات العقود المعروفة بتسمية «الوعد بالبيع»، أو من خلال تمكين المشترين من ضمانات معقولة مقابل ما يدفعونه من أموال. وإمعانا في حماية أموال المشتري اقترح المشرع سلما زمنيا للأداءات. فحدد نقطة انطلاقه إلزاميا عند إبرام عقد البيع الابتدائي، ومنع البائع من طلب أي مبلغ مالي قبل ذلك، وجعل هذا الطلب باطلا ولا تترتب عنه أي نتائج، كما جرد قبول الأداء الذي قد يصدر عن المشتري من كل قيمة قانونية واعتبره باطلا ( ف 8-618 قانون الالتزامات و العقود). وبناء عليه، لم يعد من حق المقاول الحصول من المستهلكين على أي مبالغ أو إلزامهم بأدائهم لأقساط معينة إلا بعد أن يقوم بإبرام عقد البيع الابتدائي معهم أمام موثق أو عدول أو مهني مؤهل. هذا الموقف الحازم والجذري الذي وقفه المشرع المغربي كان يرجى منه وضع سد منيع أمام كافة أساليب الاحتيال والمكر الذي قد تصدر عن بعض البائعين إما بناء على وعود بالبيع أو عروض امتيازيه مغرية أو غير ذلك مما هو مألوف في السوق.و لكي يكتمل الإطار الحمائي الذي جاء به هذا القانون، ألزم المشرع البائع بإنجاز ضمانة بنكية أو ضمانة أخرى مماثلة وعند الاقتضاء تأمينا، بغاية تمكين المشتري من استرجاع الأقساط المؤداة في حال عدم تنفيذ العقد. ثم أضاف إلى هذه الضمانة المالية ضمانة إجرائية تتمثل في إمكانية وضع تقييد احتياطي على الرسم العقاري بناء على العقد الابتدائي، ويبقى هذا التقييد نافذا إلى غاية إنجاز البيع النهائي أو فسخ العقد.على هذا النحو سعى المشرع إلى الابتعاد بأموال المستهلكين عن كل استغلال ممكن، فهل بعد هذا الحصن المنيع من خطر يخشى على المستهلك من تحايلات المقاولين سيئي النية؟لو كان علينا أن نجيب بالاعتماد فقط على الدراسة الشاملة للمقتضيات القانونية لرددنا بالنفي القاطع. لكن مراقبة العمل القضائي في هذا الشأن تجعلنا نأسف لكون هذه الآلية الحمائية صارت عاجزة بشكل تام عن تحقيق الهدف من وضعها، و انقلبت على الطرف الضعيف في هذا النوع من العقود.ففي الملف الذي كان معروضا على المحكمة الابتدائية بالجديدة تحت رقم 1/203/12، عرض المدعيان، وهما زوجان إنجليزيان عجوزان، أنهما تعاقدا مع شركة عقارية كبيرة من أجل اقتناء فيلا فاخرة على الشاطئ بثمن إجمالي قدره 9.645.000 درهم، وأنهما قبل إبرام عقد البيع الابتدائي بواسطة موثق و نزولا عند رغبة الشركة وقعا معها على وعد بالبيع عرفي، و حولا لها قسطا أولا، ثم بعد العقد الابتدائي حولا لها قسطا ثانيا، بحيث تجاوزت قيمة الأداءات نصف المبلغ الإجمالي، غير أنها تأخرت عن تسليم الفيلا في التاريخ المتفق عليه، وذلك رغم الوعود والالتزامات التي قدمتها لهما، مما دفعها إلى تحقيق الضمانة البنكية التي لم تنجزها الشركة لفائدتهما إلا بعد إلحاحهما لاسترجاع أصل المبالغ التي دفعاها، والتمسا أمام المحكمة الحكم لهما بالفوائد القانونية عن تلك المبالغ مقابل النفع الذي استخلصته البائعة منها طيلة مدة احتفاظها بها، والتعويض عن التأخير في التنفيذ طبقا لشروط العقد، وأخيرا التعويض عن الضرر اللاحق بهما.ورغم وضوح الاحتيال في سلوك الشركة العقارية التي عمدت إلى إبرام وعد بالبيع عرفي بدل عقد بيع ابتدائي، ولم تحضر الضمانة البنكية إلا عندما ألح المشتريان، وطالبتهما بالأداء قبل العقد الابتدائي وتأخرت كثيرا في تنفيذ التزاماتها، فإن موقفها في الدعوى كان شديد الغرابة، إذ دافعت عن نفسها بكون الأداءات التي تمت لفائدتها بناء على طلبها أداءات باطلة لوقوعها قبل عقد البيع الابتدائي طبقا للفصل 8-618 من قانون الالتزامات والعقود، وأنه نظرا لكون الالتزام الباطل لا يخول إلا استرداد ما دفع بغير حق، فإن المدعيين لا يحق لهما الحصول على أي تعويض كيفما كان اتفاقيا أو قانونيا ماداما قد استرجعا أصل ما دفعاه.وجاء حكم المحكمة بعد ذلك (تحت عدد 148 بتاريخ 22-04-2013) أشد غرابة، إذ استجاب لدفاع الشركة، واعتبر أن أداء الأقساط كان قبل عقد البيع الابتدائي، مما يجعله باطلا، وأن المدعيين لا يملكان الحق في التعويض عن التأخير وعن الضرر لأن الالتزام الباطل لا يخول سوى استرداد ما دفع.وبغض النظر عن العيوب التي تعتري الحكم المذكور، نظرا لأنه أساسا قام بتجاهل عقد البيع الابتدائي المبرم في ما بعد ولم ترتب عنه أي أثر، فإن الشاهد لدينا هنا هو تلك البساطة بل السطحية التي عللت بها المحكمة حكمها عندما اكتفت بالقول بأن الأداءات التي تمت قبل عقد البيع الابتدائي باطلة. و أن هذا البطلان يجرد واقعة الأداء عن كل أثر بما في ذلك تلك الآثار التي رتبها القانون على استخلاص أموال غير مستحقة وجني منافع منها بناء على قواعد الإثراء بلا سبب الفصول 66 إلى 76 من قانون الالتزامات والعقود. وقبل التعليق على هذا الحكم لا بأس من الإشارة إلى حكم مشابه صدر مؤخرا عن المحكمة الابتدائية المدنية بالبيضاء.ففي الملف عدد 3522-21-2012 عرضت الشركة العقارية المدعية أنها تعاقدت مع شخص بموجب وعد بالبيع حرر في عقد عرفي من أجل بيع عقار في طور الإنجاز، وأنه تأخر في دفع القسط الثاني من ثمن البيع، والتمست فسخ العقد والتعويض. فقدم المدعى عليه مقالا مضادا يوضح فيه أن باقي الثمن تم إيداعه بين يدي الموثق، وأن السبب في عدم إتمام البيع هو تغيير الشركة لمواصفات العقار التي تم الاتفاق عليها في الوعد، والتمس إتمام البيع وفق المواصفات الأصلية، واحتياطيا التمس الحكم له باسترجاع المبلغ الذي سبق أداؤه مع التعويض.فما كان من المحكمة (حكم عدد 2366 بتاريخ 26-06-2013) إلا أن أثارت من تلقاء نفسها بطلان عقد الوعد بالبيع لعدم وقوعه على الشكل المفروض قانونا. وبناء على حكم الفصل 307 من قانون الالتزامات و العقود، رفضت الطلب الأصلي لعدم إمكانية فسخ عقد باطل أصلا، ورفضت الطلب المضاد لاستحالة تنفيذ عقد باطل، واعتبرت طلب استرجاع المبالغ المدفوعة سابقا لأوانه. بقلم: الدكتور محمد الباكير, أستاذ بكلية الحقوق بالدارالبيضاء