مسطرة التأديب المتبعة على مستوى هيآت المحامين تشوبها الاختلالات لاشك أن إنشاء الهيأة العليا للحوار الوطني حول الإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة هو عمل غير مسبوق كما أن المجهودات المبذولة من قبل رئيسها وأعضائها وكذلك المساهمين في الندوات الوطنية التي انعقدت في مختلف المدن المغربية لا يمكن بخسها أو التقليل من شأنهــــــا، بل لابد من التنويه بها وشكر كل من ساهم فيها على الجهد المبذول والعمل الجاد. أما التوصية 164 فقد نصت على إحداث مجلس وطني لهيآت المحامين، من ضمن مهامه وضع التصورات العامة للتكوين الأساسي والمستمر للمحامين ووضع نظام داخلي موحد لهيئات المحامين ومدونة سلوك للمهنة. ولابد في هذا المضمار التأكيد أولا على أن المجلس الوطني ليس نقابة وطنية أو هيأة وطنيـة للمحامين كما هو الشأن في بعض الدول العربية وثانيا أنه ليس بديلا لجمعية هيآت المحامين بالمغرب ولا يتنافى أو يتعارض مع أهداف هذه الجمعية التي ساهمت أزيد من 50 سنة في تعزيز الديمقراطية وتكريس احترام حقوق الإنسان والدفاع عن استقلال القضاء ونزاهته وحصانة المحاماة. إلا أن الإطار الذي أنشئت فيه الجمعية لا يجعل توصياتها ملزمة لجميع الهيآت مما خلق نوعــــــــا من الاضطراب في المواقف بين هيأة وأخرى، وجعل الهيآت المغربية تظهر وكأنها لتخضـع لقانون واحد. أما المجلس الوطني فيبقى من صلاحياته التحدث باسم المحامين المغاربة وتوحيد الأنظمة الداخليـة للهيآت، وكذا القوانين المتعلقة بتسيير صندوق الأداءات وتوحيد رسوم الانخراط في المهنة إلى غير ذلك من التنظيمات التي تهم المحاماة .فنحن نلاحظ مع الأسف أن هناك اختلافا جوهريا بين مختلــف الهيآت المغربية فيما يتعلق بتسيير صندوق الأداءات المحدث في نطاق الفصل 57 من قانون المهنة، فقد اختلفت الاجتهادات من هيأة إلى أخرى، فأعطى البعض لنفسه صلاحيات تتعدى نية المشرع، بل وتخالف حتى التشريع نفسه، مما أدى إلى طعون صدرت إثرها أحكام عديدة في هذا المجال. بل أكثر من ذلك، فإن بعض الهيآت سمحت لنفسها باقتطاع مبالغ من أتعاب المحامي في بعـض القضايا الخاصة لتصل إلى ثلث ما تلقاه من أتعاب وأصبح بذلك الاقتطاع من أتعاب المحامي عقوبة بديلة للعقوبة التأديبية التي أقرها المشرع. ويضاف إلى هذا الاختلاف عدم توحيد رسوم الانخراط وكذا واجب الدمغة التي يصل الفرق فيها بين هيأة وأخرى إلى عشر مرات. إن كل هذه الاختلافات وغياب التنسيق بين الهيآت في هذا الميدان وغيره من المياديــن أدى إلى التفكير في إنشاء مجلس وطني لهيآت المحامين تكون لقراراته القوة الإلزامية لجميع الهيآت والناطــــــق الرسمي باسم جميع المحامين المغاربة أمام المؤسسات والسلطات العمومية أما بالنسبة لهيكلة هذا المجلس فإنه لا ينبغي أن يخرج عن الهيكلة التي توجد عليها جمعية هيآت المحامين بالمغرب من حيث جعل جمعيته العمومية تتكون من جميع أعضاء المجلس ويكون النقباء الممارسون أعضاء بقوة القانون داخل مكتبه التنفيذي إلى جانب انتخاب بقية أعضاء المكتب من قبل الجمعية العمومية المذكورة أما بالنسبة إلى اختصاصاته فهي مشار اليها في التوصية 164 المذكورة. كما انه ينبغي التفكير في جعل هذا المجلس هيأة استئنافية يطعن أمامها في جميع القرارات الصادرة عن مجالس الهيآت، كما هو عليه الشأن بالنسبة إلى القرارات الصادرة عن هيأت الأطباء والصيادلة وغيرهما من الهيآت الأخرى التي منح المشرع هيأتها الوطنية صلاحيات النظر في القرارات الصــــادرة عن المجالس الجهوية مع بسط رقابة محكمة النقض طبعا على هذه القرارات، وتنص التوصية 166 على إعطاء الجمعية العمومية لهيأة المحامين صلاحية المراقبة والمحاسبــــــة المهنية اتجاه مجلس الهيأة وهذه التوصية وإن كانت قد أعطت للجمعية العمومية هذه السلطة فإنه ينبغي ضبط هذه السلطـــــــة من حيث التنصيص على من له الحق في الحضور في هذه الجمعية العمومية وكذا النصاب الواجب توفره سواء في ما يتعلق بالانعقاد أو بصدور القرارات مع وضع ضوابط حتى لا تصبح هذه السلطــــــــــــــــــــة وسيلة للابتزاز والمساومة التخليـــــق : مهما سمت القاعدة القانونية فانه لا يمكن تطبيقها على ارض الواقع، إذا لم تكن مقرونة بالجزاء لذلك، فمسطرة التأديب المتبعة الآن على مستوى الهيآت يشوبها كثير من الاختلالات من الضروري إصلاحها وأول هذه الاخلالات هو جمع سلطة المتابعة والتأديـــــب في جهة واحدة هي مجلس الهيأة لأن هذه المسطرة وحدها تخل بأهم مبدأ من مبادئء المحاكمة العادلة وهي ضرورة فصل سلطة المتابعـــة عن سلطة التأديب لذلك ينبغي التفكير في فصل المجلس التأديبــــــــي عن مجلس الهيأة ، بحيث يمكن لهذا الأخير أن ينتخب من بين أعضائه هيأة تشرف على التأديب وتبقى صلاحية المتابعة للنقيــــب ومجلس الهيأة باستثناء أعضاء المجلس التأديبي في الحالات التي يتقاعس فيها النقيـــــب عن تحريــــــــــك المتابعــــــــــــة. أما ما جاء في التوصية 49 من حضور الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف أو من يمثلــــــه في المجلس التأديبي للمحامين ، دون ان يشارك في المداولات واتخاذ القرار فانه يعتبر نشــــــازا لأنه لا معنى للسماح بحضور الوكيل العام في المجلس التأديبي مادامت القرارات الصــــــادرة عن هذا المجلس تبلغ له طبقا للقانون ويمكن له استعمال جميع وسائل الطعن القانونية ضد هذه القرارات ما عدا إذا اعتبرت هذه التوصية أن دور الوكيل العام هو تجسس على ما يدور داخل هذا المجلـــس من نقاش، وهذا دور لا نرضاه لمؤسسة في وزن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف، لذلك فان هذه التوصية تعتبر بمثابة حشو ينبغي الاستغناء عنه. أما ما جاء في التوصية 174 من تخويل المشتكي حق الطعن في قرارات المجالس التأديبية للمهن القضائية، فإن واضعها لا يعرف الطبيعة القانونية للمجالس التأديبية بصورة عامة والمجالس التأديبيــــــة لهيآت المحامين بصفة خاصة، على اعتبار أن هذه القرارات ذات طبيعة سرية من جهة وذات طبيعة اسرية من جهة أخرى، وكيفما كان الحال فإن حق المشتكي يبقى محفوظا للمطالبة به امام الجهــــــــة القضائية، سواء في نطاق الدعوى المدنية أمام القضاء المدني، أو في نطاق الدعوى المدنيــــــة التابعة أمام القضاء الزجري. = 7 = وفي ما يتعلق بالطعن في القرارات الصادرة عن مجالس الهيآت فان التوصية 50 تنص علـــــــى إحداث هيأة قضائية ومهنية مختلطة على مستوى محاكم الاستئناف ، تتكون من ثلاثة قضاة من بينهم الرئيس ومحاميان اثنان يمثلان مجلس هيأة المحامين، للبت في الطعون المقدمة ضد القرارات التأديبية وغيرها، الصادرة عن هذا المجلس، مع تخويل الهيأة المذكورة حق التصدي. ورغم أننا كنا نطمح إلى أن يكون الطعن في القرارات الصادرة عن مجالس الهيآت أمام هيأة استئنافية مؤسسة من قبل المجلس الوطني المتحدث عنه سابقا الا ان احداث هيأة قضائيــــة ومهنية مختلطة فيه خطوة إلى الأمام لا ينبغي إنكار أهميتها، مع الإشارة إلى أن هذه التوصيـــة عندما تحدثت عن محاميين اثنين يمثلان مجلس هيأة المحامين غاب عنها أن مجلس الهيأة هو الذي تصدر عنه القرارات المطعون فيها، وبالتالي فإنه لا يمكن لمن شارك في إصدار القرار المطعون فيه ان يكون عضوا في الهيأة الاستئنافية المذكورة . بقلم: النقيب إدريس شاطر, الرئيس الفخري للاتحاد الدولي للمحامين