الميثاق أحدث تعديلات جوهرية على تنظيم المهنة محليا ووطنيا احتلت مهنة المحاماة كغيرها من أطراف العملية القضائية حيزا مهما من ميثاق اصلاح منظومة العدالة. وقد أصبح معلوما اليوم للرأي العام أن هذا الحيز الذي شغلته المحاماة في الميثاق حدثت في مضمونه اختلافات في وجهات النظر بين جهات عديدة لمن فيها المحامون أنفسهم. وهذا شيء طبيعي في جسم حي عمله يرتكز أساسا على الفكر والمعرفة وأداته الدائمة الحوار والمناقشة للإقناع والاقتناع . وإذا كان هذا المجلس الوطني للمحامين جهازا منصوصا عليه قانونا، قد يمثل مخاطبا رسميا، فإن من شأن ذلك أيضا أن يحرر التنظيمات الجمعوية للمهنة من بعض الالتزامات ويجعلها تتحرك في حرية أكبر في مساحة المجتمع المدني الواسعة، قوة اقتراحية وأداة للضغط من أجل الإصلاح، خاصة في ظل الدستور الحالي الذي أتاح لهيآت المجتمع المدني إمكانات جديدة.ونص الميثاق على بعض اختصاصات المجلس الوطني على سبيل المثال، مما يعني أنه ستكون له الولاية العامة في كل الشؤون المهنية. غير أن من أهم ما ينبغي أن يختص به هو أن يكون مرجعا استئنافيا للقرارات التأديبية الصادرة عن مجالس الهيآت. ليتم القطع بذلك مع الحالة غير الطبيعية السائدة حاليا والتي تجعل التأديب في شقه الأول ( الابتدائي ) مهنيا وفي شقه الثاني ( الاستئنافي ) قضائيا.إذن من خلال ما سبق، يتضح أن الميثاق استهدف إحداث تعديلات جوهرية على مستوى تنظيم مهنة المحاماة محليا ووطنيا. و يبقى للنصوص القانونية أن تترجم ذلك في اتجاه خلق أجهزة ديمقراطية مفتوحة في وجه الطاقات والأفكار التي تزخر بها المحاماة والقادرة على التفاعل مع محيطها وعلى التدخل بالسرعة والنجاعة اللازمتين عند الضرورة .ثالثا : التـأديـب : الإطار القانوني للتأديب هو من الجوانب الحساسة في حياة المهنيين بشكل عام. ولذلك فإن ما جاء به الميثاق في هذا المجال حظي بنقاش واهتمام بالغين. وقد أورد الميثاق إجراءات التأديب في إطار تعزيز مبادئ الشفافية والمراقبة والمسؤولية في المهن القضائية وانصبت مقتضياته على مستويين : الدرجة الأولى، أي المجلس التأديبي وقد جاء فيه الميثاق بمقتضى جديد تماما ليس فقط على مستوى قانون مهنة المحاماة، بل حتى بالمقارنة مع باقي المؤسسات، إذ نص على حضور الوكيل العام أو من يمثله في المجلس التأديبي دون أن يشارك في المداولات واتخاذ القرار.أما على مستوى الدرجة الثانية (الاستئناف ) فقد جاء الميثاق أيضا بهيأة جديدة مختلطة قضائية مهنية تتشكل من ثلاثة قضاة من بينهم الرئيس ومحامان اثنان يمثلان مجلس هيأة المحامين للبت في الطعون المقدمة ضد القرارات التأديبية وغيرها الصادرة عن هذا المجلس مع تخويل الهيأة المذكورة حق التصدي. ويلاحظ أن الميثاق حاول أن يجد نوعا من التوازن من خلال حضور النيابة العامة في المجلس التأديبي وحضور المحامين في الهيأة الاستئنافية.لكن هذا المقتضى، سيكون عسير الهضم لأن المحامين جسم ظل محافظا على طبيعته المتماسكة داخليا واستقلاليته التامة لعقود طويلة، كما أن الهيآت القضائية في المغرب تتكون من قضاة نظاميين محترفين من الصعب إشراكهم مع مهنيين آخرين في هيأة واحدة.أما بالنسبة إلى الاختصاص الذي منح لهذه الهيأة المختلطة، فإن مكانه الطبيعي هو مجلس هيآت المحامين الذي ينظر في الطعون ضد قرارات المجالس درجة استئنافية.كما أنه من المناسب ألا يظل مجلس الهيأة بشكله الحالي، من ينظر أيضا في ملفات التأديب، بل يتعين أيضا هنا الخروج من حالة جمع سلطة المتابعة مع سلطة الحكم، وبالتالي يتعين أن تنتخب الجمعية العمومية في جمعها العام الانتخابي نفسه مرة كل ثلاث سنوات مجلسا تأديبيا، خاصا مهمته الوحيدة النظر في قضايا التأديب وينتخب فيه محامون بمواصفات مناسبة مع عدم إمكانية الجمع بين عضوية المجلس التأديبي والمجلس العادي (التدبيري).رابعا : المــالــية من المواضيع التي طفت إلى السطح في السنوات الأخيرة ومرشحة للاهتمام أكثر : موضوع مالية الهيآت.وهذا أمر طبيعي، باعتبار هذه المالية تحولت من وضع كانت تتشكل فيه من مجرد اشتراكات للمحامين إلى وضع أصبحت فيه المالية تضم الأموال الناتجة عن تنفيذات يقوم بها المحامون، ويدخل ضمن هذه الأموال لفترة معينة أموال - ليس فقط أتعاب المحامين – بل أموال المواطنين المنفذ لفائدتهم قبل سحبها. وأمام تدفق هذه المبالغ الكبيرة أخذت بعض المجالس تقوم باقتطاعات بنسب مختلفة وحتى القيام بمشاريع لهذا الغرض أو ذاك. وكل ذلك يتم في غياب أي رقابة منظمة بل وحتى في غياب مستخدمين مؤهلين في المحاسبة والتخصصات ذات الصلة .لذلك فإن تعاطي المشرع مع هذا الجانب أصبح ملحا .ويمكن أن يتأتى ذلك بداية من خلال إحداث لجنة خاصة تنتخب من الجمعية العمومية مهمتها المراقبة المالية وتعتمد كل الوسائل والإمكانات للقيام بعملها مع عدم جمع أعضائها بين اللجنة وعضوية المجلس، وتقدم تقريرا للجمعية العمومية .ولعل ذلك التقرير هو إحدى الآليات التي تعتمد في المحاسبة والمراقبة التي منحها الميثاق للجمعية العمومية .مـلاحـظات و اسـتـنتاجـات في نهاية هذا الموضوع نقدم بعضا من الخلاصات والاستنتاجات الأولية : أ – إن موضوع إصلاح العدالة في المغرب هو من المواضيع التي كتب فيها الكثير ونظمت حولها مئات من اللقاءات ومنذ عقود من الزمن، لكن ميزة الميثاق الحالي أنه لأول مرة يتم الوصول إلى وثيقة وطنية شاملة لكل جوانب منظومة العدالة برؤية مندمجة شارك فيها أكبر عدد من المؤسسات و الهيآت الوطنية.ب – إن الميثاق ليس نصوصا قانونية بل هو أفكار وإجراءات ومبادئ ، وأن ترجمتها إلى نصوص قانونية هو المجال الذي ينبغي أن تصب فيه كل جهود الفاعلين و المعنيين.ج – إن الميثاق قد جاء بأمور مهمة سواء تلك التي فصلناها أعلاه أو التي لم نذكرها مثل اهتمامه بالتكوين والتكوين المستمر، وإعادة النظر في الشهادة العلمية اللازمة لولوج المهنة أو شروط القبول بمحكمة النقض.لكنه في الوقت نفسه أغفل أمورا مهمة مثل الحسم في مسألة احتكار الدفاع وتوسيع مجال عمل المحامين، والحسم في مسألة المساعدة القضائية، كما أن الميثاق لم يشر إلى ضرورة تمكين المحامين من نظام ضريبي يراعي وضعية الأزمة التي يعيشونها ويزيد منها إثقال كاهلهم بضرائب كثيرة منها واحدة لا علاقة لها بممارسة المهنة .وبالنظر إذن إلى أنه جاء بأمور مهمة وأغفل أخرى، فإنه يكون من الحكمة قبول ما جاء به إيجابيا والمطالبة بتعديل الشق الآخر . و من نافلة القول إنه لا ينبغي رفض أمر دون تقديم بديل له. بقلم: الأستاذ علال البصراوي, عضو المكتب التنفيذي لنقابة المحامين بالمغرب