الميثاق زاد في تعقيد عمل المحامي وتأزيم وضعه المادي احتلت مهنة المحاماة كغيرها من أطراف العملية القضائية حيزا مهما من ميثاق اصلاح منظومة العدالة. وقد أصبح معلوما اليوم للرأي العام أن هذا الحيز الذي شغلته المحاماة في الميثاق حدثت في مضمونه اختلافات في وجهات النظر بين جهات عديدة لمن فيها المحامون أنفسهم. وهذا شيء طبيعي في جسم حي عمله يرتكز أساسا على الفكر والمعرفة وأداته الدائمة الحوار والمناقشة للإقناع والاقتناع . معلوم لدى الرأي العام أن الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة الذي أفرز هذا الميثاق، عرف حركية من جانب المحامين تراوحت بين المشاركة والرفض في انعكاس واضح لعلاقتهم مع وزارة العدل والتي طبعها في هذه الفترة نوع من التوتر ناتج عن الخلاف حول قضايا كثيرة أغلبها لم يتم التصريح به، وطغى على أوجه الخلاف في هذه الفترة موضوع المساعدة القضائية والذي انتهى نهاية غير سعيدة ... واليوم بعد أن أصبح الميثاق وثيقة موجودة، صادرة عن هيأة وطنية وصادقت عليه أعلى سلطة في البلاد تتجه به وزارة العدل إلى المؤسسات ذات الصلة لترجمته إلى نصوص قانونية.إذن أصبح من الضروري تداوله بالتحليل والنقاش بين عموم المحامين ليتضح الموقف. وفي هذا الإطار يأتي تناولنا للموضوع، علما أن الميثاق، رغم أنه أحيانا جاء بإجراءات محددة، إلا أنه بشكل عام يشكل أرضية مبادئ وأفكار المهم فيها هو حين تتم ترجمتها إلى نصوص قانونية. ورغم أن الميثاق في كل جوانبه يهم المحامين باعتبارهم طرفا أساسيا في منظومة العدالة، لكن في هذا الحيز سنقتصر على مناقشة الجوانب التي لها صلة مباشرة بالمحاماة ونرى في اعتقادنا أنها أولى بالمناقشة وقد يرى غيرنا خلاف ذلك.أولا : مهام المهنة يعتبر هذا الجانب المتعلق باختصاصات المحامي أو ما يعرف مهنيا، باحتكار الدفاع عن الأطراف من أضعف المقتضيات المتعلقة بمهنة المحاماة في الميثاق.إذ بعد طول انتظار من المحامين لتوسيع اختصاصهم ليشمل الدفاع عن الأطراف في كل القضايا، جاء الميثاق خاليا من أي مقتضى في هذا الاتجاه، مكرسا بذلك مقتضيات الفصل 31 من القانون الحالي للمهنة والذي ترفض جل المحاكم تطبيقه على علاته باعتباره جاء خاليا من الجزاء، ومكرسا أيضا للاستثناءات الواردة فيه، خاصة استثناء الدولة والإدارات العمومية من تنصيب محام في قضاياها.وإن استمرار تلك الاستثناءات وعدم التطبيق السليم للفصل 31 من القانون الحالي بعلة انعدام الجزاء يجعل دائرة عمل المحامي ضيقة، في الوقت الذي تزداد فيه أعداد المحامين وتقل فيه قيمة الأتعاب نتيجة الأحوال المادية للمتقاضين، بل إن الميثاق زاد في تعقيد عمل المحامي بفرضه التوكيل المكتوب.وكل ذلك يساهم في تأزيم الوضع المادي ويعتبر هذا الجانب واحدا من أهم التحديات المطروحة خلال صياغة النصوص القانونية للميثاق.ثانيا : تنظيم المهنة يعتبر تنظيم المهنة، وتحديدا أجهزتها، من الجوانب المهمة في الميثاق والتي استجاب فيها لعدد من المطالب التي طالما نادى بها المحامون، خاصة الشباب منهم وذلك في اتجاه دمقرطة أجهزة الهيآت وفتح فرص أكثر أمام المحامين لتولي المسؤولية عبر الأجهزة.ويمكن مناقشة هذا الجانب في الميثاق من خلال الحديث عن أجهزة المهنة محليا وأجهزتها وطنيا.ا- الأجهزة المحلية اتجه الميثاق إلى إحداث تعديلات جوهرية في جهازين مهمين من أجهزة الهيأة، وهما منصب النقيب والجمعية العمومية.1- النقيب فبالنسبة إلى النقيب نص الميثاق على مراجعة طريقة انتخابه وحصر مدة انتخابه في ولاية وحيدة غير قابلة للتجديد.إن هذا الإجراء يستجيب لفكرة التداول على المهام وفتح الفرص أمام كل الفعاليات والأجيال عوض الاستمرار في احتكار هذا المنصب أحيانا لسنوات طويلة من قبل الأشخاص أنفسهم الذين يقضون عقودا من الممارسة المهنية متنقلين بين العضوية في المجلس ومنصب النقيب.لذلك، فإن من شأن هذا الإجراء إنهاء هذا الوضع الذي لم يكن طبيعيا أبدا وحبذا لو تم تخفيض هذه الأقدمية من خمس عشرة سنة إلى عشر سنوات أو أقل . فالأقدمية المهنية وإن كانت تكسب التجربة، إلا أن الأجيال الجديدة بما أصبح يتوفر لها من وسائل حديثة، وفي وضع أصبح فيه تشبيب المسؤولية إحدى آليات إصلاح الأوضاع، في ظل كل ذلك، فإن استمرار الحيلولة بين المحامين ومنصب النقيب حتى يتجاوز الخمسين من العمر هو أمر لم يعد مقبولا. 2 – الجمعية العمومية من الأوضاع التي ظلت معيبة في الحياة المهنية وضعية الجمعية العمومية، إذ أن هذه الجمعية تنفرد بخاصية أنها هي من تختار أجهزة الهيأة ( النقيب والمجلس ) ولكن ليس لها حق محاسبتهما أو مراقبتهما، بل إن مهمتها تنتهي بانتخاب الأجهزة ولا يتبقى لها بعد ذلك إلا النقاشات الاستئناسية التي ليست لها إلزامية.هذا ما جعل الجمعيات العمومية ضعيفة التأثير في الحياة المهنية، والحال أنه ينبغي أن تكون هي أعلى جهاز تقريري باعتبارها تضم كل المحامين. وقد جاء الميثاق ليعدل جزئيا هذا الوضع بنصه من خلال الإجراء 166 على إعطاء الجمعية العمومية لهيأة المحامين صلاحية المراقبة والمحاسبة المهنية تجاه مجلس الهيأة. و قلنا « جزئيا « لأنه قصر محاسبة ومراقبة الجمعية العمومية على مجلس الهيأة دون النقيب، والحال أن ليس هناك أي مبرر لاستثنائه من تلك المحاسبة، بل هي أوجب في حالة النقيب، لأنه يمارس مسؤوليات مهمة، وينبغي ربط المسؤولية بالمحاسبة في حالته هو أيضا . وباعتبار هذا المبدأ ( ربط المسؤولية بالمحاسبة ) اليوم مبدأ دستوريا، فإنه ليس هناك أي مبرر لاستثناء أي جهاز من أجهزة المحامين من تطبيقه، بل هم أجدر بتطبيقه.3- مجلس الهيأة إن كان الميثاق نص على مقاربة النوع في تشكيل مجلس الهيأة، وهذا أمر أصبح يفرض نفسه، فإنه استمر في اعتماد الفئوية. وهكذا نص على تمثيلية الفئات العمرية والأقدمية المهنية.وكما سبق القول فإن فكرة الأقدمية والتمثيلية العمرية، أصبحت متجاوزة وليس لها أي مبرر منطقي أو مهني ما دام الاختيار يتم عن طريق الانتخاب، وبالتالي فإن الأجدر يتحمل المسؤولية بغض النظر عن السن. وإذا حصل أن كان هناك سوء اختيار، وهذا قد يحصل، فإن اعتماد مبدأ المحاسبة والمراقبة كفيل بتصحيح الوضع. ب- تنظيم المهنة وطنيا بعدما ظل قانون المهنة يكتفي بتنظيم المحاماة محليا من خلال أجهزة الهيآت التي تمارس اختصاصاتها كل في دائرة محكمة الاستئناف المحدثة في إطارها، جاء الميثاق لينص على إحداث مجلس وطني لهيآت المحامين، من ضمن مهامه وضع التصورات العامة للتكوين الأساسي والمستمر للمحامين، ووضع نظام داخلي موحد لهيآت المحامين ومدونة سلوك للمهنة. بقلم: الأستاذ علال البصراوي, عضو المكتب التنفيذي لنقابة المحامين بالمغرب