الأحزاب مطالبة بإعطاء الفرصة للشباب والمرأة وتحديات تنتظر الحكومة المقبلة إن المشاركة في الانتخابات تعزز مفهوم الممارسة الديمقراطية، وهي الخطوة الأولى نحو إحداث الاصلاح والتغيير الذي ينشده المواطن، ودعامة أساسية لبناء دولة القانون وتعزيز المسار الديمقراطي. كما تكمن أهميتها أيضا في أهمية شعور الناخب بمدى تأثير صوته الانتخابي في العملية الانتخابية، إذ كلما كانت الانتخابات حرة ونزيهة كلما كان لصوت الناخب في العملية الانتخابية تأثير قوي لضمان تعزيز الديمقراطية النابعة من اختيار الشعب لنوابه وممثليه. الدكتور خالد الشرقاوي السموني * تمر الانتخابات التشريعية المتعلقة بانتخاب أعضاء مجلس النواب والانتخابات الخاصة بمجالس الجهات ومجالس الجماعات، المزمع تنظيمها يوم 8 شتنبر 2021، وسط ظروف استثنائية، نظرا لما أحدثته جائحة كورونا من تبعات على مختلف الأصعدة ، وفي مجال الاقتصاد على وجه خاص، وما تطرحه من إكراهات على الحملة الانتخابية في شكلها التقليدي، وهو الأمر الذي دفع الأحزاب السياسية إلى تغيير استراتيجياتها التواصلية، باللجوء إلى تقنيات التواصل الرقمي لتقديم برامجها ومرشحيها. مخاوف من العزوف السياسي كشفت الاستحقاقات الانتخابية، سواء الجماعية أو البرلمانية التي شهدها المغرب، في السنوات الأخيرة، عن واقع يثير مخاوف على مستقبل العمل الحزبي والسياسي عموما، بسبب ظاهرة العزوف السياسي خصوصا لدى الشباب. فعلى الرغم من جودة قوانين الانتخابات وإرادة الدولة في ضمان حرية ونزاهة الانتخاب، فإن ذلك لن يعطي مدلولا ديمقراطيا للانتخابات المقبلة إذا لم تكن هناك نسبة معقولة من المشاركة فيها. غير أن الملاحظ أن أغلب الأحزاب السياسية لا تقوم بوظائفها الدستورية، حيث لا تفتح مقراتها للتواصل مع المواطنين أو تأطيرهم أو تكوينهم أو تشجيعهم على العمل السياسي أو الاستماع إلى قضاياهم ومطالبهم المشروعة ، إلا مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، فقط لاستقطاب الناخبين للتصويت لفائدة الحزب ، بالإغراء أو بوسائل أخرى ، إذ لا يزال فقدان الثقة من قبل المواطنين قائما، في ظل واقع حزبي يتميز بانعدام الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب ، وعدم القدرة على القيام بأدوارها الدستورية ، مما قد لا يشجع الناخب على الإقبال على التسجيل في اللوائح الانتخابية والذهاب إلى صناديق الاقتراع. أحزاب... آلات انتخابية وعلى هذا الأساس، من واجب الأحزاب القيام بدورها في تأطير المواطنين والانفتاح على الأطر، واستقطاب نخب جديدة، وتعبئتهما للانخراط في العمل السياسي وتأهيلها في شتى المجالات وإذكاء الشعور لديها بالانتماء الوطني، وتشجيعها وإعطائها الفرصة في التعبير عن تطلعاتهما وقضاياها والدفع بها نحو القيام بمبادرات تنموية فاعلة وإدماجها في مشاريع التغيير والإصلاح. وهذا لن يتأتى بطبيعة الحال إلا عن طريق إرجاع الثقة للمواطن في السياسة وفي المشاركة السياسية التي هي تعبير عن المواطنة . ومما يؤسف له، أن الواقع يؤكد بالملموس على أن نسبة كبيرة من المواطنين عازفة عن العمل السياسي وعن المشاركة في الانتخابات ، كتوجه تعبيري يعكس سخطا مجتمعيا على الوضع السياسي والاقتصادي في البلاد ، علما بأن هذه الفئة التي لا تشارك في العملية الانتخابية تؤثر في الخريطة السياسية ، التي لا تعكس إرادة الأمة والصورة الحقيقية للتمثيلية الحزبية داخل البرلمان. وهذا ناتج بطبيعة الحال عن مجموعة من الأسباب، لأن أغلبية الأحزاب تحولت إلى آلات انتخابية، لا تقوم بوظيفتها الدستورية، كما يجب، والمتجلية في تأطير المواطنين وتشجيعهم على الانخراط في الحياة العامة الوطنية. كما أن أغلب الأحزاب السياسية التي تشارك في التسيير الحكومي كثيرا ما لا تفي بوعودها المسطرة في برامجها الانتخابية، لأنها تضع أرقاما تتعلق بتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتوفير فرص العمل للشباب، تكون إما غير واقعية لعدم استنادها إلى دراسات علمية، و إما التصريح بأهداف يصعب عليها تحقيقها، وإما فقط لاستمالة الناخبين للتصويت على حزب معين، كأن بيده العصا السحرية، وهو ما لم يعد يطيقه المواطن . وحتى بعض الإجراءات الواردة في البرامج الانتخابية التي لا يحتاج تنفيذها إلى ميزانيات، بل قد تساهم في انتعاش خزينة الدولة، مثل محاربة الفساد الإداري وترشيد النفقات، لا تنفذها الحكومة، أو تتخذ بشأنها إجراءات انتقائية محدودة النطاق، مما قد يؤدى إلى فقدان الثقة في الحكومة و في الأحزاب و يسهم في تعزيز العديد من المشاعر السلبية لدى المواطن . لكن العزوف عن المشاركة لا يمكن أن يكون بديلا لحل الأزمات بل يساهم في تعقيدها، إذ يبقى الخيار الصائب هو المشاركة الفعلية للمواطنين في الانتخابات، وذلك بالتصويت على أفضل المشاريع والبرامج الانتخابية التي يقدمها مرشحو الأحزاب المتنافسة. فكلما ارتفعت نسبة المشاركة السياسية، كلما عبر الاقتراع بالفعل عن التوجهات العامة للناخبين. المشاركة السياسية للشباب هناك إجماع على أن الديمقراطية لا يمكن لها أن تكتمل في غياب المشاركة المتساوية لجميع أفراد المجتمع، خصوصا النساء والشباب. كما أن المؤسسات السياسية والدستورية في جميع أنحاء العالم في حاجة كبيرة إلى زيادة وتقوية مشاركة الشباب. على هذا الأساس، ينبغي إعطاء المزيد من المساحة للشباب للتعبير عن احتياجاتهم وتطلعاتهم للمستقبل. أيضا، من واجب الأحزاب تأهيل القادة الشباب في شتى المجالات وإذكاء الشعور لديهم بالانتماء الوطني، وتشجيعهم وإعطائهم الفرصة للتعبير عن تطلعاتهم وآرائهم والدفع بهم نحو القيام بمبادرات تنموية فاعلة و إدماجهم في مشاريع التغيير والإصلاح. وهذا لن يتأتى بطبيعة الحال إلا عن طريق إرجاع الثقة للشباب في السياسة و في المشاركة السياسية التي هي تعبير عن المواطنة، تساعدهم على ممارسة الشأن العام، هذا مع العلم أن الشباب يملكون الطاقة والقدرة على العطاء ، وهم ثروة بشرية قادرة على العمل والإنتاج، إذا فتح لهم المجال للمشاركة في صناعة القرارات المتعلقة بتدبير الشأن المحلي و العام ووضع السياسات العمومية وتقييمها. فالمشاركة السياسية للشباب تلعب دورا مهما في تطوير آليات وقواعد الديمقراطية، وأيضا أحد أشكال الديمقراطية الاجتماعية، علما بأن تفعيل هذه المشاركة سيقلل من حالة الفراغ الثقافي و الاجتماعي الذي يعيشه هؤلاء، عندما يتم تهميشهم وعدم الاهتمام بقضاياهم ، مما قد ينعكس سلبا على أوضاعهم التعليمية و التربوية أو يدفعهم إلى التطرف السياسي أو الديني. فضلا عن ذلك، تعد مشاركة الشباب في الحياة السياسية مفتاح الديمقراطية التشاركية في المجتمعات وتحقيق التنمية المستدامة. كما تتيح ضخ دماء جديدة في الأحزاب السياسية و المؤسسات التمثيلية، وإعادة صياغة السياسة في صلب أنماط التنمية من خلال القدرة الخلاقة للشباب، ودينامياتهم وقدرتهم على إنتاج أفكار وبرامج وإجراءات ذات قيمة مضافة عالية. المشاركة السياسية للمرأة لا يمكن الاختلاف عما حققته المرأة المغربية من تقدم وإنجازات وما وصلت إليه من مكانة مشرفة بفضل جهودها وكفاحها وطموحها لتقلد مواقع الريادة، وفرض حضورها في المجتمع السياسي، وبالخصوص داخل الأحزاب السياسية، رغم التحديات الكبرى التي واجهتها وتواجهها والتقاليد المتحجرة التي تعيق مسيرتها. لذلك فإن مصير المرأة والرجل مصير واحد . فكلاهما مشتركان في الحقوق والواجبات في إطار من التكافؤ والمساواة، وأن أي تحجيم لدورها السياسي يجعل المجتمع غير محقق لأهداف ومبادئ الديمقراطية، حيث إن الديمقراطية تعد القناة الأكثر فاعلية في نشر ثقافة تمكين المرأة من المشاركة السياسية وتسهم في خلق ثقافة المواطنة، كما أنه في أي برنامج تنموي على الصعيد الدولي، نجد بأن من بين الأهداف الرئيسية لتحقيق التنمية المستدامة هناك هدف تحقيق التكافؤ الكامل بين الرجال والنساء في عموم حقوق الإنسان وحقوق المواطنة. كذلك رغم الدور السياسي الحيوي والمشهود للمرأة المغربية داخل الأحزاب، فإننا مازلنا نلاحظ، مثلا، حضورا باهتا لها في وسائل الإعلام وعلو الصوت الذكوري في البرامج الإعلامية، الخاصة بأنشطة الأحزاب، والذي يحاول أن يخطف نجاحها لصالحه، حيث يهيمن على البرامج التلفزيونية الحوارية الحضور الرجالي الذي يدلي بشؤون وهموم الوطن، في مقابل خفوت الصوت النسائي، إلا استثناء. وهذه الظاهرة كما نلاحظها، مرتبطة بالعقلية الذكورية والتي تعطي الأولوية للرجل قائدا اجتماعيا وسياسيا وعنصرا له قدرات أقوى من المرأة في تدبير الشأن العام السياسي وتقلد المواقع الريادية، وبالتالي يصير وصول المرأة إلى مناصب القيادة مسألة صعبة جدا ومعقدة أحيانا. فلولا التمييز الإيجابي الذي أقره القانون المغربي لفائدة المشاركة السياسية للمرأة عن طريق "الكوطا» لما استطاعت أن تحصل على نسبة مشرفة من المقاعد في الانتخابات المتعاقبة منذ سنة 2003 . فضلا عن ذلك، تبقى قضية وصول المرأة إلى مواقع المسؤولية الحكومية من أهم التحديات التي تواجه الحكومة المقبلة . وتكمن أهمية القضية في أنها مؤشر دقيق على درجة المساواة وتكافؤ الفرص بين الجنسين وإقرار مبدأ المناصفة وعلى تغير الصورة النمطية للمرأة وزيادة تمثيلها في مواقع صنع القرار بصورة عادلة تتناسب مع مسيرتها العملية وتأهيلها العلمي وحضورها الفعال في المشهد السياسي والحزبي قراءة في المشهد السياسي تشكل محطة الاستحقاقات الجهوية والبرلمانية مرحلة فاصلة في تاريخ المشهد السياسي المغربي، وذلك لأهمية ودلالات وسياق هذه الاستحقاقات. وستسود عقب هذه الانتخابات حالة الترقب حول النتائج التي ينتظر أن يحققها حزب العدالة والتنمية الذي فاز برئاسة الحكومة لولايتين متتابعتين، وذلك بالنظر إلى تراجع شعبيته، على ضوء الانتقادات العديدة التي توجه لأدائه الحكومي وسياساته في التعامل مع بعض الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وبناء على ذلك، سيواجه حزب العدالة والتنمية صعوبة كبيرة في تصدر هذه الانتخابات ، إذ بدأ يفقد بريقه بسبب مشكلات التسيير الحكومي التي لم يكن على خبرة بطريقة تدبيرها. وهذا ما يفسر تراجعه في انتخابات الغرف المهنية، و في انتخابات ممثلي المأجورين. وتكشف مؤشرات عديدة عن أن هناك أحزابا أخرى منافسة لحزب العدالة والتنمية قد تشكل الحكومة المقبلة، حال فوز أحدها بالنسبة الأعلى . و قد نتوقع بأن حزبا من الأحزاب الثلاثة (حزب التجمع الوطني للأحرار - حزب الاستقلال - حزب الأصالة و المعاصرة ) يمكن أن يتصدر الرتبة الأولى والظفر برئاسة الحكومة . كما تتميز هذه الانتخابات بالتأثير الذي سيحدثه القاسم الانتخابي على أساس المسجلين في اللوائح الانتخابية على نتائج الانتخابات المقبلة، يتمثل في استبعاد هيمنة حزب أو حزبين على المشهد السياسي، وتقليص حظوظ الفوز بمقعدين في نفس الدائرة، كما سيقلص الفارق في عدد المقاعد بين الأحزاب. وهذا يجعلنا نتوقع تشكيل حكومة على الأقل من ثلاثة إلى خمسة أحزاب . تحديات الحكومة المقبلة إن الانتخابات هي فرصة لتجديد النخب السياسية في المؤسسات التمثيلية مثل البرلمان والمجالس الجماعية والجهوية، وتمثل رهانا حقيقيا يواكب الأوراش الكبرى التي أطلقها المغرب ومن أهمها : - تنزيل النموذج التنموي الجديد، الذي أعدته لجنة استشارية ملكية بعد مشاورات واسعة مع الفاعلين السياسيين والمدنيين والخبراء. - تعزيز مقومات الديمقراطية المحلية من خلال تعزيز صرح الجهوية المتقدمة ، التي تكتسي أهمية خاصة، على اعتبار أنها ستفتح مرحلة جديدة في تدبير الشأن المحلي و التنزيل الفعلي و الحقيقي للامركزية الإدارية، لاسيما بعد تقديم التقرير العام للنموذج التنموي الجديد، الذي يشدد على دور الجهات والمجالس الترابية في تنزيل النموذج التنموي المنشود. - تدابير لمواجهة تداعيات جائحة كورونا ، خاصة ما يتعلق بهشاشة النظام الصحي الوطني، وبروز الحجم الكبير الذي يمثله القطاع غير المهيكل ، وحدة تفاقم الفوارق الاجتماعية والمجالية في قطاعات استراتيجية وحيوية من قبيل التعليم والصحة، مما يقتضي وضع خطة جديدة للإقلاع الاقتصادي وإدماج الاقتصاد غير المهيكل في الاقتصاد الوطني وتقليص الفوارق الاجتماعية و المجالية و إصلاح المنظومة الصحية والرفع من قدرات نظام التعليم الرقمي، بالنظر لتأثيرات جائحة كورونا الكبيرة على البلاد. - تعميم الحماية الاجتماعية الضرورية لكل المواطنين في إطار تنزيل القانون الإطار المتعلق بالحماية الاجتماعية، مما سيكون له من آثار في تحسين ظروف عيش المواطنين، وصيانة كرامة المواطن المغربي، وحماية الفئات الهشة، وتحقيق العدالة الاجتماعية. * أستاذ بكلية الحقوق بالرباط وبالمعهد العالي للإعلام والاتصال