النيابة العامة في الميثاق تختلف عن تلك التابعة لوزير العدل لماذا وضعت لفظة « الخطاب » بين مزدوجتين، لأن هذا ضرب من المناقشة أو إن شئت قل، الاستهداف الذي يتحاشى الميثاق ويوجه سهامه نحو الوزارة التي كانت تتبناه، لا تتوفر فيه مقومات الخطاب بالمعنى الاصطلاحي المعروف للكلمة، بما هو صياغة منهجية تروم التعبير عن تصور واضح بموضوعية وحياد بطريقة علمية أكاديمية تتسم بالموضوعية والحياد وعدم الانحياز إلى جهة دون أخرى أو الاصطفاف المقصود والمغرض لرأي دون آخر. ولو صح أن حضور النيابة العامة لجلسات المناقشة أو حتى لجلسات المداولة، كما يجري به العمل لدى محاكم النقض، ينطوي على مساس بالاستقلال وبقواعد المحاكمة العادلة، لكنا سمعنا ذلك بالنسبة إلى حضورها أمام المحاكم في الجلسات الجنحية والجنائية أو حتى لبعض الجلسات المدنية. وما نعلم أن أحدا اعتبر غياب النيابة عن هذا النوع من المحاكمات قاعدة ثابتة من قواعد المحاكمة العادلة. ثم ينبغي ألا يغيب عن ذهننا بالمناسبة، أن النيابة العامة التي يتحدث عنها الميثاق ليست هي تلك النيابة العامة التي كانت تابعة لوزير العدل، وإنما النيابة العامة التي ستصير تابعة للسيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض. ولا يمكن أن يعترض على حضور النيابة العامة للجلسات التأديبية التي تكون منعقدة للبت في المخالفات المهنية المنسوبة للمحامين، بأن هذه النيابة العامة لا تحضر لجلسات التأديب المتعلقة بالموظفين، فإن هذا الاعتراض مردود على أصحابه باختلاف المسطرة التأديبية المتعلقة بالمحامين التي يختلط فيها الطابع العادي ( = يتم النظر في الطعون ضد المقررات الصادرة فيها أمام غرفة المشورة لدى محاكم الاستئناف التابعة لها الهيأة وفق الإجراءات العادية للتقاضي) بالطابع الإداري ( تنظر في الطعون فيها بالنقض الغرفة الإدارية بمحكمة النقض على أنها طعون ذات طابع إداري وتقبل إيقاف التنفيذ خلافا للطعون بالنقض العادية ) عن المتابعة التأديبية للموظفين التي تنظر في الطعون في المقررات الصادرة فيها بسبب الشطط المحاكم الإدارية التي لا تكتمل تشكلتها وتصح إلا بحضور مفوض ملكي بها . وهو بمثابة النيابة العامة لديها. - إن أصحاب هذا « الخطاب « في غمرة انشغالهم بالميثاق و» مهندسه « يوجهون إليه سهامهم، وتباكيهم عن الوضعية المزرية للمحامين وعن المكتسبات التي ستضيع منهم، فاتهم أن الذي ضيع هذه المكتسبات عليهم هو من رفض استفادتهم من مبالغ المساعدة القضائية التي كانت الدولة سترصدها لهم ومقدارها خمسة ملايير من السنتيمات سنويا حدا أقصى قابل للمراجعة وللبرمجة في ميزانية السنة المقبلة، إما في شكل فائض عند وجود فائض أو في شكل تعويض عن العجز إذا كان هنالك عجز، كما تقضي بذلك قواعد المحاسبة العمومية وقوانين المالية العامة. كما فاتهم كذلك الانتباه والتفطن إلى نصوص تمرر الآن دون علمهم، ستحد من « مكتسباتهم «، كما هو الشأن مثلا بالنسبة إلى قانون الوكلاء العموميين المنبعث من مرقده وسباته منذ سنة 1949 الذي سيعطي الحق للكتاب العموميين في تحرير العقود المتعلقة ببعض العقارات، وكما هو شأن قانون المحاسبين الذي سيكرس لهم الحق في تقديم الاستشارات القانونية، وآخر وليس أخيرا التعديل المراد إجراؤه على القانون المتعلق بقضاء القرب الذي سيرفع اختصاصه القيمي إلى عشرة آلاف درهم بدلا من خمسة آلاف درهم . وسيحرم المحامون من الحق في احتكار المهنة أمام هذا النوع من القضاء، الذي لا يستوجب تنصيب محام في القضايا التي ينظر فيها وهي كثيرة. وسيكون المستفيد الوحيد من هذا التعديل، لمن لا يعلم، هو بعض الفاعلين في مجال الاتصالات والوكالات المستقلة لتوزيع الماء والكهرباء والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب وغيرهم. هؤلاء الفاعلون الذين يسعون إلى الحصول على مكتسبات بالفعل لا بالقول وتوجيه الانتقاد للميثاق. – وأخيرا أريد أن أختم هذه الورقة بأني نقيب سابق لهيأة المحامين بالجديدة، لا يمكنني أن أتعامى عن الحق فلا أجهر به، وأتغافل عن الواجب تجاه مهنتي فلا أقوم به، أو على الأقل أن أنصح به، كما كنت أفعل دائما عندما كنت عضوا لعدة فترات بمكتب جمعية هيآت المحامين، وكما يعرف عني ذلك رؤساء الجمعية السابقين ونقباء الهيآت. خاصة أن الجميع يعرف عني صراحتي وجرأتي في قول الحق وفي الصدح به، كما شهدت لي بذلك الاتصالات الكثيرة عبر الهاتف أو عبر الكتابة التي جاءت تعبر عن موافقتها على وجهات نظري، كما يعرفون عني أني أكتب هذه النصائح لا أطمع منها إلى إظهار «الرجلة »، أو إلى السعي لتبوء منصب في الجمعية أو شغل منصب نقيب أو مهمة عضو بإحدى الهيآت، ولا أبدأ، وما ينبغي لي، أية حملة انتخابية منذ الآن، سيما أن موعد الانتخابات المهنية ليس ببعيد كما يعلم الجميع. وبعد، فهذه رسالة أخرى رأيت أن أوجهها إلى زملائي الفضلاء. أملاها علي واجب النصح والإرشاد إلى ما جعلني اجتهادي اعتقد أنه الصواب. فإن أصبت فلي أجران وإن أخطأت فلي أجر المجتهد غير المصيب. والله ولي القصد وهو حسبي ونعم الوكيل . بقلم: محمد فجار, نقيب سابق لهيأة المحامين بالجديدة