غير علمي ويستهدف أشخاصا بذواتهم ويتناولهم بالغمز واللمز لماذا وضعت لفظة « الخطاب « بين مزدوجتين، لأن هذا ضرب من المناقشة أو إن شئت قل، الاستهداف الذي يتحاشى الميثاق ويوجه سهامه نحو الوزارة التي كانت تتبناه، لا تتوفر فيه مقومات الخطاب بالمعنى الاصطلاحي المعروف للكلمة، بما هو صياغة منهجية تروم التعبير عن تصور واضح بموضوعية وحياد بطريقة علمية أكاديمية تتسم بالموضوعية والحياد وعدم الانحياز إلى جهة دون أخرى أو الاصطفاف المقصود والمغرض لرأي دون آخر. ولماذا وصفت هذا « الخطاب « على علاته، بأنه بئيس ، لأن البراهين والآيات على ذلك كثيرة ومتعددة . منها : أ - أنه « خطاب « يفتقد الجرأة في التناول ولا يتصف بالمجادلة بالحسنى. ويتجلى ذلك من أنه قد مضى على تاريخ تلاوة توصيات ومضامين هذا الميثاق وطبعه وتوزيعه أزيد من شهر، دون أن يحظى من الرأي المعارض لهذا الميثاق أو لبعض مضامينه بأي مناقشة جدية لا عن طريق ندوات يعقدها لهذا الغرض، ولا عن طريق الوسائل السمعية والبصرية، ولا حتى عبر الصحافة المكتوبة بنوعيها التقليدي والإلكتروني. وكل ما تيسر لنا الاطلاع عليه من هذا الرأي قليل، لا يجاوز بضع مقالات لا تكاد تصل إلى عدد أصابع اليد الواحدة.ب – أنه لا يمتلك الأدوات الإجرائية والمنطقية التي يجب أن يتسلح بها كل من تكون له الرغبة في الدخول إلى «معمعان» المجادلة والمناقشة بالدليل والبرهان. كما أنه تخونه وسائل التعبير وإيصال رأيه بوضوح وبيان إلى القارئ أو المستمع بهدف إقناعه به. ولذلك جاءت بعض، بل أغلب مفرداته، غامضة وملتبسة وقلقة في مكانها . يظهر من قراءتها لأول وهلة اللأي والعنت الشديدين اللذين يلاقيهما صاحب هذا الرأي المعارض، ليس في البحث عن المقاصد والمعاني، ولكن عن الألفاظ والمباني . وأي نوع من الألفاظ ، تلك الألفاظ الرنانة الطنانة التي قد تعني كل شيء ولا تعني أي شيء. ج – أنه خطاب غير علمي يتجاوز الموضوع المطروح للمناقشة إلى استهداف أشخاص معينين بذواتهم، يتناولهم بالغمز واللمز تارة وبالتلميح تارة أخرى. وآفة المناقشة الموضوعية تجردها من إطارها العلمي الأكاديمي وشخصنتها بتحويلها إلى منازعات أو مناوشات شخصية . د – أنه « خطاب « دوغمائي ، وثوقي ، يتوهم أنه وحده المالك للحقيقة، وأن الكل معه، وأن غيره من الآراء المخالفة والمعارضة له مجرد آراء نشاز، شاذة عن الإجماع، تحركها العصبية القبلية أو النزعات العشائرية والنعرات السياسية أو غيرها من الأسباب الذاتية الأخرى التي يهيأ له أنها كامنة وراء الرأي المعارض . هـ – أنه « خطاب « ذو نزعة تميل إلى شخصنة الاختلافات . ذلك بأنه بسبب عراء هذا « الخطاب « وتجرده من صبغته العلمية الأكاديمية ، ترى أصحابه منذ البدء يتجنبون الخوض في مضامين الميثاق. سواء منها تلك المتعلقة بتشخيص علل المنظومة القضائية، أو تلك المتصلة منها بوسائل العلاج المقترحة التي جاء بها هذا الميثاق. ويعزفون عن تناولها بالدراسة والتحليل قصد إبراز ما قد يظهر لهم فيها من مواطن ضعف أو قصور، وإظهار ما قد يبين لهم فيها من أمارات قوة. وعوضا عن ذلك يختارون ركوب السبيل السهل .. سبيل إعطاء مناقشاتهم صبغة شخصية ذاتية تتناول من يختلف عنهم في الرأي بنعته بالانحياز لابن عشيرته بداعي العصبية أو الانتماء الحزبي أو نحوهما. ولو أنهم استعملوا العقل والروية لتبينت لهم حقيقتان :- أولاهما، أن العصبية القبلية والنزعة الوطنية وغيرهما من أنواع الحمية الأخرى، ما كانتا في أي وقت من الأوقات نعوتا قدحية فيمن يتحلى بهما. لا ، بل العكس من ذلك ، فإنهما لا تخرجان عن نطاق الفضائل والمزايا إلا إذا استعملتا في نصرة الأخ ظالما أو مظلوما . أما إذا استخدمتا في نصرة هذا الأخ عن حق وضد ظلم قد يمارس عليه، فإنها ترقى في هذه الحالة إلى درجة الواجبات، وتنأى بصاحبها عن رذيلة الخذلان . أرأيت لو أن أحدا حاول الاستفراد بقريب من ذوي العترة وبني العشيرة ليعتدي عليه بدون وجه حق . أكنت ستتقاعس عن نصرته والذوذ عنه ومنع الاعتداء عليه لمجرد أنه من ذوي القربى ؟ ثم أرأيت أن وطنك تعرض لعدوان غاشم من الخارج، أكنت تهب على الفور لنصرته والذود عن حياضه بداعي الوطنية . أم أنك كنت ستستنكف عن ذلك حتى لا تتهم بالانحياز إلى بني جلدتك فتتهم عندئذ بالخيانة العظمى ؟ - وثانيتهما، أن هذا الرأي المخالف الذي أعتنقه منحاز حقيقة وفعلا. ولكن ليس لسلطة زمنية معينة، بسبب من عصبية قبلية أو من نعرة عشائرية، كما يدعون ويزعمون، وإنما هو منحاز إلى سلطة أسمى وأرقى درجة، هي سلطة الحق والبرهان وليست سلطان العاطفة والوجدان . ولأنه خطاب « مغرق في الشخصنة والذاتية تراه ، كما نوهت إلى ذلك أعلاه يتجنب الخوض في مضامين الميثاق، ويوجه انتقاداته لشخص وزير العدل وحده، ربما لمجرد أنهم يختلفون معه في الرأي السياسي، بل وذهب بهم ذلك إلى حد أن نعتوه بأنه « مهندس « الميثاق. بقلم: محمد فجار, نقيب سابق لهيأة المحامين بالجديدة