جمهورية إفريقيا الوسطى بأمس الحاجة إلى دعم المجتمع الدولي ودعم فرنسا والمغرب مرّت جمهورية إفريقيا الوسطى بأوضاع حرجة للغاية في ما مضى، ولكنها لم تعش أزمة بهذا القدر من المأساوية مثل الأزمة التي تمر بها في الوقت الراهن. فهناك شعب كامل مهدد بالخطر اليوم، يقع ضحية لمختلف أعمال السلب والترهيب وانتهاك حقوق الإنسان ومنها: حرق القرى، وتنفيذ عمليات الإعدام بإجراءات موجزة، وارتكاب عمليات الاغتصاب أو الزواج القسري، وتجنيد الأطفال في المجموعات المسلحة. إن الوضع الإنساني في إفريقيا الوسطى غير مقبول، فقد اضطر أكثر من 65 ألف شخص إلى الفرار من البلد، وواحد من كل عشرة من السكان مرغم على العيش بعيدا عن منزله، ويهدد تأثير الأزمة في القطاع الزراعي بوقوع أزمة غذائية خطرة، والنظام الصحي بات شبه مدمّر. وأصبحت جميع أنحاء الجمهورية، باستثناء العاصمة بانغي، تعاني تحت وطأة الممارسات التعسفية التي ترتكبها العصابات المسلحة. وأخيرا، أصبح يخيّم على البلاد، وهذه أول مرة في تاريخها، خطر الانزلاق إلى الصراعات الجماعية والطائفية الذي يجب التصدي له بصورة ملّحة، سيما في بلد مثل جمهورية إفريقيا الوسطى، الذي درج على الوئام بين الديانات.ويمثل الوضع في جمهورية إفريقيا الوسطى تهديدا للسلام والأمن الإقليميين في الأجل القصير، فالبلد مهدد بأن يصبح منطقة رمادية يغيب عنها حضور الدولة الفعلي، ما من ِشأنه أن يجتذب شتى أنواع المجموعات الخطيرة من البلدان المجاورة، وحتى من مالي أو من منطقة الساحل. فجمهورية إفريقيا الوسطى هي حلقة، ولا شك الحلقة الأضعف، في محور ينطلق من نواكشوط، ويمتد حتى مقديشو، ومن شأن زعزعة الاستقرار بصورة دائمة فيها أن يترتب عنه تداعيات مأساوية على منطقتين من أكثر المناطق هشاشة في القارة الإفريقية، هما منطقة البحيرات الكبرى ومنطقة السودان وجنوب السودان على تخوم منطقة دارفور.لا يجوز لنا أن نتجاهل أزمة جمهورية إفريقيا الوسطى، هذا البلد الذي طالما أهمله المجتمع الدولي. لقد وضعت فرنسا التعبئة الدولية في هذا الملف على سلّم أولويات نشاطها الدبلوماسي، منذ عدة أشهر، لأننا لا نستطيع الادعّاء بأننا نولي قارة المستقبل التي هي إفريقيا، اهتماما ما لم نسعَ إلى حل أزمة واسعة النطاق إلى هذا الحد. فقد كرّس رئيس الجمهورية فرانسوا هولاند الجزء الأساسي من خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة للوضع في جمهورية إفريقيا الوسطى. وقام وزير الشؤون الخارجية لوران فابيوس بزيارة إلى إفريقيا الوسطى في 13 أكتوبر برفقة مفوضة الاتحاد الأوربي المكلفة بالشؤون الإنسانية. واضطلعت فرنسا بدور محرك في اعتماد مجلس الأمن القرار 2121 بالإجماع في 10 أكتوبر، الذي يمثل الركيزة الأساسية الأولى في تعبئة المجتمع الدولي من أجل حل هذه الأزمة.إن هدفنا هو قرع ناقوس الخطر بشأن هذا الصراع الذي ينطوي على عواقب وخيمة، وأن ندفع جميع الجهات الفاعلة المختصة في المجتمع الدولي إلى تقديم المساندة الضرورية للأفارقة لإدارة هذه الأزمة. إذ يعود للأفارقة في المقام الأول تولي إدارة هذه الأزمة، مع الدعم السياسي والمادي للمجتمع الدولي، وبالتنسيق مع الأمم المتحدة. وما ترغب فيه فرنسا هو أن تكون ميسرا دوليا، إذ من غير الوارد في الحسبان لبلدنا أن يتدخل في جمهورية أفريقيا الوسطى، كما فعلنا في مالي، حيث كان نشاطنا مدفوعا بحالة الطوارئ وبانعدام أي حل بديل مستدام.يمر إرساء الاستقرار في جمهورية إفريقيا الوسطى عبر عمل منظّم يتمحور حول ثلاثة محاور وهي:1) بادئ بدء، استعادة الأمن على كامل التراب، مما يمثل الأولوية الأولى، وقد اتخذ الاتحاد الإفريقي قرارا في 19 يوليوز بنشر قوة إفريقية في جمهورية إفريقيا الوسطى، وهي بعثة الدعم الدولية بقيادة إفريقية في جمهورية إفريقيا الوسطى (MISCA)، التي يبلغ عددها 2002 رجل في يومنا هذا. وقد بدأت هذه البعثة بإحداث تغيير في الميدان، سيما في بانغي. ومن شأن إرسال قوات تعزيز لبعثة الدعم، لبلوغ الهدف المحدد والمتمثل في 3500 رجل، أن يتيح لبعثة الدعم إحراز تقدم في تنفيذ ولايتها، من خلال الخروج من بانغي وتأمين سائر أنحاء البلاد. بيد أن هذا يمر عبر تعزيز الدعم الدولي لهذه القوة الإفريقية، على الصعيدين المادي والمالي على حد سواء. وفي هذا الصدد، طلب مجلس الأمن في القرار 2121 إلى الأمين العام للأمم المتحدة تقديم تقرير قبل منتصف نونبر عن الخيارات المحتملة التي تصب في هذا الاتجاه. ويمثل هذا القرار خطوة فاصلة من أجل تعزيز وجود الأمم المتحدة ودعمها في إدارة هذه الأزمة.2) ثم تنفيذ عملية انتقال سياسي، التي يتعيّن عليها أن تسفر عن انتخابات حرة ونزيهة في فبراير 2015، وفقا لخارطة الطريق التي اعتُمدت منذ بضعة أشهر إبّان مؤتمر القمة في إنجمينا. وتمثل هذه العملية شرطا لا بد منه من أجل تسوية الأزمة تسوية دائمة.3) وأخيرا، تقديم المساعدة الإنسانية المكثفة والفورية من أجل وضع حد لمعاناة السكّان في إفريقيا الوسطى، فقد أعلنت فرنسا فعلا منح عشرة ملايين أورو لتنفيذ مشروعات إنسانية، سيكون لها تأثير مباشر على السكان، في مجالي الصحة والأغذية، وعلى الصعيد الاقتصادي أيضا. وستبلغ المساعدة الإنسانية التي يقدمها الاتحاد الأوربي إلى جمهورية إفريقيا الوسطى عشرين مليون أورو في عام 2013، وضاعف الاتحاد الأوربي عدد موظفيه المسؤولين عن تنفيذ المساعدة الإنسانية في حالات الطوارئ في الموقع.ويضطلع المغرب بدوره الكامل في المساعي الجارية من أجل حل هذه الأزمة، بصفته عضوا في مجلس الأمن وجهة فاعلة دبلوماسية بالغة الأهمية في القارة الأفريقية. وأود أن أتقدم بالشكر إلى السلطات المغربية للدعم الذي قدّمته في أثناء عملية التصويت على القرار 2121، إذ يضطلع بلدانا بدور حاسم من أجل أن نشرح معا لشركائنا الأفارقة القصد من نشاط مجلس الأمن في إفريقيا الوسطى، ومن أجل إقناع الجهات الفاعلة المختصة في المجتمع الدولي بالانخراط فورا في هذا الشأن. لم نفعل شيئا بعد لإنقاذ السكان في إفريقيا الوسطى من خطر الفوضى المحيق بهم، وإن جمهورية إفريقيا الوسطى بأمس الحاجة، وأكثر من أي وقت مضى إلى دعم المجتمع الدولي، ودعم فرنسا والمغرب. بقلم: شارل فريس, سفير فرنسا في المغرب