حذر وتحفظ الاجتهاد القضائي حول وقف تنفيذ قرارات مجلس المنافسة يرتبط قبول طلبات إيقاف التنفيذ، بحرص القضاء على احترام الشرعية وحقوق المتضررين، التي قد تتضرر ضررا فادحا لو لم يتم قبول هذا الإجراء الاستثنائي، فهو ضمانة إجرائية تحمي الحقوق والمصالح الاقتصادية والمالية، وقد اعتبره المجلس الدستوري الفرنسي ضمانة ضرورية لحقوق الدفاع. جاء في حكم للمحكمة الإدارية بالرباط صادر بتاريخ 21-11- 2008، «حيث يهدف الطلب إلى الحكم بإيقاف تنفيذ القرار الصادر عن المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري بتاريخ 19-11-2008 القاضي بأمر الطاعنة بالبت الفوري بالصوت والصورة للبيان في بداية النشرتين الإخبارتين المسائيتين باللغتين العربية والفرنسية.وحيث تواتر الاجتهاد القضائي على تعليق الاستجابة إلى طلبات إيقاف التنفيذ على توفر عنصرين هما الجدية في القرار والاستعجال الذي ينطوي عليه الطلب.وحيث إنه في ما يخص عنصر الجدية، فإن قيامه يقتضي أن تكون الوسائل المثارة في دعوى الإلغاء على قدر من الجدية، قد تؤول حسب قراءتها الظاهرية إلى إلغاء القرار أو جعل مشروعيته محل شك جدي.وحيث بالرجوع إلى أوراق الملف، سيما القرار المطلوب إيقاف تنفيذه، يتبين أنه قام على أن الطاعنة تأخرت في تنفيذ القرار نفسه المطلوب إيقافه، ولم تطبقه تطبيقا سليما.وحيث علاوة على توافر عنصر الاستعجال فإن إقرار الجهة المصدرة للقرار بسبقية تنفيذه من قبل الطاعنة، إلا أن تنفيذه كان متأخرا ومعيبا يجعل عنصر الجدية في طلب الإيقاف متوافرا، إلى حين البت في دعوى الموضوع، للتأكد من مد انطواء تنفيذ القرار المذكور على أي عيب مما يتعين معه إيقاف تنفيذ القرار». وبعد صدور القانون القاضي بنقل الاختصاص في نظر الطعون المرفوعة ضد مجلس المنافسة لمحكمة الاستئناف بباريس، اعتبر المجلس الدستوري، أن عدم منح محكمة الاستئناف بباريس اختصاص الحكم بوقف التنفيذ، بالنسبة للقرار المتنازع حوله، هو أمر يتعارض مع الدستور، وقد جاء فيه «بالنظر إلى الطبيعة غير القضائية لمجلس المنافسة، وإلى مدى خطورة الجزاءات المالية التي يمكن أن يحكم بها، فإن حق المتقاضي الذي يتقدم بدعوى ضد قرارات هذا الجهاز في طلب الحصول على إرجاء تنفيذ القرار المطعون فيه، يمثل ضمانة أساسية بالنسبة لحقوق الدفاع، لأن المجلس الدستوري عاين أن ضمانة إيقاف التنفيذ التي كان يتمتع بها المتقاضون أمام مجلس الدولة، أصبحت مهددة بتحويل الاختصاص لمحكمة الاستئناف بباريس، وهو ما يشكل مخالفة دستورية لمبدأ المساواة وضمانات التقاضي المنصوص عليها في الدستور الفرنسي.وقد جعل هذا الموقف القضائي من التدخل التشريعي ضرورة حتمية فبادر المشرع الفرنسي إلى إعادة النظر في قانون المنافسة الصادر في 06 يوليوز 1987، لذلك أصبح الاختصاص ينعقد للرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بباريس بمنح الأمر بوقف أو إرجاء تنفيذ المقرر المطعون فيه، في الحالة التي يكون فيها من شأن الجزاء الإداري، أن يتسبب في نتائج ضارة، لا يمكن تداركها، أو في الحالة التي تظهر فيها وقائع جديدة ذات خطورة استثنائية .فالطعن ضد قرارات مجلس المنافسة كقاعدة عامة، ليس له أثر موقف للتنفيذ، لكن يمكن للمتضرر تقديم طلب وقف التنفيذ إلى الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بباريس. والملاحظ من خلال استقراء موقف الاجتهاد القضائي الإداري المغربي والمقارن، أن هناك نوعا من الحذر والتحفظ في إقرار وقف التنفيذ، وهو أمر منطقي للغاية، «لأن التساهل في تقرير هذا الإجراء، قد يشكل تهديدا لفعالية قرارات مجلس المنافسة، كما أنه لا يتم اللجوء إليه إلا لماما «.وهكذا جاء في أمر قاضي المستعجلات بإدارية وجدة « لكن حيث إن مقتضيات المادة 24 من قانون 24.90 تعطي للمحكمة الإدارية قضاء موضوعا بواسطة هيأة قضاء الإلغاء، للأمر بصورة استثنائية بوقف تنفيذ القرار الإداري لحالة الاستعجال وجدية السبب، مما يبقى معه الطلب الرامي إلى إيقاف تنفيذ القرار الإداري المذكور المقدم إلى رئيس المحكمة الإدارية بوصفه قاضيا للمستعجلات مرفوعا إلى جهة قضائية مختصة».ويكون الحكم القاضي بإيقاف تنفيذ القرار الإداري قابلا للتنفيذ، بمجرد صدوره بقوة القانون، استنادا للمادة 13 من قانون المسطرة المدنية، وهو لا يقيد قاضي الموضوع عند الفصل في دعوى الإلغاء، بمعنى أنه لا يترتب عنه وبالضرورة إلغاء القرار الإداري المحكوم بوقف تنفيذه.لكن هل تشمل مسطرة إيقاف تنفيذ قرارات الهيآت الناظمة، بالإضافة إلى القرارات الإيجابية حتى القرارات السلبية ؟.لقد استقر مجلس الدولة الفرنسي على عدم جواز إيقاف تنفيذ القرارات الإدارية السلبية على اعتبار «أن القاضي الإداري غير مؤهل ليرسل أوامر للإدارة، ومن ثم لا تستطيع المحاكم الإدارية وكذلك مجلس الدولة كمبدأ عام، أن يأمر بوقف تنفيذ قرار إداري إلا إذا كان قرارا تنفيذيا «. وأن مجلس الدولة الفرنسي خلص من خلال هذا القرار إلى بعض المبادئ التي يمكن إجمالها في ما يلي:أولا: من حيث المبدأ، فإن القاضي الإداري لا يستطيع أن يأمر بوقف تنفيذ القرارات الإدارية، إلا إذا تعلق الأمر بقرار تنفيذي décision exécutoire وذلك تبعا لعدم استطاعته توجيه أوامر للإدارة. ثانيا: لا يحكم بوقف تنفيذ قرار إداري بالرفض، إلا في حال ما إذا ترتب عن تنفيذ هذا القرار تعديل في المركز القانوني أو الواقعي السابق لإصدار وجوده، وأن تكون الوضعية المراد حمايتها شرعية. لكن القضاء المصري كان له موقف مخالف، إذ اعتبر أن جميع القرارات الإدارية تقبل إيقاف التنفيذ، لا فرق بين القرارات الإيجابية والقرارات السلبية. وهكذا جاء في قرار للمحكمة الإدارية العليا صادر بتاريخ 15 يونيو 1985 « لما كان الامتناع يشكل قرارا سلبيا يصلح أن يكون محلا للطعن بالإلغاء، فإن الدعوى المقامة بطلب الحكم بوقف تنفيذ هذا القرار تكون مقبولة «. بقلم: الأستاذ محمد الهيني, مستشار بالمحكمة الإدارية بالرباط