الميثاق لم يوص بتكريس الاستقلال المالي والإداري للمجلس الوطني لهيآت المحامين كثر الحديث عن ميثاق إصلاح منظومة العدالة وحظ مهنة المحاماة منه، وتباينت آراء أهل الشأن حول الموضوع، وباستثناء مهندس الميثاق ونقيب سابق بهيأة المحامين بالجديدة وبعض المنتمين إلى حزب "المصباح"، فإن الكل أجمع على أن الميثاق وما تضمنه من توصيات لم تقدم للمهنة إلا الفتات مقابل سيل من التراجعات. إن هذه التوصية تمس استقلال المهنة في الصميم، وتشكل تجرؤا غير مسبوق على مهنة المحاماة، وهو ما لم يخطر بخلد أحد إلى أن جاء ابن الدار، واحسرتاه !!! وأخشى أن تكون التوصية ردة فعل، لأن مذكرة جمعية هيآت المحامين بالمغرب المقدمة في إطار الحوار من أجل إصلاح منظمة العدالة، تضمنت من بين مضامينها مطلبا ملحا بتعزيز استقلال المهنة وضبط حدود علاقتها بالنيابة العامة، فكان الجواب على المطلب المذكور بإزالة كل الحدود مع النيابة العامة وإعطائها الضوء الأخضر لاكتساح استقلال المهنة وثوابتها ومؤسساتها.الميثاق أوصى بوضع قانون تنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وبتكريس الاستقلال المالي والإداري للمجلس المذكور، وتخصيص ميزانية سنوية له، يتم رصدها من الميزانية العامة للدولة، وتخصيص مقر ملائم للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بالرباط، وتجهيز المقر بمختلف الوسائل الضرورية، والنهوض بالوضعية المادية للقضاة، وإضافة درجات جديدة للترقي وتحديد تعويض مناسب عن تولي مناصب المسؤولية القضائية، وتقدم مختلف السلطات المساعدة اللازمة إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية للنهوض بمهامه في أحسن الظروف وتحسيس كل القطاعات المعنية بالموضوع، واستشارة المجلس الأعلى للسلطة القضائية، بشأن مشاريع القوانين المتعلقة بمنظومة العدالة، مع سن مقتضيات بذلك بالقانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، في حين تم التنصيص على إحداث مجلس وطني لهيآت المحامين من ضمن مهامه وضع التصورات العامة للتكوين الأساسي والمستمر ووضع نظام داخلي موحد لهيآت المحامين ومدونة سلوك المهنة، وكعادته لم يوص الميثاق بتكريس الاستقلال المالي والإداري لهذا المجلس، أو تخصيص ميزانية سنوية له يتم رصدها من الميزانية العامة للدولة، ولا تخصيص مقر ملائم للمجلس الوطني لهيآت المحامين، وتجهيزه بمختلف الوسائل الضرورية، واستشارته بشأن مشاريع القوانين المتعلقة بمنظومة العدالة، لأن المحاميات والمحامين ومجالسهم لا شأن لهم بمنظومة العدالة كما توحي بذلك توصيات ميثاقهم.ومن ضمن التوصيات مراجعة طريقة ومدة انتخاب النقيب وأعضاء مجلس هيأة المحامين بما يحقق المناصفة والتمثيلية للفئات العمرية والأقدمية في المهنة وحصر مدة انتخاب النقيب في ولاية وحيدة غير قابلة للتجديد، وهي توصية مسمومة لا تستجيب إلا في شقها الأخير لانتظارات المحاميات والمحامين الشباب، في حين أن تمثيلية للفئات العمرية والأقدمية في المهنة، هي طريقة غير ديمقراطية خاصة وأن المؤتمرات والمؤتمرين في المؤتمر 28 لجمعية هيآت المحامين بالمغرب أوصوا بإلغاء الفئوية في تمثيلية المجالس المهنية، كما يتعين إلغاء عضوية النقيب المنتهية ولايته بقوة القانون ضمن المجلس الجديد، ذلك أن فرض نقباء سابقين كأعضاء للمجالس، هو اتجاه بعيد كل البعد عن اللعبة الديمقراطية وبإمكانه أن يفقد الثقة في حقوقيين من المفروض أن يكونوا في طليعة المدافعين عن الديمقراطية، لا أن يسعوا لتكريس سياسة البقاء والخلود بالمجالس ويغلفونها بالقانون، كما أنه من غير المقبول حقوقيا التفريق بين أعضاء مجلس الهيأة الواحد، بحيث نجد فئة لا يمكن إعادة انتخابها متى استمرت عضويتها مدتين متتاليتين، وفئة أخرى لا تخضع لهذا القيد ويمكن إعادة انتخابها، على الدوام رغم أن الفئتين معا يتم انتخابهما، ومن قبل الهيأة الناخبة نفسها.إن الممارسة الحقوقية والديمقراطية تقتضي أن يحتكم النقيب المنتهية ولايته لصناديق الاقتراع لمعرفة رأي الناخبين فيه، وعدم مصادرة هذا الرأي بنص تشريعي يعطيه الحق في البقاء ضمن تركيبة المجلس المراد انتخابه، كما يتعين وضع حد لنظام الفئوية الذي ابتدعه مشرع القانون رقم 08.28، لأن المترشح محام وترشيحه للدفاع عن مهنة المحاماة وممارسة الاختصاصات الممنوحة في إطار القانون المنظم لها وليس تمثيل الفئة العمرية التي ينتمي إليها، لأن الانتماء للمهنة وللبذلة السوداء أسمى من الاعتبارات المتعلقة بالسن أو اللون أو الجغرافيا أو الجنس...، وبالتالي يتعين احترام إرادة المحامين وعدم المساس باختياراتهم بواسطة التشريع وإقرار نصوص تراعي هذا الحق وتصونه وتخضع الجميع لإرادة الناخبين وبالشروط نفسها.أما عن التوصية بإعطاء الجمعية العمومية لهيأة المحامين صلاحية المراقبة والمحاسبة المهنية تجاه مجلس الهيأة، فيتعين تعزيزها بتوسيع الصلاحيات المذكورة وجعلها تجاه النقيب ومجلس الهيأة، وليس هذا الأخير بمفرده لما لمؤسسة النقيب من صلاحيات كبيرة، تستدعي أن تكون موضوع مراقبة ومحاسبة مهنية كذلك.أما مطالب المحاميات والمحامين بتعويض المحامين تعويضا لائقا ومشرفا عن المساعدة القضائية والمساعدة القانونية وغيرها من الخدمات التي يسدونها للمواطنين، في سبيل تسهيل ولوجهم للعدالة وتقديم حوافز للمحامين الشباب على مستوى التمويل وعلى المستوى الضريبي وإقرار نظام ضريبي يراعي خصوصيات المهنة، وتقديم الدعم للهيآت فيما يتعلق بأنظمة التقاعد والتغطية الصحية خلقا للإطمئنان لدى المحامي، وتعزيز وتقوية حقوق الدفاع وإعفاء المحامين الشباب من الضرائب لمدة خمس سنوات من فتح المكتب، والتصدي لمكاتب الاستشارة وشركات التحصيل ذودا عن احتكار المهنة فتلكم ربما أمور ليست من اختصاص صانع الميثاق، ولا يراها مدخلا للإصلاح، لذلك تحاشاها. بقلم: الأستاذ محمد صباري, هيأة المحامين بمراكش