تحدث لأول مرة عن "جنس الملائكة" ووصف سقوط سعد الدين العثماني من لائحة الوزراء بالمأتم مرة أخرى، يصر عبد الإله بنكيران على وضع صحافيين أمامه وهو ينتشي بتبرير إخفاقات حكومته. وكما كان الحال في المرة السابقة، فشل رئيس الحكومة، في «برنامج خاص» على القناة الثانية، في الجمع بين النقيضين، فلا هو وجه خطابا متماسكا ومنطقيا، يطمئن به المغاربة من خلال رسائل دقيقة وواضحة، ولا هو أقنع في الرد على أسئلة ضيوفه الصحافيين. كعادته، لجأ بنكيران، مساء أول أمس (الأحد)، إلى لعبة خلط الأوراق، في بحثه عن منفذ مباشر إلى عيون المواطنين وآذانهم، بعد أن تمكنت المعارضة من تطويق «حركاته» بالبرلمان، ويطمع أن يكون ذلك على شاكلة ما يقوم به نظراؤه في الديمقراطيات الراسخة وهم يقارعون الصحافيين حجة بحجة، لكن الوصفة أعطت منتوجا إعلاميا مشوها وممسوخا، لا يندرج ضمن أي من الأجناس الصحافية المعروفة، ليس له من الحوار إلا الديكور، ولا يمتلك جرأة توجيه العرض المفصل، وكأن رئيس الحكومة لا يمكنه الحديث دون أن يجلس أمامه من «يتبورد» عليه، على حد وصف المعارضة لما يقوم به في جلسات المساءلة الشهرية.كانت إدارة القناة على صواب عندما وضعت خرجة رئيس الحكومة خارج شبكة برامجها تحت تسمية «خاص»، وهو ما يفيد أن الأمر يتعلق بعمل تحت الطلب أراد من خلاله الضيف إطلاع المواطنين على ظروف تشكيل الحكومة الجديدة وتسليط الضوء على بعض القرارات الاجتماعية والاقتصادية لحكومته، بطريقته الخاصة، التي عبر عنها بالانفجار في وجه أحد مستجوبيه «ماشي شغلك يكون خطاب. هادا لقاء تواصلي، أنت قول اللي بغيتي وأنا نقول اللي بغيت والناس يحكمو، وأنت ما كتمثل والو».لا بد أن هناك سرا وراء حب بنكيران لهذه الطريقة في الحوار التي وصفها هو نفسه بـ «مناقشة جنس الملائكة»، ومعناها مناقشة أمور معقدة وتافهة، فهو يعلم أن خطابا رسميا سيشكل وثيقة رسمية من شأنها أن تستعمل ضده بعد ذلك، كما قد ينصحه معاونون بضرورة وجود من يؤطر كلامه حتى لا يسرقه الوقت، لكن الطبع غلب التطبع، وانتفض رئيس الحكومة في وجه «معد» البرنامج عندما أخبره بنهاية وقت الجلسة، معتبرا أن «الوقت هو نتواصلو مع المواطنين ونشرحوا ليهم... وإلا كان رئيس الحكومة ما يقدرش يتواصل مع المواطنين فهناك اختلال».واتسعت دائرة التناقض في «دردشة» رئيس الحكومة، على حد وصف المركزيات النقابية لكلامه في جولات الحوار الاجتماعي، إلى المضمون، إذ لم يكن صاحب المبادرة واضحا إلا في الفقرة، التي توضح أن جميع وزراء النسخة الثانية من حكومته جاؤوا باقتراح منه، وأن جلالة الملك لم يسبق له أن فرض عليه اسما معينا. كما أن المديح الذي خص به وزيره محمد الوفا، وحديثه عن منجزات خارقة للرجل في قطاع التربية الوطنية، لا يعكسه بتاتا ما جاء في الخطاب الملكي الأخير حول مشاكل التعليم ببلادنا. رسائل بنكيران الأخرى كان ينقصها الوضوح، فعوض أن يشرح سبب سقوط رئيس المجلس الوطني لحزبه، سعد الدين العثماني، من النسخة الثانية للحكومة وتجريده من حقيبة الخارجية، اكتفى رئيس الحكومة بالقول إن وزارة الخارجية ترتبط بعدد من القضايا الكبيرة ومنفتحة على العالم دون الخوض في تفاصيل الواقعة، التي اعترف بأنها كانت بطعم المأتم داخل العدالة والتنمية، خاصة عندما بدأ يصرخ متسائلا في وجه محاوريه "أهل الميت صبروا والعزاية كفروا".وزاد من تناقض "الخطاب" قول بنكيران إنه يتحاشى الرد على الأمين العام لحزب الاستقلال حميد شباط، غير أنه خصه بالحيز الأكبر من اللقاء "الخاص"، لينتهي رئيس الحكومة إلى الاستغراب من موقف حليفه السابق والاعتراف بأنه لا يعرف سبب قيامه بذلك ولمصلحة من.لقد ظل بنكيران يؤكد أن الملك هو رئيس الدولة ومرجعها، وأن دور رئيس الحكومة يقتصر على التسيير، لكن غابت عنه معلومة لا يجهلها طالب في السنة الأولى من الإجازة في الحقوق، مفادها أن توجيه الكلمة المباشرة إلى المواطنين من صلاحيات رؤساء الدول لا غير. ياسين قُطيب