الموسيقار عبد الوهاب قال عن صوته إنه "الأجمل منذ ألف سنة" منذ مساء الجمعة الماضي لم يعد بوسعنا سوى أن نصدق أن وديع الصافي الذي فتحت أجيال من أبناء الوطن العربي (وحتى خارجه) أعينها على أغانيه، قد رحل فعلا، وأن الثرى طوى فعلا جسده، وأن الصوت الندي والجبار قد توقف النبر فيه، رغم أن صاحبه أصر أن يمتعنا به حتى بعد أن بلغ من العمر عتيا وتجاوز عقده التاسع. لم يكن وديع الصافي مجرد صوت غنائي باذخ، بل كان رجلا مفعما طاقة إنسانية وروحية تجعل كل من يراه يحبه لخفة دمه، ولشقاوة الطفولة التي لازمته حتى وهو شيخ مسن يوزع القفشات هنا وهناك على خشبة الغناء، ويناجي مستمعيه تارة هامسا، وتارة أخرى بصوت هادر مفعم عذوبة لم تُفقده السنون بريقه. وديع الصافي الذي غادر دنيانا في سن الثانية والتسعين، وهب معظمها لخدمة الفن، يعد من آخر الأسماء الغنائية التي تحدرت إلينا من زمن عمالقة الطرب، الذين كان "أبو فادي" واحدا منهم وتربطه به أكثر من آصرة فنية وإنسانية، وكلهم كانوا يُكبِرونه ويجلّونه لأنهم يدركون قيمته الفنية، حتى إن الموسيقار محمد عبد الوهاب قال عنه "لو جمعت أصوات المطربين كلهم في صوت واحد لما ألّفت صوت وديع الصافي".وفعلا لم يبالغ موسيقار الأجيال في وصفه هذا، وهو الرجل الذي لم يكن يرسل الكلام على عواهنه، ويدرك أن كل شهادة منه في حق فنان تدخل التاريخ وتتداولها الأجيال. لذا فإن صوت وديع الصافي حرك روح موسيقار بحجم محمد عبد الوهاب حتى أطلق عبارته هاته، فكيف الأمر بالآخرين.ومسار الفنان وديع الصافي كان ممتدا تتخلله منعرجات كثيرة وتفاصيل عديدة عاشها اختلطت فيها المعاناة بلحظات الفرح والسعادة وجني ثمار المجد الفني والشهرة، إذ لم عاش ظروفا صعبة في بدايات حياته بعد أن اضطر لمغادرة مقاعد الدراسة مبكرا، ليساعد والده في إعالة إخوته، فتدرج في مهن عديدة منها اشتغاله في معمل للقرميد والزجاج، ثم في محل بيع اللوازم النسائية، وآخر لبيع الأحذية ثم الحلاقة، واضطر أيضا لإعطاء دروس في بعض المدارس.إلا أن ولع وديع بالطرب والغناء لم يبارحه منذ طفولته، خاصة أن والده وجده كانا يتمتعان بأصوات رائعة، لكن لا أحد منهما فكّر في احتراف الغناء، إلى أن راودت هذه الفكرة الفتى وديع الصافي الذي كان يحفظ كل ما تلتقطه أذنه من أنغام لتظهر مخايل النبوغ في الغناء عليه مبكرا، فكانت أول مناسبة يغني فيها وسنه لم يتجاوز بعد العاشرة في حفل صغير في بيت عائلة جنبلاط بمناسبة شفاء سيدة منهم تدعى "نظيرة جنبلاط" (والدة الزعيم اللبناني وليد جنبلاط) إذ أدى أغنية بعنوان "يا حمام الدوح" وكانت الأولى في مساره.وبعدها فكر وديع الصافي في احتراف الغناء، خاصة أن الطرب لم يكن يفارقه وهو يزاول مهنه الصغيرة الأخرى إذ كثيرا ما كان يصطحب معه عوده إلى مقر عمله الشيء الذي كان يجلب له بعض المتاعب، قبل أن يقرر التفرغ للغناء فبدأ يغنى أولا في مقهى صغيرة في بيروت، قبل أن ينتقل إلى ملهى ليلي صغير وكان يرافقه في العزف في تلك المرحلة الأخوين رحباني (عاصي يعزف على آلة البزق ومنصور على آلة الكمان).وسنة 1938 شارك وديع الصافي في مسابقة غنائية بالإذاعة احتل فيها المرتبة الأولى بين 45 متباريا، بعد أن غنى أغنية من ألحانه بعنوان "يا مرسل النغم الحنون".وسنة 1941 سافر إلى مدينة حلب السورية رفقة المطربتين لوردكاش ووداد وأحيا رفقتهما عدة سهرات فنية هناك. بعدها بأربع سنوات سافر إلى مصر، واشتغل مغنيا إلى جانب صباح ونور الهدى، كما شارك في فيلم "الخمسة جنيه".وسنة 1947 سافر إلى البرازيل، وهناك لحن وغنى "طلّ الصباح وتكتك العصفور" و"ما أحلى الصيفية" اللتين اشتهرتا وسط المغتربين العرب هناك خاصة اللبنانيين.أما شهرته الحقيقة فكانت بعد عودته إلى لبنان، بداية الخمسينات، وتقديمه أغنية "ع اللومة" لتنطلق مسيرته الفنية بشكل أكثر قوة ورسوخا، خاصة أن رصيده الغنائي تجاوز ألف أغنية.وغنى للعديد من الشعراء، خاصة أسعد السبعلي ومارون كرم، وللعديد من الملحنين أشهرهم الأخوان رحباني، زكي ناصيف، فيلمون وهبي، عفيف رضوان، محمد عبد الوهاب، فريد الأطرش، رياض البندك.وكان يفضل الصافي أن يلحن أغانيه بنفسه لأنه كان يعتبر نفسه الأدرى بصوته، ولأنه كان يدخل المواويل في أغانيه، حتى أصبح مدرسة يحتذى بها، وغنى الآلاف من الأغاني والقصائد، ولحن منها العدد الكبير.ويحمل الصافي 3 جنسيات المصرية والفرنسية والبرازيلية، إلى جانب جنسيته اللبنانية، وكرمه أكثر من بلد ومؤسسة وجمعية وحمل أكثر من وسام استحقاق منها خمسة أوسمة لبنانية نالها في عهد الرؤساء كميل شمعون، فؤاد شهاب وسليمان فرنجية والياس الهراوي. أنطوان الصافي: "أنا رايح عند الله" كانت آخر كلماته كان وقع الرحيل الفجائعي للفنان وديع الصافي ثقيلا وصادما على نفسية نجله أنطوان، الذي كان يغالب حشرجة البكاء، وهو يتحدث هاتفيا إلى "الصباح"، قبل أن يتمالك نفسه في آخر الحوار ويقول بعبارة حاسمة "وديع الصافي ما بيموت". في هذا الحوار يتحدث أنطوان فرنسيس (الصافي) عن الساعات الأخيرة لوالده وعلاقته بالمغرب. هل يمكن أن تحدثنا عن الساعات الأخيرة للفنان وديع الصافي؟ كانت ساعات صعبة في الحقيقة ومربكة لكل المحيطين به خاصة أسرته الصغيرة، ففي ساعة واحدة تقريبا انهارت قواه ولم يعد قادرا على التحمل والمقاومة، لكنه في المقابل كان صابرا ومتجلدا ومؤمنا بقدره وغير هياب من الموت، إذ كانت عبارة "أنا رايح لعندو" (يقصد الله) آخر العبارات التي كان يرددها خلال أيامه الأخيرة بل أيضا في الساعات الأخيرة قبل أن تفيض روحه إلى باريها. أليس صحيحا أن حادث السقوط الذي تعرض له أخيرا كان سببا في تدهور صحته؟ لا لم يكن سببا مباشرا خاصة أن هذه الواقعة مضت عليها حوالي سنة، وتحسنت حالته الصحية بعدها، لكن ربما كثرة ملازمته السرير إضافة إلى كبر سنه كلها عوامل ساهمت في تدهور وضعه الصحي، وعدم تحمل قلبه، حتى بعد أن نقلناه إلى المستشفى. ماذا كانت وصيته الأخيرة؟في الحقيقة كل أغانيه كانت بمثابة وصايا، ومساره الفني كذلك، فهو ما فتئ في تراثه الغنائي يوصي بحب الأوطان وبحب الوالدين وبنشر قيم المحبة والإخاء. بعث الملك محمد السادس برقية عزاء إلى عائلتكم كيف كان وقع هذه البرقية؟ لم أرها بعد، ولعل أحد إخوتي تسلمها نيابة عنا، وليس غريبا على جلالة الملك محمد السادس أن يحيط أسرتنا بعنايته ويكون من السباقين إلى مواساتها وتعزيتها، فجلالته بمثابة أخ لنا وكان والدي رحمه الله يحبه كثيرا ويرى فيه امتدادا لصديقه الراحل الحسن الثاني الذي كان هو الآخر من أشد المعجبين بفن وصوت وديع الصافي، لهذا فقد كان والدي يحظى بكل تقدير واحترام كلما حل بأرض المغرب الذي كثيرا ما تردد عليه وكانت آخر زيارة له قبل حوالي سنة وبضعة أشهر حين شارك في فعاليات مهرجان الموسيقى الروحية بفاس، حيث عاين محبة المغاربة له الشيء الذي أثلج صدره. كلمة أخيرة لعشاق وديع الصافي بالمغرب؟ أنا أعزيكم مثلما أعزي نفسي، فكما خسرته أسرته الصغيرة خسره الجمهور العربي الذي كان وسيظل عاشقا لهذا الفنان الذي أخلص لجمهوره مثلما أخلص له هذا الأخير، و"وديع الصافي ما بيموت". وديع الصافي: نجوت من انقلاب الصخيرات بأعجوبة قبل أزيد من ثلاث سنوات وتحديدا شهر يوليوز 2010 أحيى الفنان الراحل وديع الصافي سهرة فنية بالدار البيضاء رفقة الفرقة المغربية للموسيقى العربية بقيادة المايسترو صلاح المرسلي الشرقاوي. وعلى هامش هذه السهرة خص الموسيقار الراحل "الصباح" بحوار مطول ننشر منه أقوى فقراته بمناسبة رحيل هذا الفنان الشامخ الذي كان صديقا للمغرب والمغاربة. متى كانت أول زيارة لك للمغرب؟ (...) كانت نهاية الستينات، بدعوة خاصة من الملك الراحل الحسن الثاني، الذي كان، رحمه الله، فنانا حقيقيا بما تحمله الكلمة من معنى، كما أنه كان ملما بقواعد الفن والموسيقى ومقدرا للفنانين وكانت تربطني به صداقة خاصة. كنت واحدا من الفنانين الذين حضروا حادث انقلاب الصخيرات هل تحدثنا عن بعض من ذكرياتك عن هذا الحادث؟ هي ذكريات أليمة بطبيعة الحال، إذ نجوت بأعجوبة خلال ذلك اليوم، وقبيل اندلاع الأحداث التقيت الجنرال أوفقير، الذي كان صديقا لي في ما سبق، وكان منزويا لوحده، خلال فترة الغذاء تقريبا، بمستودع توضع فيه الآلات الموسيقية بقصر الصخيرات، مرتديا نظارته السوداء الشهيرة، ولما سألته لماذا يقف وحده هنا، أجابني بأنه يشكو ألما في عينيه ورأسه، ولاحظت أن لونه كان شاحبا ويتحدث بطريقة مرتبكة، فأدركت أن شيئا ما هناك غير طبيعي، وهو ما كان إذ بمجرد ما سمعت صوت الرصاص كان معي حينها الموسيقار فريد الأطرش الذي اعتقد أن الأمر يتعلق بمفرقعات للابتهاج، فأجبته "أنت ابن جبل حوراء، ولم تدر أن هذا رصاص حي؟" فطلبت منه الانسحاب سريعا رفقة الفرقة الموسيقية التي كانت معي، وفعلا بمجرد ما غادرنا مكان الحفل، سمعنا خلفنا دوي الرصاص وقد عمت الفوضى المكان، ولحسن الحظ نجونا بأعجوبة إلهية، لدرجة أن المرحوم فريد الأطرش صرح في ما بعد أنه نجا من الموت "بفضل الله ووديع الصافي".(...) رغم أنك، منذ بداياتك الفنية، كنت تلحن لنفسك، إلا أنك لم تتردد في الانفتاح على تجارب ملحنين آخرين ما الذي كنت تبحث عنه في ألحانهم؟في الحقيقة كنت أستجيب لطلبات بعضهم للتلحين لي، وكنت أختار أحسن تلك الألحان. مثلا تعاملت مع محمد عبد الوهاب من خلال لحن "عندك بحرية" إلا أن النقاد اعتبروا أن هذا اللحن لم يكن في مستوى الأعمال التي قدمها لأصوات أخرى ؟ فعلا كانت الأغنية عبارة عن طقطوقة خفيفة لم تكن في حجم الأعمال التي عهدناها في عبد الوهاب، إلا أن هذا لا يمنع من القول إنها كانت أغنية ناجحة وقد أضفيت الكثير من شخصيتي الفنية وغنيتها إكراما للصداقة التي كانت تجمعنا، إذ كان عبد الوهاب وراء تعرفي على الوسط الفني بمصر، وكثيرا ما أبدى إعجابه بصوتي وهو الأمر الذي أعتز به كثيرا، رغم أن تعاملنا فنيا لم يتكرر، لو أقمت مدة طويلة في مصر لكنت غنيت من ألحان موسيقار الأجيال الكثير. غنيت لفريد الأطرش؟ نعم من خلال قطعة "على الله تعود" وكان الأطرش صديقا حميما هو الآخر. تعاملت مع الموسيقار الراحل رياض السنباطي من خلال قصيدة "نغم ساحر" إلا أنها سجلت فقط على العود، لماذا لم تسجلها مع فرقة موسيقية؟كان الأمر عبارة عن مشروع فني لم يكتمل، إذ رحل السنباطي قبل أن ينتهي من تلحينها، فضلا عن أنه لم تتقدم أية شركة لتطلب تسجيلها فطوي أمرها في زحمة الأيام. ما هي علاقتك بالأغنية المغربية؟فيها روح شعبية رائعة، وتتميز بإيقاعاتها المتفردة وفولكلورها المتنوع. ألم تحاول يوما استلهام شيء منها في ألحانك؟للأسف لم أجد الوقت الكافي لكي أستوعب موسيقى كل البلدان التي زرتها وأوظفها في أعمالي، وإنما يشفع لي أن ألحاني، مع ذلك، مقبولة ومحبوبة من طرف جل الشعوب، خاصة أنني سعيت دائما إلى الدفاع عن مجموعة من القيم المنبنية أساسا على اعتبار أن الفن دائما يجب أن يتضمن رسائل معينة إلى المتلقي قوامها الدعوة إلى الرفعة والسمو والتحلي بفضائل الأخلاق والقيم الإنسانية السمحة. صوت وديع حكايا القرية العاشقة في ظلال السنديان "وديع الصافي، صوت هو اشتعال غلائل الأرض بالعطور والألوان في شهر نيسان.صوت هو حنان تشرين وتناوح الرياح الأربع في الجبل والوادي ومفترق السهل.صوت هو الريف يستحم بمياه الأنهار ويغرق في شمس النهار.صوت يسوق به الراعي قطيعه، ويزرع الفلاح حقله، ويزلف به الزورق على موجة البحر خفيفا تحت خبط المجاذيف.صوت تهدر في نغماته شلالات لبنان، وتنعم وديانه، وتشمخ أعاليه، وتجري سواقيه، وتهف به ليونة الضباب، ويتعانق ضوء القمر وحفيف الأشجار.صوت تتوافر فيه رجولة من أنبتوا من الصخر تفاحا، وحوّلوا الجرود إلى جنات تسكنها النجوم، وتجري من تحتها الأنهار.صوت كأنه حديث الأرض للغاب، والغاب للريح.كأنه حكايا القرية العاشقة في ظلال السنديان، وأغاني الصبايا المشرقات وذكريات الشيوخ الغاربين.صوته كأنه وجوه الآباء حول النار في ليالي الشتاء". الشاعر اللبناني الراحل جورج جراق (شهادة وردت في كتاب بعنوان "وديع الصافي.. حياته وأغانيه" من إعداد ربيع محمد خليفة) إنجاز: عزيز المجدوب