المديرية الجهوية للفلاحة تؤكد توفير 241 ألف رأس من الغنم وهو رقم أكبر من الطلب المحلي مع بدء العد العكسي لعيد الأضحى المبارك، احتل الحديث عن العيد كل مساحات النقاش داخل البيوت ومقرات العمل والمقاهي والأسواق، والاستعدادات حثيثة داخل كل بيت مغربي في انتظار حلول ضيف الشرف و الذي تؤكد كل المؤشرات الأولية المستقاة إلى حد الساعة بأنه سيكون ثقيلا هذه السنة على جيوب المواطنين. «الصباح» تجولت في أهم أسواق الغنم بإقليم سطات والتقت «كسابة» و «شناقة» ومواطنين عاديين ، و رصدت الإجراءات الأمنية والصحية المتخذة لتأمين أجواء العيد. ارتفاع رهيب في الأسعارالسادسة صباحا بسوق الأحد بسطات، على ضوء خافت للإنارة العمومية اصطف طابور طويل من الشاحنات اختلطت اصوات منبهاتها و محركاتها بثغاء الأغنام، قطعان يتم سوقها و أعين شاخصة تراقب كل صغيرة و كبيرة و تتفحص المارة والمشترين المفترضين، بباب السوق شباب لا يوحي شيء من ملامحهم بأنهم كسابة ، يكتسون جلابيب وأحذية طويلة علمنا في ما بعد بأنها أزياء تنكروا بها من أجل إبعاد شبهة «الشناقة» عنهم .غير بعيد عن باب السوق يضرب باعة طوق بشري حول مجموعة من الأغنام، ولا صوت يعلو على أحاديث أخبار الأثمنة بالأسواق المجاورة.رجال الأمن انتشروا حول كل منافد السوق و زواياه ، يحاولون رصد كل صغيرة و كبيرة و على درجة كبيرة من الأهبة للتدخل إن اقتضى الأمر ذلك ، سيما أن أيام السوق تعرف نشاطا كثيفا للصوص ، لكن الحضور الأمني الكبير رسم الارتياح لدى الجميع. و مع تسلل اول أشعة شمس «الصباح» تبدأ أفواج المواطنين تتقاطر على السوق وتدب حركة كبيرة و تعجز مواقف السيارات المجاورة للسوق عن استيعاب الكم الهائل من السيارات و أغلبها مرقم من مدن البيضاء و الرباط .يستند أحد «الشناقة» على جدار قصير دون أن تزيغ عيناه على قطيع مشكل من خمسة أكباش وعنزتين، بدت قسمات وجهه هادئة و يتحدث بأريحية «هذاك لمليح أ سيدي غير 80 آلف ريال «، يجيب غير آبه بملامح الدهشة التي رسمت على الزبون المنسحب باستغراب تارة و باستنكار أحيان كثيرة.يستظهر «الشناق» نصا طويلا عريضا من الكلمات المزخرفة يبدوا أنها قد أعدت بعناية لأداء المهمة التسويقية ، فهو يمدح علف ومناخ رعي ماشيته، ويعدد حسناتها، غير أن كل كلامه التسويقي، لم ينجح في إقناع جل المشترين بارتفاع الاسعار .يقول لحسن و هو رجل خمسيني يشتغل موظفا بالقطاع العام ، حضر لاستشراف أثمنة العيد، «هي أكباش جيدة، لكن الأثمان الحالية بعيدة كل البعد عن الواقعية ، ما يحدث غير معقول بالمرة 2500 درهم ما تجيبش حتى مش».غير أن العربي و هو كساب من منطقة ولاد سعيد يرى بأن الأثمان و لو أنها مرتفعة قليلا فإنها معقولة إذا استحضرنا ارتفاع المصاريف و ارتفاع أثمنه الكلأ والعلف ، زيادة على مصاريف نقل الأغنام « ما كرهناش الثمن يكون هابط ويعيدو الناس كاملين و لكن ما حاس بالمزود غير لي مخبوط بيه أ ولدي» يضيف العربي.يونس و هو عامل بإحدى شركات الحراسة ، يبدو أنه لم يستسغ الأثمنة التي سمعها من أكثر من بائع و لم يخف امتعاضه فأخذ يتمتم بكلمات مسموعة «و بزاف البهيمة د 2000 درهم هاد العام 2700 درهم كي يدير حتى يعيد المسكين ؟ « يونس أكد لنا بأن أجره الشهري لا يتجاوز 2200 درهم، متزوج و يعيل أسرة ويعول على مدخرات من الأشهر الأخيرة وبالكاد جمع مبلغ 2000 درهم من أجل الأضحية إلا أنه اصطدم بالارتفاع في الأسعار.بسوق الأحد بسطات كما باقي الأسواق القروية بالإقليم تنشط حركة الهاتف المحمول، فبين الفينة والأخرى يصادفك قطيع يتم إعادة تحميله بالشاحنات من أجل نقله إلى وجهات أخرى، يخبرنا حارس السوق بأن الأمر يتعلق بمكالمات تحدد أسواقا تعرف طلبا كبيرا وبالطبع أثمنة أعلى، ويفضل «الكسابة» أن ينتقلوا إليها طمعا في كسب اكبر و هروبا من أسئلة مستنكرة تنهال عليهم منذ الساعات الأولى من اليوم. "الصردي " على رأس أكباش المنطقةبعيدا عن سوق سطات ، انتقلنا إلى سوق البروج عاصمة قبائل بني مسكين ، المنطقة معروفة بجودة قطيعها و تستقطب سنويا المئات من الزوار من كل مناطق المملكة ممن ينقبون على خروفها «الصردي» الذي أضحى علامة تجارة خاصة بها. يعد «الصردي» أفضل أنواع الأكباش على الإطلاق بالمغرب لمميزاته الكثيرة، ومنها حُسن هيأته وجمال وجهه المستطيل الذي تزينه بقع سوداء حول عينيه وحول فمه وفي قوائمه أيضا، مع قرون بارزة وقوية وقامة رفيعة، فضلا عن جودة لحومه ولذتها عند الطهي.ويقبل المغاربة و بالخصوص من الطبقات المتوسطة والعليا على شراء هذا النوع من الأكباش بهدف الاستمتاع بمنافعه العديدة، والتي لا توجد كلها في نوع آخر من الأغنام التي تملأ الأسواق في مختلف مدن المملكة. ومن أجل التمايز الطبقي أيضا باعتبار أن شراء «الصردي» ليس متاحا أمام الفقراء لارتفاع ثمنه، لكن أسعار «الصردي» بدورها لم تسلم من الارتفاع و إن لم يظهر للأمر أثر بارز على ملامح متسوقيها. خالد الصمدي إطار عال بإحدى المؤسسات الشبه عمومية بالرباط أكد لنا و هو يؤدى ثمن كبش اقتناه للتو بأنه متعود على شراء سلالة «الصردي» كل سنة من سوق البروج ، و بأنه لا يتخيل عيدا دونها ، « صحيح بأن الثمن هذه السنة زايدة فيه نغزة ، لكن الجودة مضمونة و هذا هو الأساسي» يضيف خالد لدى استفسارنا له حول الأثمنة . بالبروج تم الاهتداء الى تنظيم سوق نموذجي لبيع سلالة «الصردي» تنظم نسخته الثانية هذه السنة و تم افتتاحه رسميا من قبل والي الجهة وأعيان ومنتخبي المنطقة، لكن أروقة المعرض سرعان ما تشغر مباشرة بعد حفل الافتتاح. مصدر من المجلس البلدي للبروج أكد لنا بأن أغلبية «الكسابة» يفضلون نقل أكباشهم إلى مدن أخرى عوض انتظار قدوم المشتري. المندوبية الاقليمية للفلاحة بسطات الراعي الرئيسي للمبادرة قللت من مسألة نفور «الكسابة» من عرض بضائعهم بالسوق نظرا لأن المبادرة هي جديدة و في مرحلة الـتأسيس، ويلزم وقت و جهد من اجل أن يأخد السوق النموذجي مكانا له في رزنامة فلاحي المنطقة . مديرية الفلاحة تتبرأ من ارتفاع الأسعارفي طريق عودتنا لسطات استحضرنا العديد من الصور و المشاهد بين تذمر الكثيرين و مبررات «الكسابة» وظل السؤال يراودنا ، هل لارتفاع الثمن علاقة بقلة العرض أم بكثافة الطلب ؟ سؤال حملناه إلى المديرية الجهوية للفلاحة بسطات وأكد «للصباح» مسؤول التواصل بأنه لا مسؤولية مباشرة لمصالح المديرية بخصوص ارتفاع أسعار الأكباش، و بأنه ليس هناك أي نقص في العرض ، و بأن السنة الحالية تعرف عرض 241 ألف رأس من الأضاحي، وهو رقم حسب المسؤول ذاته يفوق بكثير الطلب بالمنطقة ، وهو ما يفسر تزويد المناطق المجاورة و بالأخص مدينة الدار البيضاء بأضحية العيد، وعزا ارتفاع الأثمنة إلى مشكل المضاربة. محلات بيع وخدمة ما بعد الشراء أغلب من التقيناهم أجلوا قرار الاقتناء رغبة في انتظار استقرار الأثمنة ، لكن فئة عريضة منهم لا تبدي تفاؤلا بالقادم من الأيام في انخفاض محتمل لأثمنة الأضاحي، لأنها على حد تعبيرهم ستعرف ازدياد ضغط الطلب مع توصل الموظفين بمرتباتهم، وجزء آخر اختار أن يقتني أضحية العيد من المحلات المنتشرة بالمدينة. المختار موظف في البلدية يعتبر بأن الأثمان بهذه المحلات محددة بتسعيرة الكيلوغرام الواحد ، كما أن هذا النوع من الأسواق يبقى المفضل لديه، وهناك ضمانات صحية موثوق فيها، ونوعية الغنم أيضا ممتازة، كما أنها، وهذا هو الأهم بالنسبة إليه توفر خدمة ما بعد الشراء ، أي ترك الأضحية بالمحل حتى ليلة العيد .«كسابة» يرفضون وصفهم بالجشع ونحن نغادر سوق «جمعة كيسر» إقليم سطات استوقفنا بعض الشباب توحي هيأتهم بأنهم «كسابة» من المنطقة، تحدثوا عن الزيادات في الأسعار وفي البنزين و في التنمية المؤجلة بمنطقتهم، ووضعية الطريق الوطنية التي تربطهم بسطات والقرابين التي يقدمونها شهريا في حوادث السير، بسبب وضعية الطريق الكارثية، واستنكروا كل ما يحاول البعض إلصاقه بهم من جشع واستغلال لمناسبة دينية للكسب. بالنسبة إليهم هم ضحايا عدم اكتراث الحكومة لمتطلباتهم التنموية و ضحايا للارتفاع الصاروخي في الأسعار، ورغم ذلك ضميرهم و بداوتهم الأصيلة يجعلانهم يرفضون الاستسلام لنزعة الرغبة في استغلال المناسبة. الثقة شبه معدومة بين البائع والمشتري بين البائع و المشتري بأسواق إقليم سطات جدار من الريبة والشك لم تنجح التطمينات التي يعطيها هذا الطرف أو ذاك بين الفينة والأخرى في هدمه. عاينت «الصباح» كبشا يبدو أنه نفق بالسوق وتجمهر حوله العديد من الأفراد. اختلطت لديهم عبارات الشماتة بالسباب، فهم يعتقدون بأن صاحبه قد لجأ إلى وسائل غير مشروعة من أجل تسمينه وتقديمه إلى المشترين، لكن السحر انقلب على الساحر حسب زعمهم .يخبرنا رواد السوق بأن بعض «الباعة» يستغلون سذاجة المشترين خاصة من الفئات الفقيرة التي تبحث عن جودة الخروف، شرط أن يكون سعره منخفضا ومناسبا لمداخيلهم المتواضعة، مما حدا ببعض باعة الأكباش إلى حشو بطونها بمادة الخميرة قبل عرضها للبيع، وهو ما يجعلها تبدو سمينة، أو إلى إعطاء مواد علفية مالحة جدا للكبش حتى ينتفخ ويظهر كأنه سمين.ويقوم آخرون بإحداث ثقوب في قوائم هذه الأنعام وينفخون فيها بآلات النفخ التي تُستعمَل للدراجات، حتى تمتلئ أجسامها بالهواء فتظهر سمينة أيضا وبأسعار مناسبة لذوي المداخيل المحدودة، الأمر الذي يُعرض هذه الأكباش ومتناولي لحومها لمخاطر صحية. هشام الازهري (سطات)