ما جاء به القانون رقم 129.01 ضمان المحاكمة العادلة ينظم القانون رقم 129.01 القاضي بتغيير المادة 139 من قانون المسطرة الجنائية حق الدفاع في الحصول على نسخ من وثائق ملف التحقيق، وهو بذلك يندرج في سياق التطور الحقوقي الذي تعرفه بلادنا سيما بعد صدور دستور المملكة لسنة 2011. رغم إقرار المجلس الدستوري لصياغة المادة 139 في الشق المتعلق بضمان حسن سير إجراءات التحقيق وتوفير الأمن، فإنه اعتبر أن الأجل الفاصل بين وضع حد لقرار منع الدفاع من أخذ نسخ من وثائق الملف وتاريخ استنطاق المتهم غير كاف، وهو ما يتعارض مع ضمانات المحاكمة العادلة.والحقيقة أن ما ذهب إليه المجلس الدستوري، لا يتعلق بالمبدأ في حد ذاته (ضمان الحق في الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة)، وإنما يتعلق بتقدير الأجل المشار إليه، وهذا أمر يبقى من صميم مهام المشرع الذي أوكل إليه الدستور مسألة تقدير المصالح العامة وتنزيل الأحكام والإجراءات الكفيلة بتحقيقها. غير أن المجلس الدستوري رأى أن له الحق في تقدير الآجال على ضوء القواعد الدستورية حتى ولو لم يكن قد ورد به نص معين. ويمكن القول، إن مسألة تقدير الآجال تنفلت بطبيعتها من الرقابة الدستورية، إذ الصورة الوحيدة للرقابة الدستورية في مثل هذه الحالة، هي تنصيص المشرع على أجل مخالف للأجل، الذي قد يتضمنه نص دستوري وهذه الصورة غير متوفرة في نازلة الحال. قرار المجلس الدستوري وضمانات المحاكمة العادلة:جاء في قرار المجلس الدستوري، أن التنصيص على امتداد مفعول أمر قاضي التحقيق بعدم تسليم محضر الشرطة القضائية وباقي وثائق الملف كلياً أو جزئياً، إلى محامي الطرف المدني، وعدم انتهائه إلا عشرة أيام قبل بدء الاستنطاق التفصيلي، من شأنه أن يخل بمبدأ التوازن بين حسن سير التحقيق وحسن ممارسة حقوق الدفاع الذي يعد من ضمانات المحاكمة العادلة. والحقيقة أن ما جاء به القانون رقم 129.01 المذكور، يعتبر تطورا حقوقيا ملموسا في ما يتعلق بحسن سير الإجراءات، وتدعيم ضماناً المحاكمة العادلة، ذلك أن القانون موضوع الطعن يحافظ من جهة على الحق في الاطلاع دون تقييده بأجل اليوم، ومن جهة أخرى فهو يعطي الحق للدفاع في الاطلاع على الملف وأخذ نسخ منه أيضاً.وإذا كان القانون المذكور أورد استثناء على القاعدة العامة، بأن سمح لقاضي التحقيق تلقائياً أو بناءً على ملتمسات النيابة العامة بأن يأمر بعدم تسليم نسخة من المحضر أو باقي وثائق الملف كلياً أو جزئياً، إذا اقتضت مصلحة التحقيق ذلك، فلا بد من التذكير بأن هذا الاستثناء يهم فقط الجرائم المنصوص عليها في المادة 108 من قانون المسطرة الجنائية وجرائم الرشوة أو استغلال النفوذ أو الاختلاس والتبديد أو الغدر أو غسل الأموال، وذلك بالنظر إلى خطورة هذه الجرائم وبالنظر إلى ما تنص عليه الاتفاقيات الدولية، من ضرورات تفعيل آليات البحث والتحقيق فيما يتعلق بهذا النوع من الإجرام الخطير والمتطور، سيما اتفاقية "ميريدا" لمكافحة الفساد واتفاقية "باليرمو" المتعلقة بمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية.ويمكن القول إن الصيغة التي جاء بها القانون رقم 129.01 توازن بين حقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة، وبين ضرورات حماية أمن وحرية المواطنات والمواطنين وضمان سلامة السكان وسلامة التراب الوطني وصيانة المال العام، وتحقيق العدالة وضمان الوصول إلى الحقيقة القضائية. ذلك أن قاضي التحقيق يعتبر ضامناً لحقوق الدفاع، وهو من يقدر ضرورات الحفاظ على سرية التحقيق باعتباره في نهاية المطاف يبحث عن الحقيقة القضائية، فهو يبحث عن وسائل الإثبات المدعمة للإدانة، كما يبحث عن وسائل الإثبات المدعمة للبراءة، ومتى تبين له أن المتهم لم يرتكب الجرم المنسوب إليه أصدر أمره بعدم المتابعة، وهو ما يعني أن سرية التحقيق في بعض الأحيان قد تكون لصالح المتهم نفسه.والجدير بالذكر أن بعض مجالات القانون المرنة تستعصى على المشرع، ويتعذر عليه تقديرها بشكل مسبق، وهو ما يجعله يفوض أمرها ضمنياً للقاضي، ومن ذلك ما جاءت به صيغة القانون موضوع الطعن بشأن تخويل قاضي التحقيق أمر تقدير الحالات التي تستوجب فيها مصلحة التحقيق، منع دفاع المتهم من أخذ نسخ من وثائق ملف التحقيق، مع خضوعه في ذلك لمراقبة الغرفة الجنحية واعتبار هذا الإجراء مؤقتا ينتهي بـ 10 أيام قبل الاستنطاق التفصيلي، علما أن الدستور ينص في الفصل 117 على أن القاضي هو من يحمي الحقوق والحريات والأمن القضائي ويسهر على تطبيق القانون. عموما فإنه و بناء على القرار الدستوري القاضي بإلغاء الفصل 139 كما عدل، سيتم الرجوع إلى البرلمان بغرفتيه لإعادة النظر في هذا النص على ضوء القرار المذكور، قصد مراجعة الأجل المحدد في 10 أيام قبل كل استنطاق تفصيلي لأخذ نسخ من وثائق ملف التحقيق، حيث من المنتظر اقتراح مدة أطول قد تكون ضعف المدة التي اعتبرها المجلس الدستوري غير كافية لضمان متطلبات حقوق الدفاع، و بالتالي فإن قرار الإلغاء لا يهم النص المصوت عليه في مقتضياته الأساسية، وإنما اقتصر على تقدير الأجل فقط، مما لا يجعل هذا القرار ذا أهمية من هذا الجانب، وإن كانت له أهمية كبرى من جوانب أخرى، أهمها التأكيد على ضرورة تحقيق التوازن بين مستلزمات حسن سير التحقيق و متطلبات حقوق الدفاع. بقلم: عبد الرحمان اللمتوني, دكتور في الحقوق