صعوبة العثور على دعوى عمومية ومدنية متحدتين في الموضوع كثيرة هي القواعد المسطرية، سواء منها المدنية أو الجنائية التي تستغل من قبل بعض المتقاضين لإطالة أمد النزاع أمام المحاكم، الأمر الذي أثر -ويؤثر- سلبا على الأبعاد النبيلة لتلك القواعد، من فرط هذا الاستعمال المعيب، والذي أصبح يشكل عيبا جوهريا في مساطر التقاضي أمام المحاكم المغربية بانعكاساته السيئة طبعا على سمعة القضاء المغربي وهيبته في الداخل والخارج. غير أن هناك من يرى أن القاعدة المذكورة، قاعدة إيقاف البت، ليست إلزامية بالنسبة للمحكمة التأديبية، إذ يمكن لها أن تأمر بإيقاف الدعوى المعروضة عليها إلى حين البت في الدعوى العمومية، ولها كذلك أن تستمر في نظر تلك الدعوى خلافا للقاعدة. وقضت على هذا الأساس محكمة باريس بأنه من اللائق وقف الدعوى التأديبية طالما أن المحكمة الجنائية لم تقل كلمتها في الدعوى العمومية، محكمة استئناف باربس 4 يناير سنة 1980 سيري 1881-2-1980.كما قضت محكمة كولمان بالرغم من استقلال الدعويين عن بعضهما وبالرغم من إمكانية الاستمرار في مباشرتهما في الوقت نفسه، فإنه ليس هناك ما يمنع القضاء التأديبي من إيقاف الدعوى التأديبية، المقامة ضد محام، طالما أن الدعوى الجنائية لم يحكم فيها نهائيا، محكمة استئناف كولمان 27 يوليو سنة 1945 جازين دي باليه 1945-2-116.وبعد ذلك، رغم التأكيد على القاعدة΅ فإن هناك من الحالات ما يثير التساؤل حول ذلك التأكيد، كما في حالة الحكم القاضي بالبراءة لعدم وجود الفعل المادي، إذ لا يمكن للمحكمة التأديبية أن تدين المتابع أمامها على أساس أن ذلك الفعل ثابت في حق المحامي مثلا، غير أنها وفي الوقت نفسه، يمكنها أن تدينه بناء على ثبوت مخالفة مهنية في حقه من خلال الملف الجنائي ولا تعارض بين الحكمين الجنائي القاضي بالبراءة والحكم التأديبي القاضي بالإدانة بناء على مخالفات مهنية غير جنائية.وحيث في حالة الحكم بإدانته بطبيعة الحال، لا يمكن، هنا للمحكمة التأديبية أن تصرح بأن المتهم لم يرتكب الفعل المنسوب إليه، بناء على الحكم الجنائي النهائي القاضي بالإدانة، لكن لها في الوقت نفسه أن تبحث في ثنايا الوقائع عما يشكل مخالفة مهنية في حق المتابع أمامها وتحكم بعدم مؤاخذته، إذا لم يثبت لها ذلك، بالرغم من وجود الإدانة الثابتة بحكم جنائي.وعلى أي حال فالرأي الراجح والآمن هو تطبيق القاعدة. إيقاف الدعوى المدنية، إلى حين البت النهائي في الدعوى العمومية حتى بالنسبة للدعوى التأديبية.معنى وحدة الوقائع:لكن ما معنى وحدة الوقائع بين الدعويين، الجنائية والمدنية، كشرط لتطبيق قاعدة الإيقاف؟يحدث أن تتولد الدعويان معا، إما عن وقائع موحدة بينهما وإما عن وحدة الحادثة بشكل واسع، يتجلى ذلك بالخصوص عند وفاة ضحية في "حادثة سير" أثناء نظر الدعوى العمومية، القتل الخطأ، ويتقدم ورثة الضحية بدعوى مدنية لإبطال وصية صادرة عنه.فبالرغم من وحدة الحادثة التي حركت الدعويين، فإنه لا يوجد أي أساس مشترك في الواقع بينهما، ذلك أن مسألة صحة الوصية أو بطلانها تختلف إطلاقا عن الدعوى العمومية المتعلقة بالقتل الخطأ والعقاب عليه.وحدة الوقائع، ووحدة الموضوع:وكذلك الأمر بالنسبة لوحدة الوقائع في علاقتها بوحدة الموضوع هل يعبران معا عن الأمر نفسه أي أن وحدة الوقائع تعني وحدة الموضوع كما تعني هذه الأخيرة وحدة الوقائع؟يظهر أنه من الصعب العثور على دعوى عمومية ودعوى مدنية متحدتين في الموضوع، باعتبار أن موضوع الثانية بمعناها الواسع يشمل مثلا دعاوى الطلاق أو رجوع في الهبة أو إبطال عقد استرداد ما دفع بغير حق أو إنهاء عقود الكراء الخ. أما الأولى فلا يمكن أن يكون موضوعها سوى توقيع العقاب على المجرم، وهو يختلف بطبيعته عن موضوع الدعوى الثانية، وقد يكون القصد من تعبير وحدة الموضوع بين الدعويين هو وحدة الوقائع التي تعد بحق الأساس المشترك للدعويين المذكورتين.وأما عن وحدة السبب ووحدة الموضوع:إن وحدة الموضوع، بطبيعة الحال، ليست هي وحدة السبب التي يرى البعض أنها تعني وحدة الموضوع، فإذا كان سبب الدعوى هو المصدر القانوني للحق المدعى به، عموما، والذي قد يكون واقعة مادية أو قانونية أو تصرفا قانونيا وقد تشترك الدعويان العمومية والمدنية في السبب كما في الدعوى العمومية المتعلقة بالجرح الخطأ، والدعوى المدنية الرامية إلى تعويض الضرر الناتج عن هذا الخطأ، العمل الغير المشروع، سيظهر هنا، أن سبب الدعويين واحد هو الفعل غير المشروع، الأمر الذي يقتضي إيقاف البت في الدعوى المدنية إلى حين البت النهائي في الدعوى العمومية، الغرض هنا أن الدعوى المدنية أقيمت مستقلة أمام المحكمة المدنية.أما إذا كان سبب الدعويين القانوني مختلفا، فلا يصح إيقاف البت في الدعوى المدنية إعمالا للقاعدة.وهكذا إذا أقيمت دعوى تسوية أو تصفية قضائية أمام المحكمة التجارية ضد تاجر متابع، كذلك، في جنحة خيانة الأمانة بين الأطراف نفسها فإنه لا يصح أن تأمر المحكمة التجارية بإيقاف الدعوى المعروضة عليها إلى حين البت النهائي في الدعوى العمومية لاختلاف السببين.لكن:مع ذلك قد يضطر القاضي المدني، التجاري، الإداري الخ، إلى إيقاف الدعوى المعروضة عليه إلى حين البت في الدعوى العمومية الرائجة أمام المحكمة الزجرية مخافة صدور حكمين متناقضين في المسألة الواحدة ولو في حالة اختلاف السبب بينهما، بين الدعوى العمومية والدعوى المدنية.كما في حالة الجرح الخطأ، إذا ما رفع ضحية هذا الفعل دعوى مستقلة أمام المحكمة الزجرية، تأسيسا على مسؤولية حارس الشيء في هذه الحالة΅ يظهر أن السبب في الدعويين مختلف، فالأولى سببها الخطأ الواجب الإثبات والثانية سببها المسؤولية المفترضة ومع ذلك يجد القاضي المدني نفسه مضطرا لإيقاف الدعوى المدنية التي ينظرها مخافة تعارض حكمه مع الحكم الجنائي الذي قد يصدر.إذ في حالة رفض، القاضي المدني، لطلب التعويض عن ضرر تلك الحادثة الذي لا يد فيه لحارس الشيء، ويرى القاضي الجنائي غير ذلك، أي يرى ثبوت خطأ المتهم والحكم بإدانته بناء على ذلك.أن الخلفية التي استدعت هذا النقاش، ليست قانونية صرفة بقدر ما هي إثارة انتباه إلى خطورة القاعدة موضوع، قاعدة الجنائي يعقل المدني، في حالة استعمالها من قبل البعض لأغراض خفية تتعارض مع خلفيتها الحقوقية النبيلة... الأمر الذي يحول، تأكيدا، دون البت في قضايا الناس في الوقت المناسب، ويوصم تبعا لذلك قضاءنا بالبطء أو التباطؤ والتراخي في إيصال الحقوق إلى أصحابها، كما يقلل من هيبته ويضع قيمته، داخل المغرب وخارجه، في الميزان كما تشير إليه بعض التقارير الدولية. بقلم: محمد بولمان, محام بهيأة مراكش