علاقة الطبيب بالمريض في إطار طب الشغل ليست عقدية إذا كانت الاعتبارات والتوازنات المالية تشكل الوازع الأساسي في سن المراقبة الطبية بالنسبة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بخصوص المرض غير المهني، وبالنسبة إلى شركات التأمين بخصوص المرض المهني، فإنه من دواعي الاستغراب أن يتقرر إخضاع الأجير المريض للفحص الطبي المضاد في إطار المرض غير المهني من طرف المشغل لأنه لا يتكفل مباشرة بدفع تعويضات يومية. وإذ تثار التساؤلات حول صفة الطبيب الذي يعهد إليه بمراقبة مرض الأجير، يثار التساؤل حول الطبيعة القانونية للعلاقة التي تجمعه بالمشغل الذي اختاره، وبالأجير الذي سيخضع لفحصه المضاد، ويكتسي هذا التساؤل أهميته في مجال تكييف مسؤولية الطبيب المراقب. فإذا كانت علاقة الطبيب بمريضه بصفة عامة تكيف على أساس تعاقدي، فكلما كانت علاقة الطبيب بالمريض تؤطرها أنظمة قانونية، فلا يمكن أن نعتبرها عقدية. ويدخل في هذا الإطار طب الشغل، طب المراقبة بصفة عامة ومنظمات الضمان الاجتماعي بصفة خاصة، أما بالنسبة إلى المشغل فالعلاقة التي تربطه بالطبيب المراقب هي علاقة عقدية، إلا أنه وانطلاقا من المبدأ القانوني الذي يقول إن «الخاص يعقل العام»، فيجب على تلك العلاقة التعاقدية أن تحترم القوانين المنظمة لممارسة الطب في ما اقتضته في مجال تعاقد الأطباء وإلا صار العقد تحت طائلة البطلان. وفي هذا الصدد، يستنتج من نص المادة 51 من قانون ممارسة الطب، أن العقد الذي يجمع المشغل بالطبيب المراقب، عقد كتابي، أنه يؤشر عليه من قبل رئيس المجلس الوطني لهيأة الأطباء بعد التأكد من مطابقة البنود الواردة فيه لأحكام القانون المنظم للمهنة ومدونة الآداب المهنية وعدم تضمينه أي حكم يحد من واجبات الطبيب أو استقلاله المهني، وفي غياب شركات متخصصة في طب المراقبة يتعاقد معها المشغلون من أجل الفحوصات الطبية على غرار ما هو معمول به في فرنسا، وتفاديا للدفع ببطلان العقد في حال نشوب نزاع بخصوص الفحص الطبي، نعتقد أنه من دواعي الاحتراز، أن يتعاقد المشغل مع طبيب ولو لمدة محدودة (سنة مثلا)، من أجل القيام بأعمال المراقبة الطبية كلما دعت الضرورة إلى ذلك. ثانيا: إجراءات الفحص الطبي المضادرغم كل ما يمكن أن يسفر إليه الفحص المضاد من منازعات، بين المشغل والأجير من جهة أولى، وبين الأجير المريض والطبيب المراقب من جهة ثانية، وبين الأخير وزميله المعالج من جهة ثالثة، لم يتكلف المشرع بتنظيم طب المراقبة لا من خلال مدونة الشغل ولا من داخل القوانين المنظمة لممارسة الطب، باستثناء التنصيص الهزيل عليه في مدونة أخلاقيات مهنة الطب. لا يسعنا إذن، منطلقين من الأهداف المسطرة للفحص الطبي المضاد، إلا الاعتماد على القانون المقارن الذي سعى إلى تنظيمه، وعلى قواعد الممارسة الطبية العادية، لاستنباط إجراءاته، مرتكزين على بعض المواقف الفقهية التي تناولته، ومدليون بآرائنا الشخصية، كلما ارتئيا قيمة مضافة لذلك.فإذا كان الفحص الطبي المضاد يرتكز، وبالأساس، على أحد مقومات مهنة الطب، ألا وهي الفحص الطبي كما يتم تلقينه في كليات الطب وممارسته اليومية خلال الحياة العملية للأطباء، فهذا الأخير لا يستوي إلا بالتقيد بمراحله المتجلية باختصار في استجواب يقوم به الطبيب للمريض للوقوف على سوابقه الصحية، من أمراض وعمليات جراحية وحوادث..... ومختلف العلاجات التي استفاد منها، وعلى الأعراض الحالية التي استدعت لجوءه إلى زيارة الطبيب وعلى تطورها الزمني، يلي ذلك الاستجواب كشف طبي سريري لجميع أجهزة الجسم قبل استنتاج الأسباب المحتملة للحالة المرضية مع الأخذ بعين الاعتبار البنية النفسية للمريض والاستعانة إن اقتضى الحال بفحوصات تكميلية من أجل التشخيص اليقيني للمرض. لكن بما أن هذا الفحص لا يستهدف العلاج، فيقف الطبيب المراقب في حدود الاستجواب والفحص ألسريري والإطلاع على نتائج الفحوصات التكميلية التي وصفت من قبل الطبيب المعالج كالتحاليل المختبراتية نتائج الفحص بالأشعة إن وجدت. هكذا، يمكن للطبيب المراقب أن يبني قناعته بخصوص حقيقة مرض الأجير موضوع الفحص المضاد وما تستلزمه حالته الصحية من مدة للراحة أو الانقطاع عن العمل.لكن بالنظر إلى مراحل الفحص المذكورة أعلاه، يتضح أن الاستنتاجات التي تؤول إليها قد تختلف من طبيب لطبيب آخر، لعدة عوامل، منها ما يرجع لمؤهلات ومهارات الأطباء وتكوينهم بعد الجامعي والمستمر ولمقارباتهم التواصلية، ومنه ما يرجع للمريض خاصة منها درجة التعاون والثقة التي يبديها تجاه الطبيب. هذه الثقة التي يمكن أن تنعدم تجاه الطبيب المراقب، أنه مراقبا من جهة، وأنه موكلا من قبل المشغل من جهة أخرى. مما يثير في سلوك الأجير المريض، عن خطأ، نوعا من الحيطة والحذر والتكتم والمقاومة لا تخدم بتاتا علاقة المريض بالطبيب، قد يؤدي إلى تعارض بين نتائج الفحص الطبي للطبيب المعالج وفحص زميله المراقب، ويدخل تقدير مدة التغيب ضمن تلك الاستنتاجات.وتجدر الإشارة، وفي إطار تحديد نطاق المراقبة الطبية، إلى أن المشرع المغربي، وبمقتضى نص صريح في قانون الأدبيات الطبية منع الطبيب المراقب من التدخل في المعالجة المقررة من قبل الطبيب المعالج، وذلك من خلال الفصل 49 الذي أوجب عليه حتى في حالة ما إذا وجد نفسه، أثناء الفحص، غير متفق مع الطبيب المعالج حول تشخيص المرض أو توقعاته لتطوره، أو إذا تبين له أنه قد أغفل أحد الأعراض المهمة لمتابعة العلاج، أن يعلم زميله المعالج بصفة شخصية. بقلم: د. مولاي هاشم مرتجي, طبيب متخصص في طب الشغلباحث في قانون الشغل