العفو ... قراءة في الظهير ومقترحات سوء الترجمة تسبب في تأويلات مختلفة بين القضاء ولجنة العفو بتاريخ 19/4/1956 وبالتزامن مع فترة الاستقلال، صدر ظهير شريف مرقم تحت عدد 1.56.091 بإحداث لجنة لمراجعة الأحكام الجنائية والعفو، وبعد مرور أقل من سنتين نشرت الجريدة الرسمية عدد 2365 الصادرة بتاريخ 21/2/1958 ظهير العفو الصادر بتاريخ 06/02/1958، الذي ألغى الظهير الأول، وألغى معه فكرة ربط العفو «بمراجعة الأحكام الجنائية «، كخطوة نحو استقلال القضاء وفصل السلط. (الحلقة الثالثة) قد يصير مشروعا بالتالي التساؤل حول حق المسجون في تخييره بين خروجه من السجن، على أن يبقى مدانا، مع ما قد يترتب على ذلك من مساس بوضعيته المهنية أو الاجتماعية أو السياسية، أو حقوقه المـالية بأداء تعويض قد يعتبره غير مستحق، إن تم إيقاف سير الدعوى العمومية، وبين بقائه في السجن، حتى يضمن فرصة الدفاع عن حقوقه أمام قضاء النقض.لذلك فإن المسألة في بعدها الحقوقي والقانوني لا تخلو من خطورة، لما تنطوي عليه من مساس بمؤسسة العفو نفسها وغاياتها السامية، بصرف النظر عن المساس بحقوق الفرد، وباستقلال القضاء، وغل يده عن البت في الدعوى العمومية المعروضة عليه إما بالبراءة أو بالإدانة أو بالإعفاء، كما ينص القانون على ذلك .ثم إن العفو كمؤسسة من مؤسسات القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية، لم يتم النص عليه من طرفهما ضمن الباب المتعلق بالدعوى العمومية، أو الإجراءات المطبقة أمام المحاكم، حتى يمكن الكلام عن»إيقاف سير الدعوى العمومية «بل إن القانون الجنائي قد أشار إليه ضمن الباب الثالث من الكتاب الأول المتعلق بأسباب انقضاء العقوبات والإعفاء منها وإيقاف تنفيذها وضمن الباب الثاني من الجزء الثاني المتعلق بأسباب انقضاء تدابير الوقاية والإعفاء منها وإيقاف تنفيذها ( الفصلان 49 و93).وأشارت إليه المادتان 623 و 688 من قانون المسطرة الجنائية، في إطار تنفيذ العقوبة أو ما يعادلها، ولا وجود لأي مقتضى قانوني يربط بين العفو وبين إيقاف سير الدعوى العمومية.ثم كيف نوقف سير البت في الدعوى في مرحلة النقض ولا نوقفها أمام باقي المحاكم، التي رتبت عن العفو الملكي السامي ما ينبغي أن تترتب عنه من آثار قانونية تراعي مبدأ فصل السلط واستقلال القضاء وقرينة البراءة وضوابط المحاكمة العدالة وقواعدها، واستمرت بالبت في كل القضايا التي كانت معروضة عليها، والتي تمتعت فيها بالعفو الملكي 191 نزيلة بالمركب السجني عكاشة، بمناسبة زيارة جلالة الملك لهذا المركب يوم 10/08/2012 (ومن قرارات تلك المحاكم في هذا الإطار القرار الصادر بتاريخ 9/1/2013 في الملف الجنائي الاستئنافي عدد 1672/7/2012 عن محكمة الإستئناف بالدار البيضاء).والاضطراب في العمل القضائي لمحكمة النقض، على النحو المذكور سابقا، ناتج، من جهة، عن عدم النفاذ إلى جوهر القانون ومغزى قرار العفو الملكي لمعرفة الغاية منهما وعن ترجمة غير سليمة لكلمة «نهائي»، التي تضمنها الفصل الأول والفقرة الثانية من الفصل الثاني من الظهير، من جهة أخرى، والتي متى تم أخذها بصيغتها في النص العربي، فإنها تعني الحكم أو القرار الذي لا يقبل الطعن بالتعرض والاستئناف. ومعنى ذلك، من جهة، أن قرار محكمة الاستئناف هو قرار نهائي بدليل ما قررته محكمة النقض لما أعطت للأحكام النهائية مفهومها، بأنها هي الأحكام التي لا تكون قابلة للطعن بإحدى الطرق العادية وهي التعرض والاستئناف ( القرار عدد 1440 بتاريخ 04/03/1998 - ص417 من العدد 55 قضاء المجلس الأعلى). وبدليل ما تنص عليه المواد 415 ، 457 ، 495 و 521 قانون المسطرة الجنائية، التي يفهم منها بوضوح أن القرار النهائي هو القابل للطعن بالنقض، وليس هو القرار الحائز لقوة الشيء المقضي به.ومعناه، من جهة أخرى، أن وضعية النزيل الصادر في حقه قرار استئنافي، والمستفيد من العفو الملكي، لا تدخل ضمن الفقرة الأولى من الفصل 2 المسطر منطوقه سابقا، والتي تنص على أن العفو الصادر قبل الشروع في المتابعات أو خلال إجرائها، بل تدخل ضمن الفقرة الثانية المتعلقة بحالة العفو الصادر إثر حكم بعقوبة أصبح «نهائيا «، حيث «يترتب عنه طبقا لمقتضيات المقرر الصادر بمنحه وفي نطاق الحدود المنصوص عليها في هذا المقرر إما استبدال العقوبة أو الإعفاء من تنفيذها كلا أو بعضا وإما الإلغاء الكلي أو الجزئي لآثار الحكم بالعقوبة بما في ذلك قيود الأهلية وسقوط الحق الناتج عنه «، وبالترتيب على ذلك فإن إيقاف نشر الدعوى العمومية – المنصوص عليه في الفقرة الأولى - لا ينطبق عليه .لذلك، فإن الإشكال قد خلقته صياغة النص بتوجهه توجها معينا غير سليم، لما قرر إيقاف سير الدعوى، وخلقته الترجمة غير الصائبة، لأن النص في صيغته الفرنسية قد تضمن كلمة irrévocable، وهي التي كان ظهير 1958 قد ترجمها إلى عبارة « لا مرد له وقابلا للتنفيذ « وهي العبارة نفسها التي ترجمها ظهير 1977 بكلمة «نهائي»، والفرق بين المصطلحين كبير .وهكذ، ا فإن القضاة الذين يتخطون حرفية النصوص، وصولا إلى تحقيق العدالة وإعمال المبادئ الدستورية الكونية المشار إليها سابقا، لا يعتبرون أن المقصود هو الحكم الذي «لا مرد له والقابل للتنفيذ»، بل يعتبرون أن اللغة الرسمية في التشريع – في انتظار تدليل كل سبل اعتبار الأمازيغية لغة رسمية - هي اللغة العربية، وأن كلمة «نهائي» تعني القرار القابل للطعن بالنقض، فيقرؤون الظهير على هذا الأساس وعلى أساس شمولي، ويفهمون بالتالي قرار العفو، كما أريد له أن يكون، بأنه لا يعني إلا العفو مما تبقى من العقوبة .والغريب في الأمر أن لجنة العفو تجعل من بين شروط اقتراح نيل العفو الملكي أن يكون الحكم حائزا لقوة الشيء المقضي به، بحيث يلاحظ أن سوء الترجمة قد تسببت في التأويلات المختلفة بين القضاء نفسه، في أقسامه المختلفة وبين اللجنة المذكورة . لذلك فإن التعديل الذي أدخل على ظهير سنة 1977، إن لم يكن مقبولا في حينه، فاليوم أضحى التراجع عنه أمرا لا مندوحة منه بالنظر للتوجه الذي أخذه المغرب بخصوص بناء دولة الحق والقانون والمؤسسات، واحترام مبدأ فصل السلط .أما بخصوص عدم بإمكانية صدور العفو عن الجريمة، فقد كان الفصل 4 من ظهير 1958 ينص على « أنه لا يترتب عن العفو إلا الإعفاء من قضاء العقوبة مع بقائها قائمة سيما في حالة تطبيق تكرار المخالفة والإقصاء والتنفيذ المؤجل»، وهو الفصل نفسه الذي أصبح يحمل رقم 3 بعد تعديل 1977 ولم ينص على ذلك - وكان يستحسن بقاء النص على حالته توخيا للوضوح ورفعا لكل لبس - بل نص على أنه « لا يشمل العفو إلا الجريمة أو العقوبة ...» ويكون بالتالي قد أضاف الجريمة إلى العقوبة، ومؤدى ذلك أن العفو يمكن أن يصدر عن مقترف الجريمة بمجرد ارتكابه لها، كما أنه إذا كان في طور المحاكمة من أجل جرائم متعددة فيمكن أن يتمتع بعفو عن جريمة دون غيرها من الجرائم، وبالتالي فإن العفو لم يبق مقتصرا على العقوبة وحدها، بل يشمل حتى الجريمة نفسها.والحال أن العفو ينبغي أن يقتصر على العقوبة دون الجريمة التي تبقى من اختصاص العفو الشامل، أو العفو العام كما سماه الدستور في الفصل 49، باعتباره يمحو الجريمة وآثارها، وينسحب إلى الماضي، على خلاف العفو الذي لا تسري آثاره إلا بالنسبة إلى المستقبل.بقلم: الأستاذ طيب محمد عمر , محام بهيأة الدار البيضاء