وطنية

الهوامل والشوامل: ليس دفاعاً عن “حماس”

كان مُحزِناً جدّاً – على الأقلّ بالنسبة إلى كاتب هذه السطور – أن تتناول التهمةُ الموجَّهة إلى محمد مرسي، (بـ “التخابر” مع الخارج)، اتصالاتِه بحركة “حماس”! هكذا تصبح العلاقة بـ “حماس” موضعَ شبهة في بلدٍ، كمصر، ارتبطت مصائِرُه بمصير قضية فلسطين، وقدَّم في سبيلها آلافَ الشهداء في حروبه الأربعة، مع الدولة الصهيونية، في الأعوام 1948، 1956، 1967، 1973!
لستُ، هنا، في معرض الدفاع عن “حماس”، أو التستُّر على أخطاء قيادتها السياسية، في الأزمة السورية، وفي علاقتها بالنظام القَطري، وفي اندفاعتها نحو الاصطفافات لإقليمية والعربية، التي أخرجتها أو تكاد أن تُخرجها من المعادلة، بعد أن كانت في قلبها قبل عامين. لست أريد شيئاً من ذينك الدفاع والتستّر، لأن شعب فلسطين هو مَن سيحاسب “حماس” على ما ارتكبته من أخطاء، كما حاسب ـ قبلها ـ حركة “فتح” على أخطائها وحماقات “تيار أوسلو” فيها. غير أنّي لا أستطيع – شأن كثيرين غيري – أن أتجرَّع تعريفاً لِـ “حماس” وكأنها عدوّ!!! كما لستُ أستطيع أن أرى فيها – حتى إشعارٍ آخر – غيرَ حركةٍ أصيلة من حركات المقاومة في بلادنا العربية، وقوَّةٍ تمثيلية ذاتِ بالٍ ووزنٍ في المجتمع الفلسطيني. والعلاقةُ بها، بهذا الحسبان، ليست ممّا ينبغي التحذير منه، أو تجريمُه وكِيْلُ الاتهام به، وإنما هي في مقام الواجب الوطني المصري، أو هكذا يَفْتَرض عقلٌ سليم.
هي، إذن، بدايةٌ سيئة – غيرُ مُطَمْئِنة – لعهد ما بعد محمد مرسي نخشى من الإمعان فيها، لما في ذلك الإمعان من آثارٍ في غاية السلبية على صدقية المسار الانتقالي الحالي في مصر، ومن عدوانٍ على الثوابت الوطنية للشعب المصري، وفي قلبها نصرة قضية الشعب الفلسطيني. وإلى ذلك، تَنْضَح التهمة الموجَّهة إلى محمد مرسي بكيْديةٍ مزدوَجَة: ضدّه وضدّ “حماس”، لأنهما معاً من “الإخوان المسلمين”! وهي كيْدية لا يمكن أن تُخفيها المعلومات المتداولة عن عملية تهريب السجناء من السجن – في وادي النطرون – واشتراك مقاتلين من “حماس” فيها. وحتى إذا ما صحَّتِ المعلومات، فإن المتَّهَم فيها ليس “حماس”، وإنما مَن شارك فيها من أفرادٍ ليس ثابتاً، بعد، أنهم تلقوا أوامر بذلك من قيادة الحركة في غزة أو في الدوحة.
نحن، هنا، لا نستهين بما جرى أثناء الهجوم على السجن، ولا نسترخص دماء من سقطوا قتلى من الحُرّاس في الهجوم، وإنما ننبّه على خطر التعميم، وما يستجرُّهُ من نتائجَ سياسية ليس أقلّها التحريض الرخيص ضدّ الفلسطينيين. وهو إذا كان بَدَأ – جزئيّاً – مع محمد مرسي في حملته المعلنَة ضدّ محمد دحلان (وهو أمرٌ غيرُ مفهوم ولا مستساغ من رئيسِ دولة ضدّ سياسيّ فلسطيني معزول من حركته!)، فإن الاستمرار فيه، في هذا العهد الجديد، لن يسيء إلى العهد حصْراً، بل سيُسيء إلى صورة مصر برمّتها حين يتنافس المتنافسون في التحريض على الفلسطينيين، وشيطنة “حماس”!
والحقّ أن التهمة السخيفة ضدّ محمد مرسي، وما تنطوي عليه من نيْلٍ من “حماس” والفلسطينيين جميعاً، لاقتْ – مِن أسفٍ شديد – هوى عند قطاعات عريضة من الشعب والمجتمع الإعلامي، فطفِق كثيرون يشنّعون على “تدخّل الفلسطينيين” في الشأن الداخلي المصري، و”تورّطهم” في المساس بالأمن “القومي” المصري، حتى أن كثيراً منهم تبرَّع بالقول إن الجماعات المسلحة الإرهابية في سيناء تتلقى الدعم العسكري من غزة! وهذا منعطف خطير في تاريخ العلاقة بين شعب مصر وقضية فلسطين تدشّنه جوقةٌ من ذوي المصلحة في عزل مصر عن محيطها العربي، وفي إخراجها من التزاماتها ومسؤولياتها القومية تجاه القضية الوطنية الفلسطينية. ولسنا، هنا، نتّهم شعب مصر – وحاشا أن نفعل ذلك – لكنّنا نشعر بالأسى من تحوُّلِ حالة الحِنْق على “حماس” من حالة سياسية إلى حالة شعبية لن يستفيد منها، في المطاف الأخير، غير “حزب كامب ديفيد” – وهو عريقٌ في مصر ونافذٌ في الدولة – والكيان الصهيوني.
إن كانت “حماس” قد أخطأت في حقِّ فريقٍ سياسي كبير في مصر – مثلما يشاع – فالموقف الوطني السليم لا يكون بمعاقبتها وعزلها وحصارها، وإنما بكسبها إلى صفّ مصر: لأن مصالحةً وطنية فلسطينية من دونها لا تكون، ولأن دوراً مصريّاً فعّالاً في قضية فلسطين يمتنع من دون التفاهم معها، فهي القَدَم الثانية التي تمشي بها الحركة الوطنية الفلسطينية.

عبد الإله بلقزيز, مفكر مغربي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق