خاص

دراسة في القانون: في أفق وضع قانون مغربي خاص بالاتجار في البشر (2/3)

 

المشرع المغربي رصد الظاهرة رغم غياب نص خاص بها

 

لقد أصبح الاتجار في البشر من أعقد وأكثر جرائم العصر الحديث  مساسا وتعديا على الكرامة الإنسانية ، وهو ما يعكسه بجلاء التقرير الدولي الأول حول الاتجار في البشر الذي أصدره مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة UNODOCفي العالم لسنة 2006، والذي توصل إلى نتيجة مفادها أنه  «لا يوجد تقريبا
 بلد محصن ضد هذه الظاهرة ، وأن هناك 127 بلدا تعتبر مصدرا لضحايا الاتجار بالبشر مقابل 137 بلدا كوجهة لهم».

تعتبر الدعارة والرق صورتين تقليديتين للاتجار في البشر عرفتهما البشرية مند الجاهلية، وكان للزوج الحق في التنازل عن زوجته لقاء عوض أو بدونه إكراما لضيفه، بل إن وفاة الزوج كان يجعل الزوجة من مشتملات التركة، بحيث تنتقل مع التركة إلى الخلف العام يتصرف فيها كما يحلو له.
 وبمجيء الإسلام تم وضع حد لمثل هذه الممارسات التي كانت تسيء للإنسان وتنال من كرامته .
وبتطور المدنية تطورت صور الاتجار في البشر كجريمة، بحيث لم تعد قاصرة على الدعارة والعبودية، وإنما شملت السخرة أو ما يعرف بالعمل القسري، تشغيل الأطفال، خدم البيوت، السياحة الجنسية التي تستهدف الأطفال الصغار، الاتجار في الأطفال واستغلالهم في الممارسات الإباحية، الاتجار في الأعضاء البشرية، الهجرة السرية، التسول واستخدام الأطفال الصغار في السرقات، الزواج الصوري أو زواج القاصرات دون رضاهن وبمقابل، زواج المتعة ، بل إن الجريمة امتد مداها خارج إقليم الدولة لتصبح جريمة منظمة عبر وطنية تمارسها شبكات وعصابات إجرامية منظمة تتقاسم الأدوار فيما بينها، علما أن صور الاتجار في البشر مرشحة للارتفاع.
ثانيا: موقف الشريعة الإسلامية من ظاهرة الاتجار في البشر
لقد كانت الشريعة الإسلامية سباقة إلى تكريم الإنسان باعتباره كائنا بشريا قبل أن تقوم بذلك المواثيق الدولية، سواء كانت ذات طبيعة عالمية أو إقليمية.
ونستحضر هنا قول الله تعالى « وكرمنا بني آدم « صدق الله العظيم، وكذا قوله صلى الله عليه وسلم « المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه « وكذا قول الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه « متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا».
    ومعلوم أن مقاصد الشريعة الإسلامية جاءت لرعاية ما يعرف بالكليات الخمس والمتمثلة في الدين والنفس والعقل والنسل والمال .
ومؤدى ذلك أن الشريعة الإسلامية من خلال مقاصدها المشار إليها سالفا جاءت ثورة على مجموعة من الممارسات التي كانت سائدة في الجاهلية كالدعارة والرق .
ثالثا : موقف المشرع المغربي من ظاهرة الاتجار في البشر
  يمكن رصد موقف المشرع المغربي من هذه الظاهرة الاجتماعية بالرغم من غياب نص خاص من خلال مجموعة من النصوص التشريعية بدءا بالدستور باعتباره أسمى تعبير عن إرادة الأمة ، ومرورا بمدونة الشغل الجديدة وانتهاء بالقانون الجنائي وبعض القوانين الجنائية الخاصة.
أ/ على مستوى الدستور المغربي الجديد:
     أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس من خلال خطابه السامي ليوم 17 يونيو2011 على دسترة كافة حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا و بكل آليات حمايتها وضمان ممارستها ، وهو ما سيجعل من الدستور المغربي دستورا لحقوق الإنسان وميثاقا لحقوق وواجبات المواطنة .
     وتحقيقا لهذا الهدف السامي تمت دسترة سمو المواثيق الدولية كما صادق عليها المغرب على التشريع الوطني، ومنع كل الممارسات المهينة للكرامة الإنسانية وتعزيز الضمانات الدستورية لحقوق الطبقة العاملة ودسترة المجلس الوطني لحقوق الإنسان وتعزيز المكانة الدستورية للأحزاب السياسية والهيآت النقابية والمهنية ومنظمات المجتمع المدني  وإحداث مجلس أعلى للأمن تحت رئاسة الملك يضم في عضويته السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والوزراء والمسؤولين والشخصيات المعينة .  
ب/ على مستوى مدونة الشغل 65.99.
     لقد تم التأكيد في مدونة الشغل الجديدة على منع كل أشكال العمل الإجباري أو القسري، وذلك من خلال المادة 10 التي جاء فيه «يمنع تسخير الأجراء لأداء الشغل قهرا أو جبرا «.
    وانسجاما مع هذا المبدأ  العالمي سبق أن طالبت منظمة العمل الدولية التي يوجد مقرها بجنيف السويسرية  من المغرب  تعديل الفصل 24 من القانون الجنائي المغربي الذي ينص على أن عقوبة  السجن تنفذ داخل سجن مركزي مع الإنفراد بالليل، لما سمح المكان بذلك، مع الشغل الإجباري فيما عدا حالة ثبوت عجز بدني .
    وحماية للأجيرة اعتبر المشرع المغربي من خلال المادة 40 من مدونة الشغل التحرش، بهذه الأخيرة أو تحريضها على الفساد من قبل رب العمل بمثابة خطأ جسيم، وأن مغادرة الأجيرة عملها في هذه الأحوال يعتبر فصلا تعسفيا يستلزم إما الرجوع إلى العمل أو المطالبة بالتعويض في إطار دعوى الخيار.
     ومنع المشرع المغربي من خلال المادة 143 من مدونة الشغل تشغيل الأطفال دون 15 سنة من عمرهم ، كما منع من خلال المادة 145 تشغيل الأطفال دون 18 سنة ممثلا أو مشخصا في العروض العمومية المقدمة من قبل المقاولات التي تحدد لائحتها بنص تنظيمي دون إذن مكتوب يسلمه العون المكلف بتفتيش الشغل وذلك لعدم استشارة ولي أمره.
    وتأكيدا على حماية الطفل دائما، منع المشرع المغربي بمقتضى المادة 147 من مدونة الشغل تكليف أحداث دون 18 سنة بأداء الألعاب الخطرة أو القيام بحركات بهلوانية أو التوائية أو أن يعهد إليهم بأشغال تشكل خطرا على حياتهم أو صحتهم أو أخلاقهم ؛ كما يمنع استغلال أحداث دون 16 سنة من قبل شخص يحترف مهنة بهلوان.
     وبمقتضى المادة 150 من مدونة الشغل  عاقب المشرع المغربي بغرامة من 2000 درهم إلى 5000 درهم على عدم التوفر على الإذن المنصوص عليه في المادة 145 وكذا عدم التقيد بالمادة 146 من مدونة الشغل .
     وفي الإطار نفسه يعاقب بغرامة من 25.000  إلى 30.000 درهم على مخالفة المادة 143 الخاصة بتشغيل الأطفال دون سن 15 سنة، وفي حالة العود تضاعف الغرامة مع الحكم بحبس تتراوح مدته ما بين 6 أيام و3 أشهر أو بإحدى هاتين العقوبتين.

بقلم: يونس العياشي, قاض ملحق بوزارة العدل والحريات – دكتور في الحقوق

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق