ملف الصباح

تاريخ معمار البيضاء

ليس غريبا أن يقضي المرء ردحا طويلا من الزمن في مكان ما دون أن يؤثر أو يتأثر به، وهذا كان حال مهندسين معماريين أجانب، فرنسيين في الغالب الأعم، حلوا في الحقبة الاستعمارية بالمغرب. وخلف هؤلاء وراءهم آثارا بارزة وقوية مازالت شاهدة إلى اليوم على متانة وبديع صنعتهم بمدينة من حجم الدار البيضاء، إلى درجة أن هناك من يترحم على الأيام التي كانوا يتولون فيها إعمار المدن وتشييد العمارات الشاهقة، حينها، والصلبة الأركان والجذابة منظرا وشكلا. في هذه الحلقات نسترجع مع القراء الكرام بعض مشاهد العمران في هذه العاصمة الإفريقية البارزة، كما كانت توصف إبان الفترة الاستعمارية للقارة الإفريقية. المرجع الذي نستند إليه في تجميع معطيات هذه الحلقات (دليل معمار القرن العشرين بالدار البيضاء، إنجاز جمعية الدار البيضاء الذاكرة).

بصمات أربعة مهندسين بشارع محمد الخامس

كثيرة هي المشاريع الهندسية المعمارية التي تطلب إنشاؤها تضافر جهود وعمل أكثر من مهندس واحد. ومن أبرز الأمثلة على هذا نجد عمارة “Grand Bon Marché” التي توجد بجوار ممر السوق الكبير وسوميكا بشارع محمد الخامس في وسط البيضاء.
فهذه العمارة التي انطلقت أشغال البناء فيها سنة 1929 واستمرت أربع سنوات هي من إنجاز المهندسين المعماريين أوغيتست كادي وإدموند بريون ومارسيل ديسمت. وهي مثال لكتلة إسمنتية تتعالى فوق ممر سوميكا والسوق الكبير بشكل رشيق في شكل عارضات عمودية ثلاث كل واحدة منها متوجة بغلاف ذي أهداب مقطوعة، بحيث تشكل جبهات صغيرة مزخرفة بفسيفساء الحث ذي التلاوين المعدنية الزرقاء والخضراء البديعة والزاهية، وهو الفسيفساء نفسه الذي يوجد تحت السقيفات التي تعلو الشرفات.
ومن كلتا جهتي العمارة تتوج الأحجام المتراجعة ثلاثة مستويات من الدرجات، والممرات التي تتلاقى في وسط البناية منارة بشكل طبيعي عبر زجاجية يسندها الحديد المسطح.
على يمين هذه العمارة، توجد عمارة أخرى تحمل اسم “تريانون”، والتي تحمل توقيع مارسيل ديسميت ، إذ شيدها سنة 1935 بأسلوب تكعيبي بارز. وعلى يسارها أنجز المهندس المعماري بروين عمارة القرض الفلاحي سنة 1947 بأسلوب معماري مبسط، أما الباب الهائل للعمارة، فهو من إنجاز الحداد الفرنسي الشهير رايموند سيبيس.
وبشارع محمد الخامس دائما وقع المهندس المعماري، ماريوس بوايي، على تحفة معمارية متميزة تحمل اليوم اسم عمارة ماروك سوار. فهذه العمارة يرجع تاريخ بنائها إلى سنة 1924، وكانت سابقا مقرا لجريدة  La Vigie Marocaine، إذ منح برج هذه العمارة المتوج بالقرمود الأخضر بعدا رسميا يقارب معمار البنيات الإدارية التي كان أسلوبها المغربي الجديد خاضعا لتعاليم الحماية، وهو ما يبرز المكانة الهامة التي كانت تحتلها هذه المجموعة الصحافية التي رأت النور في العقد الأول من القرن العشرين في المدينة القديمة للبيضاء باعتبارها لسان حال السلطات الاستعمارية، قبل أن تصير لسان حال السلطات المغربية في فترة ما بعد الاستقلال، خاصة بعد ظهور يومية “لوماتان”.
واستخدم بوايي في بناء هذه العمارة العناصر المعمارية الموريسكية الجديدة في العشرينيات من الشرائط المنقوشة بوفرة في جوانب الفتحات في قلب الأقواس، تعلوها أفاريز مغطاة بالقرمود الأخضر والزليج والتلبيس في الداخل، أما الواجهات بالألومينيوم الأسمر والزجاج المضبب، تحت أقواس شارع محمد الخامس فهي إضافة في الثمانينات، وفي سياق الذوق المغربي الجديد نفسه، يمكننا أن نلاحظ أبعد من ذلك على الرصيف نفسه غرفة التجارة والصناعة الخدمات، وخلفها كذلك مصلحة البريد في زاوية زنقة الشاوية وشارع محمد الخامس اللذين شيدهما معا مهندس معماري فرنسي آخر اسمه بيير بوسكيت سنة 1918.

مـاريــوس بــوايـي

ولد ماريوس بوايي بمدينة مارسيليا الفرنسية سنة 1885. درس الهندسة المعمارية في المدرسة الوطنية للفنون الجميلة بباريس، حيث حصل على دبلوم، قبل أن يشد الرحال إلى المغرب، حيث استقر سنة 1919 بالبيضاء التي شيد بها عددا من المآثر العمرانية، وبقي فيها حتى وافته المنية سنة 1947.

محمد أرحمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق