ملف الصباح

يـومـيــات محـتـجـز فـي تندوف : إعـدام “الــثــوري”

حكاية محمد ترسيم الملقب بمصطفى الطاهر المحتجز في مخيمات بوليساريو تلخص معاناة جيل من الشباب المغرر بهم، هو الشاب اليافع،ابن السادسة عشرة، الذي سافر بداية السبعينات من مسقط رأسه كلميم إلى موريتانيا من أجل الهجرة إلى أوربا بأوراق موريتانية كما كانت العادة آنذاك

. لكن السمعة التي اكتسبها ميكانيكيا ولحاما بارعا جعلت بوليساريو ترسل وراءه من يجنده للاستفادة من خبرته المهنية التي مكنته من تركيب سيارة “جيب” الأولى لبوليساريو.  ترسيم بدأ مسار الهروب والعودة إلى المغرب منذ الشهر الأول بمعسكرات الجبهة، لم يستغرق منه الأمر إلا أياما قليلة ليكتشف الخديعة وليكبر داخله الندم، تعددت محاولاته للهروب ليجرب كل أنواع السجن والاختطاف.

 

 من كان المعني بحكم الإعدام ذلك اليوم؟
 أخرج الحراس الحسين ولد أحمد الملقب بـ”الثوري” من بين أفراد المجموعة، حينها فقط تمكنت من تمييزه عن الباقين، مادامت أجسام الجميع طليت بـ”الجير” الأبيض، بدا واضحا أن الضرب، الذي تعرض له طيلة الأسبوع السابق، قد غير من شكله كثيرا خاصة في رأسه حيث بدأت عليه انتفاخات كثيرة في أعلى الوجه وخلف أذنيه.
رغم حالته المزرية لم تأخذهم به رحمة وأخبروه أنهم سيقتلوه ، ثم تقدم نحوه أحد الرماة و يدعى “حمدي الأعور” الملقب بـ “سالم ربييع” وهو يحمل رشاشا من طراز “مات 49” أو “مجينينا” كما كنا نسميه لسرعة طلقاته لدرجة أنه كان يطلق عياراته دون أن يضغط أحد على زناده.
سدد الأعور طلقة واحدة في اتجاه الثوري إلا أنه جانب الهدف وأصاب الحسين إصابة بالغة في يده، دخل المسكين بعدها موجة من الصراخ لشدة الألم، بعد ذلك بادر جلاد آخر اسمه “النكعة” فأخذ السلاح وأطلق النار على “الثوري” فأصابه بين العينين. سقط “الثوري”  يترنح مستلقيا على ظهره، كل ذلك لم يشف غليل  سالم ربييع “الأعور”، فما كان منه إلا أن أخذ السلاح الرشاش من جديد موجها إلى الرجل سيلا من الطلقات في اتجاه الرأس في ما اخترقت إحداهن عينه، ما إن سكت “المجينينا” حتى ظهرت تقاسيم وجه “الثوري” بعدما غسل الدم التراب من على وجهه وتحولت الملامح الباكية إلى ما يشبه الابتسامة، ومرة أخرى يتكلم “بركة ولد بوزيد” في حضور الموت قائلا “قطعا هذا شهيد”.
 كيف كانت تبعات هذا الإعدام على الجو العام داخل المركز؟
 في حضر المدعو سالم ربييع أو حمدي لعور وهو أحد صقور قيادات التعذيب، إلى درجة أنه كان يستمتع و يتلذذ بممارسة مهنته، وجاء إلى المكان الذي كنت أحتجز فيه رافعا سلاحه نحوي ليطلب مني الخروج من الحفرة، ثم استفسرني عن الكلام الذي دار بيني وبين بركة ولد بوزيد  ذلك اليوم في الزنزانة تحت أرضية، فصرحت له إنني لم أقل شيئا عندها أمرني بأن أرفع يدي فوق رأسي وعدل موضع سلاحه كما يفعل رماة الإعدام، لكنه صوب طلقته نحو الأعلى. وبشدة الفزع الذي سببه لي سال أنفي بالدماء، وقع لي نزيف حاد في الأنف واتسعت رقعة الدم على الأرض إلى حد جعل “ربييع” يسرع نحوي ويحكم إغلاق أنفي بأصبعيه، ثم شرع في الصراخ آمرا الحراس بإحضار الممرض ولوازم إيقاف نزيف الأنف، خاصة منها عقاقير فيتامين “ك” وفتيل القطن المخصص لذلك.
فرحت كثيرا عندما أفقت بعد دقائق من فقدان الوعي، لأنني لم أصب جراء إطلاق النار ومازلت حيا أرزق، وكان لهذا الحادث تأثير سلبي على حالتي الصحية، النفسية منها والبدنية، إلى درجة أن المسؤولين عن المركز ربطوا الاتصال بالقيادة العسكرية بالرابوني يعلمونها بما وقع لي ويطلبون منها إرسال عربة تؤمن نقلي إلى مركز “الرويضة” الذي يجمع بين جنباته سجن ومستشفى، وهو ما كان سيساعد على تماثلي للعلاج.

ياسين قطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق