حوار

عمر السيد : أرفض الوصاية الفنية على الموسيقيين الشباب

عمر السيد “عراب” مجموعة “ناس الغيوان” يكشف لـ “الصباح” كواليس الأغنية الأمازيغية الجديدة “تيديكلت”

تحيي مجموعة “ناس الغيوان” مساء اليوم (السبت) سهرة فنية ضمن فعاليات مهرجان “تيميتار” بأكادير بفضاء “ساحة الأمل”. ومن المنتظر أن يعيش جمهور المهرجان لحظات يستعيد فيها ألق المجموعة الأسطورية التي طبعت مسار الفن المغربي. عمر السيد عميد مجموعة ناس الغيوان وعرابها يتحدث في هذا الحوار الذي خص به “الصباح” عن مشاركة المجموعة في المهرجان، وعن مشروع الألبوم الجديد الذي يتضمن لأول مرة أغنية باللغة الأمازيغية وظروف إنجازها وأشياء أخرى تجدونها طي الحوار.

< تحيي مجموعة “ناس الغيوان” اليوم (السبت) سهرة فنية ضمن فقرات مهرجان “تيميتار” بأكادير. ماذا يمكن أن تقول لنا عن هذه المشاركة؟  
< ستكون مشاركة بلا شك متميزة خاصة أن هذا المهرجان الذي تحتضنه عاصمة سوس أكادير، أضحى مع مرور الوقت حدثا فنيا بارزا يخلق نوعا من الإشعاع الفني والثقافي لعاصمة سوس، كما أضحى قبلة للعديد من الأسماء الفنية الكبيرة التي تؤثث أمسياته ويتعرف عليها الجمهور الغفير الذي يحج إلى أكادير خلال أيام المهرجان من كافة مناطق المغرب وخارجه، وهذا ما يجعل مشاركة مجموعة “ناس الغيوان” في هذا المهرجان في ذكراه العاشرة بوقع خاصة أن جمهور أكادير له صلة وثيقة بالمجموعة وهذه فرصة سانحة لتجديد أواصر هذه العلاقة وتمتيع عشاق الغيوان بباقة من ريبرتوار المجموعة سواء القديم أو الجديد، وأود بهذه المناسبة أن أشكر عزيز أخنوش رئيس المهرجان الذي وفر كل الظروف الملائمة لمجموعة ناس الغيوان لتكون في حجم تطلعات جمهورها.

 ما هي طبيعة مشاركة “ناس الغيوان” خلال المهرجان وما هي نوعية الأغاني التي ستقدمونها؟
  مما لا شك فيه أن كل إطلالة للمجموعة أمام الجمهور إلا وتحرك فيه نوعا من الحنين النوستالجي إلى الأغاني الشهيرة التي ميزت مسار المجموعة وهو ما يجعلنا حريصين على إعادة تقديم نماذج من هذه الأغاني بالأصوات الجديد التي عززت “ناس الغيوان” وضخت فيها دماءا جديدة وتشكل استمرارية لها، لكن في الوقت نفسه لم يكن التحاق العناصر الجدد مثل رشيد باطما وشقيقه حميد وكذلك العازف عبد الكريم الشيفا فقط لترديد الريبيرتوار القديم، فالمجموعة قدمت في السنوات الأخيرة أغان جديدة تستحق أن يتعرف عليها الجمهور وهو ما نسعى إلى تأكيده من خلال مشاركة اليوم.

 أقدمت مجموعة “ناس الغيوان” على تسجيل أغنية باللغة الأمازيغية ما هي ظروف وملابسات هذه “المغامرة الفنية”؟
  كان وراء فكرة هذه الأغنية رشيد باطما، فبحكم العلاقة التي تربطنا بمجموعة “إزنزارن” فقد تم طرح هذه الفكرة ونسقنا مع بعض أعضاء هذه المجموعة لتنفيذها بأسلوب غيواني رغم أن رشيد باطما ليس أمازيغيا لكنه تحمس للفكرة وأراد تحقيقها بأي طريقة وهو ما توفق فيه بعد أن بذل جهدا ملحوظا في فهم كلمات النص والتدرب على نطقها باللغة الأمازيغية وهي المسألة المحسوبة لرشيد الذي عودنا على النبش والاجتهاد، فهو ينطبق عليه المثل المغربي القائل “الذيب الشمشام أحسن من السبع الراكد” وظهر ذلك جليا من خلال بحثه المتواصل عن الجديد النوعي الذي يضيفه إلى تجربة “ناس الغيوان” عبر الألبوم الجديد الذي سيصدر قريبا بعنوان “البركة” والأغنية الأمازيغية المتضمنة فيه تطرح قضية التنوع الثقافي والحضاري للمغرب وكذلك مسألة توحيد هذا التنوع وكأننا كف واحدة ومن هنا جاء عنوان الأغنية الأمازيغية الجديدة “تيديكلت” وهي تعني كف اليد، وكتب كلمات هذه الأغنية محمد حنفي شاعر مجموعة “ازنزارن”، وكان بعض أعضاء المجموعة خاصة حنفي وبايري وإيكوت ومولاي إبراهيم يتنقلون إلينا هنا في الدار البيضاء للمساعدة في إنجاز الأغنية، وبالنسبة إلي فقد أردت أن يؤدي القطعة رشيد وحميد باطما باعتبار أنهما “عروبيان” ومن شأن غنائهما بالأمازيغية أن يمنح الأغنية طابعا خاصا يرمز إلى الوحدة والتآلف بين مكونات هذا البلد، ومن شأنه كذلك أن يعيد الاعتبار للغة الأمازيغية التي أضحت الآن لغة رسمية بالمغرب.
 كم يتضمن الألبوم الجديد لمجموعة ناس الغيوان؟
 يضم عشر أغاني بما فيهم أغنية “تيديكلت” فضلا عن أغان أخرى في مواضيع مختلفة، وقد جرى تسجيل قطع الألبوم هنا في المغرب وأجري عليها “الماسترينغ” بباريس تحت إشراف عبد السلام عبابو، وقد اعتمدنا في الأغاني الجديدة نصوصا للراحل العربي باطما لم يسبق لها أن رأت النور، فضلا عن نصوص أخرى لشقيقه الزجال عبد الرحيم باطما، أما الألحان فقد خضعت للعمل الجماعي كما هو شأن جل أغاني ناس الغيوان.

  باعتبارك عضوا أساسيا مخضرما داخل “ناس الغيوان” عايشت جيل المؤسسين والخلف، كيف تستشرف مستقبل المجموعة؟
  لن يكون إلا مستقبلا واعدا بالمزيد من العطاء، فمجموعة “ناس الغيوان” تعاقبت عليها النكبات برحيل رموزها مثل بوجميع والعربي باطما وعبد الرحمن باكو، وتقاعد علال يعلى بسبب المرض، لكن لا يعني هذا أن تتوقف المجموعة، فهؤلاء أسسوا تجربة ومدرسة وآن لها أن تستمر حتى في غيابهم أو غيابي فالأمر يتعلق بتجربة أصبحت تتجاوز الأفراد المؤسسين لها ومن حقها أن تستمر للأجيال الحالية أو القادمة، فتجربة ناس الغيوان مثل نهر دافق لا يكترث بما يعترضه ما يهم هو أن يستمر في الجريان ويستفيد منه الجميع.

  كثيرون كانوا يقولون إنه بعد رحيل أغلب أعضاء المجموعة كان حريا بها أن تتوقف وتحتفظ لنفسها بالصورة التي كونها الناس عنها، ما رأيك في هذا الطرح؟
  هذا طرح مغلوط، والدوام لله فقط فبوجميع أو العربي أو باكو أو علال أو عبد ربه لا أحد خلد أو سيخلد الكل ماض نحو الزوال، وما يهم هو أن يظل هناك عطاء فني سواء مع الرواد أو مع الخلف الذين تسلموا المشعل أو سيتسلمونه.

  لكن الوهج الذي كان يميز مجموعة “ناس الغيوان” لم يعد هو نفسه، هل الأمر راجع إلى قوة المؤسسين أم إلى تغير الظروف؟
  الأمر لا يتعلق بنوعية الأفراد الذين يقودون المجموعة، فالظروف تغيرت كثيرا وتفكير الناس والشباب تغير وصار الفنانون منهم أكثر وعيا بمجموعة من الأمور الفنية خاصة على مستوى التواصل وتسويق الأعمال الفنية، وهو ما يتحتم على أعضاء المجموعة أخذه بعين الاعتبار ولعلنا ماضون في هذا الطريق خاصة في الظروف التي نهيئ فيها الألبوم الجديد بما يتوافق مع طبيعة متطلبات الفترة الراهنة فالموهبة وحدها لم تعد تكفي لنجاح العمل الفني كما الأمر في السابق، بل هناك أمور خارجية ومحيطة بالفنان عليه أن يعرف كيف يتعامل معها.

  كيف تستشعر غياب الراحلين من المجموعة وأنت تغني مع خلفهم على الخشبة؟
  ما زلت أعيش على ذكرى رفاقي الراحلين الذين لن أنساهم أبدا مثلما لن ينساهم التاريخ، فلا أخفيك أنني عندما أكون على خشبة الغناء أتخيل العربي وبوجميع وباكو يطوفون بحركاتهم المميزة، قد يعتبر هذا ضربا من الخرف أو الجنون، لكنها الحقيقة فهؤلاء أمضيت معهم لحظات ليس من السهل نسيانها لذا فإنني أستحضرهم دائما مثلما أستحضر آخرين مثل السوسدي ومحمود السعدي ووالدتي وابنتي سهام رحمهم الله جميعا.

  أفرزت السنوات الأخيرة مجموعة من التجارب الغنائية الجديدة الشابة اختارت أساليب مختلفة للتعبير عن نفسها موسيقيا كيف تنظر إلى هذه التجارب؟
  أعتبر المجموعات الغنائية الشابة امتدادا لتجربة ناس الغيوان بشكل أو بآخر، لكن بطريقتهم الخاصة، فلكل أسلوبه في التعبير وله كامل الحرية في اختيار الآلات الموسيقية أو الأنماط الغنائية التي يراها مناسبة، فأنا أرفض الوصاية الفنية على الموسيقيين الشباب أو “ثقافة الإقصاء”.

 ألا تفكر مجموعة “ناس الغيوان” في خوض مغامرة فنية والدخول مع إحدى الفرق الشبابية في تجربة غنائية مشتركة؟
  من الصعب تحقيق ذلك، فنحن في مجموعة “ناس الغيوان” تشبعنا ب”التراب” والارتباط بالتراث الفني المغربي فعندما تسمع المرحوم العربي باطما يغني أحد مواويله أو بعض المقاطع تستشعر مدى انغراسه في البيئة الشعبية المغربية، كذلك الشأن بالنسبة إلى شقيقه رشيد المسكون بطيف العربي، أو حميد باطما الذي لا يقلد أحدا فله أسلوبه الخاص في العزف والغناء، أو العازف المتميز عبد الكريم الشيفا “اللي داير يد الله مع المجموعة” ولا أقول عوض علال يعلى، لأنه لا أحد يعوض أحدا فلكل طابعه الخاص، وهذا العازف الجديد أضفى روحا خاصا بعزفه المضبوط والراقي على آلة “البانجو”.

في سطور

يعد الفنان عمر السيد الذي يعمل منذ سنوات من أجل الحفاظ على بقاء مجموعة “ناس الغيوان” الأسطورية واستمرارها بمثابة الذاكرة الحية التي تحاول صون تراث ولد من داخل الرحم الشعبي في بداية السبعينات، فعمر السيد إلى جانب رفاق رحلته الغيوانية بوجميع والعربي وعلال وباكو والجيل الجديد للتجربة، جاؤوا بنمط اعتبر رد فعل مزدوج توخى إعادة الاعتبار للغناء الشعبي بمقاماته وأغراضه وأدواته الموسيقية، وقد اعتبرت الحركة الغيوانية لدى كثير من المهتمين حركة توصيل لا حركة تطريب فحسب، وحتى آلاتها الموسيقية البسيطة تميزت بإيحاء عميق وبساطة لا تنفي سر نغماتها المتوازية والمنسجمة والجذابة.

أجرى الحوار: عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق