fbpx
مقالات الرأي

كنوز: العنف الرقمي … مجرمون أونلاين!

في زمن أضحى فيه الإنترنت احتياجًا أساسيًا في حياتنا،وباتت فيه منصات التواصل الاجتماعي السمة الأبرز للعصر وعنواناً للتفاعل بين الناس،إذ لا يمكن أن يمر يوم دون أن نستخدمه، لأي سبب، بداية من متابعة حساباتنا ونشاط أصدقائنا على هذه المواقع ، إلى تصفح المواقع الإخبارية، أو البحث عن عناوين أماكن نريد الوصول إليها، أو تقديم أوراق ودفع فواتير، وربما التواصل عبر تطبيقات الاتصالات المجانية، وغير ذلك الكثير.. إنحرفت هذه الوسائل عن خطها الصحيح و أهدافها الحقيقية وصارت سلاحاً خفياً جباناً وحقيرًا مهما اشتد فتكه. يستخدمه البعض لممارسة عقدهم ومكبوتاتهم و عنترياتهم الصاخبة و الخاوية في إيذاء الآخرين والتحكم بهم طول الوقت، بل وإذلالهم وإحراجهم من خلف قناع مجهول الهوية.

إذ أن أخطر ما ينطوي عليه ولوج عالم الانترنيت هو توفير حرية سائبة للمستخدم وغير منضبطة أو فوضوية، ماداموا بعيدا عن أعين الناس، وأن وجودهم منفردين وحدهم مع أجهزة الحاسوب يعني أن لا أحد يراقب سلوكياتهم ويضبطها،مما جعلهم يعتقدون أن بإمكانهم ممارسة أي سلوك عنيف أو مشين، الأمر الذي أدى لتحولها إلى ساحة مفتوحة لممارسة جميع أنواع الإجرام الممكنة والمحتملة وأنواع العنف القائم على النوع الاجتماعي ، ومن أكثرها شيوعًا المطاردة والملاحقة الإلكترونية، والابتزاز الإلكتروني، والمراقبة والتجسس على أجهزة الحاسوب، والاستخدامات غير القانونية باستخدام التكنولوجيا والإنترنت للصور ومقاطع الفيديو باعتماد برامج تعديل الصور والمقاطع وتحريفها والتهديد بها، وانتحال الأسماء والشخصيات وإثارة الإشاعات والنعرات في المجتمع وغيرها…

ومن ضمنها هذه الجرائم ظهور نوع جديد من العنف يسمى العنف الإلكتروني أو العنف الرقمي، ويعرّف بأنه كل سلوك غير أخلاقي وغير مسموح به يرتبط بوسائط الالكترونية ،واستخدام كاميرات الهواتف، والبلوتوث، والتسجيلات الصوتية، بالإضافة لاختراق الخصوصيات عبر مواقع الانترنت؛ بهدف إيقاع الأذى بالآخرين، ويعد العنف الالكتروني من اخطر أنواع العنف لكون المصدر مجهولا وغير ملموس ﻭﻻ ﺃﺜﺭ ﻭﺍﻀﺢ ﻟﻪ ﻟﻠﻌﻴـﺎﻥ ، فهذه المشكلة تكمن في أن المجني عليه إما أن يكون جاهلا بحقوقه القانونيّة، التي تحميه من أي عنف إلكتروني من ناحية، أو يرفض البوح خوفًا من وصمة العار أو الإساءة لسمعة والخشية من الفضيحة العلنية.
ولأن المجتمع يرى في النساء الحلقة الأضعف والملجأ الأسهل، كان لا بد من أن يصيبهن الكيل الأكبر من الأذى وينصب على كل ما يطال سمعتهن وشرفهن وصيتهن وحتى مظهرهن. وهذه الظاهرة تأخذ في المغرب والعالم العربي وجهاً أكثر حدة وتتحول إلى نوع جديد من العنف ضد المرأة، هذه الأخيرة التي وجدت في عالم الأنترنيت نافذة للحرية حيث أتاح لها مساحة من حرية التعبير والتواصل والعمل أيضًا لم تكن لتتاح لها من دونه، ولكنه في المقابل، فتح بابًا على شكل جديد من أشكال العنف ضد المرأة، وهو “العنف الإلكترونى”.سواء من خلال التصوير أو تسجيل المحادثات أو الرسائل أو المقاطع الخادشة للحياء.

إن التحرش و الاعتداء و سوء المعاملة و العنف بالفضاءات العمومية مشكلةً مؤرقةً تعانيها النساء بالعالم العربي، فإنهن بالقدر ذاته يواجهن اليوم شيوع الظاهرة على منصات التواصل الاجتماعي ، مع تزايد المضايقات و ﺘﺭﻫﻴﺏ والعنف القائم على أساس النوع على شبكة الإنترنت، وغالباً بدون إخضاع مرتكبيهما للمساءلة القانونية . فمن الإساءات اللفظية اللاذعة و المضايقة العنصرية في الرسائل الخاصة، إلى سلوكات التنمر والابتزاز والتلاعب وحملات تشويه السمعة والإشاعات الكاذبة من خلال نشر الصور والفيديوهات الشخصية، وصولاً إلى التهديد باللجوء إلى العنف والمس بالسلامة الجسدية أو المعنوية ، ترتفع صرخاتُ الضحايا وتتجاوب مبادرات المدافعين عن الحقوق النسائية للتصدي للظاهرة مع هذه الصرخات بالاحتجاج تارة ، والتنديد الخطابي تارة أخرى .
إن التهديدات بالعنف والإساءة التي تتعرض لها العديد من النساء تُحدث آثار نفسية واجتماعية ومادية واقتصادية كبيرة، ولكن الآثار الأكثر انتشارًا هي النفسية التي تشعر بها معظم النساء اللاتي يتعرضن للعنف الإلكتروني، ومن أكثر هذه الآثار النفسية شيوعًا القلق وتشوه الصورة الذاتية و الأرق ونوبات الهلع والخوف الشديد من مغادرة المنزل بالإضافة إلى الشعور بالإذلال. وأحيانًا تصل إلى حد أكثر تطرفًا كالأفكار الانتحارية أو الانخراط فى سلوك إيذاء النفس، أما الآثار الاقتصادية للعنف الإلكتروني ضد المرأة فهي الأخرى خطيرة، فأحيانًا تكون نتيجته فقدان وظائفهن بسبب التشهير أو نشر صور إباحية انتقامية وبالتالي تفقد الرغبة حتى في مباشرة وظيفتها، وتبقى بلا مورد مالي.

مما يشكل تأثيراً ضاراً و انتهاكا مباشرا لحقهن في حرية التعبير وإبداء الرأي عن أنفسهن بشكل متساوٍ وحر وبدون خوف. وبدلاً من تعزيز حريتهن في التعبير والنضال من أجل الحصول على حقوقهن المدنية والاقتصادية والسياسية والمساواة بين الجنسين ، فإن هذه التهديدات تقودهن إلى ممارسة الرقابة الذاتية المسبقة على ما ينشرنه من تدوينات وتعليقات، والحد من تفاعلاتهن على الإنترنت، وتؤدي في بعض الحالات إلى ابتعاد النساء كلياً عن هذه المواقع.
وفي لحظة قاسية من التحول العنيف للزمن،عندما تستخدم النساء في سائرأنحاء العالم قوتهن الجماعية وعزيمتهن في تضامن مشترك للتجرؤ ورفع أصواتهن عبر منصات التواصل الاجتماعي، تفشل وسائل التواصل الاجتماعي في الانترنيت في احترام حقوق الإنسان وإيجاد ميكانزمات شفافة لكيفية التصدي للعنف والإساءة على منصاتها بشكل كافٍ. وهذا يعني أنه بدلاً من أن تستخدم النساء أصواتهن من أجل إحداث تغيير إيجابي في العالم، فإنه يتم دفع العديد منهن إلى الوراء نحو ثقافة الصمت والحضور الباهت.

ويتخذ العنف والإساءة القائمة على النوع على مواقع التواصل عدة أشكال مختلفة، منها التهديدات المباشرة أو غير المباشرة الناشئة عن ارتفاع مستوى العنف الجسدي أو الجنسي والإساءة التي تستهدف جانباً أو أكثر من جوانب هوية المرأة، من قبيل العنصرية أو رهاب التحوُّل الجنسي؛ والمضايقات المستهدفة وانتهاكات الخصوصية، من قبيل نبش معلومات خاصة عن شخص ما ونشرها على الإنترنت بقصد إلحاق الأذى به، وتبادل صور جنسية أو حميمة لامرأة بدون موافقتها. إن هدف هذا العنف والإساءة هو خلق مناخ عدائي على الإنترنت قصد ترهيب أو إهانة أو الحط من شأن النساء بهدف إلحاق العار بهن أو ترهيبهن أو إهانتهن أو الحط من شأنهن وفي النهاية إسكاتهن.
ويتعلق الأمر باختلالات التنشئة داخل المجتمع، وما لها من علاقة بإعادة إنتاج الهيمنة الذكورية عبر الأجيال، والحرمان الجنسي، الشيء الذي يؤدي إلى اختزال المرأة في جسدها والتنقيص من قيمتها بالمجتمع، فضلاً عن التخبطات التي تعيشها منظومة القيم وانهيار مستويات التعليم والوعي بالمنطقة العربية على وجه الخصوص، وما لها من علاقة بإعادة إنتاج الهيمنة الذكورية عبر الأجيال..

على الرغم من انتشار ظاهرة التحرش الرقمي وطـرح نفسـها بقـوة علـى مسـتوى الدولـي الإقلیمـي و الوطنـي ، ، فإن المنظومة القانونية واﻟﺘﺸﺮﻳﻌﻴﺔ بالبلدان العربية لا تزال تغيّب هذا المعطى في مقتضياتها القانونية، والحقيقة أنّ جمعيات النِّسوية لا تزال تناضل في عدد من الدول لكسب رهان تجريم التحرش الجنسي. و الأهم من ذلك كله هو عدم سكوت الضحايا على تعرّضهن للتحرش، وذلك من أجل إخراج الظاهرة للعلن، والتواصل مع الجهات المختصة للحصول على الحماية والتحسيس بخطورتها وبانعكاساتها النفسية والاجتماعية على المتضررات. بالإضافة الى تشكيل مبادرات رامية إلى تنظيم حملات التوعية والتحسيس والتصدِّي للعنف الرقمي، من خلال تقديم الحماية لضحاياه أو فضح المتحرشين، و القيام بحملات تحسيسية في المؤسسات التعليمية وبين الأسر من أجل التوعية حول الظاهرة وتعزيز ثقافة البوح وعدم السكوت عن التحرش الجنسي فضلاً عن الاستعمال السليم للوسائط التكنولوجية.

ولكن في الختام تبقى هذه المبادرات محتشمة طالما أن النساء الناجيات يخجلن من التبليغ الرسمي او حتى تبليغ الأهل حفاظا على الصورة النمطية التي رسمها لهن المجتمع بوجوب الالتزام بسلوك “أخلاقي” والتقيد بمفاهيم الصيت والسمعة التي تحفظ سمعة العائلة وكرامتها فإن المرأة سوف تبقى ضحية سهلة للمبتزين والمتحرشين والمتنمرين وعرضة لمزيد من العنف الالكتروني. في ظل غياب اَليات واضحة تحمي خصوصياتهن وتحميهن وأي فرد بغض النظر عن جنسه من هذا العنف ، أو منظومة توفر لهن سبلًا لإثبات الانتهاك الواقع عليهن من أي شخص عبر ساحة الفضاء الإلكتروني، وبالتالي فإن الناشطات على الإنترنت سيكون العبء عليهن مضاعف، فإن كان الكثيرون يرون الهجوم على النساء الناشطات في المجال العام في الواقع الفعلي حق مستحق فما بالك بما يعتقده هؤلاء على الواقع الافتراضي، الذي لا تحكمه أي ضوابط أوقيود.

بشرى كنوز: أستاذة التعليم الثانوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى