fbpx
مجتمع

مستشفى الأطفال بالرباط … “لا رحمة لا شفقة”

ساعات من اللامبالاة والانتظار لتضميد جروحهم وعلاج كسورهم والإهمال سيد الموقف

واقع مستشفى الأطفال بالرباط، لا يختلف كثيرا عما تعرفه باقي مستشفيات المغرب، والذي زاد تأزما بسبب جائحة فيروس كورونا المستجد. فكما ينتظر البالغون ساعات طويلة داخل المستشفيات للحصول على العلاج، ينتظر الأطفال أيضا، ويترقبون ساعات “الفرج”. في قسم المستعجلات، تبرز معاناة الأطفال وعائلاتهم. قامت “الصباح” بزيارة إلى هذا المستشفى لتنقل بعض المشاهد من التسيب.
الوصول إلى الباب الرئيسي لمستشفى الأطفال بالرباط، يحتاج تجاوز عدد من حراس الأمن الخاص، والإجابة عن أسئلتهم المتكررة. «شنو عندك؟” و”فين غادي؟”، يطرح بعض الحراس هذه الأسئلة وأخرى، على آباء يحملون أطفال مصابين بجروح أو حروق أو كسور، والخوف على فلذات كبدهم يعصرهم، وكأن آلامهم غير واضحة لهم، فيحرصون على أخذ الإجابة منهم، قبل تجاوز الباب الرئيسي والوصول إلى المستعجلات، لإنقاذ هؤلاء الأطفال، في الوقت المناسب.

إهمال واستهتار
يكشف البقاء دقائق قليلة داخل قسم المستعجلات بمستشفى الأطفال بالرباط، حجم الفوضى التي يتخبط فيها هذا المكان، والارتجالية التي تحكم قبضتها. يظهر لكل زائر أن حراس الأمن الخاص، وحدهم من يقومون بمهامهم، ويتجاوزونها، في الكثير من الأحيان، ليؤدوا مهام أخرى “باش يبينو حنة إيديهم”، في المقابل يختار بعض الأطر الطبية الجلوس داخل المكاتب، وانتظار انتهاء المداومة، والتخلص من الوزرة البيضاء.
لم تحرك الدماء التي كانت على ملابس طفلة صغيرة، جرحت يديها بالخطأ بآلة حادة، ممرضة كانت تجلس في مكتب بالمستعجلات، ولم تجعلها تترك مكانها للتأكد من وضعيتها الصحية، إذ استمرت في الحديث مع ممرضة أخرى، وكأن حالة الطفلة لا تعنيها. ولم تهتم الممرضة بأسئلة والدي الطفلة المصابة، حتى أنها لم تنظر إليهما، إذ اكتفت بالإشارة إلى كراسي قاعة الانتظار، للجلوس عليها وانتظار دورهما، إلى أن تنتهي من حديثها “الشيق” مع زميلتها. ولأن الأم كانت مصرة على أخذ الجواب عن أسئلتها، اضطرت الممرضة إلى القول “تسناو على برا”، غادي نعيطو عليكم”، طردتهم لتنهي ما بدأته، و”تقرقب» الناب مع زميلتها. 
كانت الكراسي بقاعة الانتظار مليئة بأطفال مصابين ينتظرون دورهم للاستفادة من العلاج وتخفيف آلامهم. حالة بعض هؤلاء الأطفال مستعجلة، ويحتاجون إلى تضميد جروحهم، حتى لا تتفاقم حالتهم الصحية، لكن لا حياة لمن تنادي، إذ يضطرون إلى الانتظار ساعات طويلة، حتى يأتي الفرج.

“حبس المرقة”
صحيح أن بعض الأطر الطبية، تقوم بمهامها على أكمل وجه، وتحرص على خدمة المواطنين والمرضى، لكن أطرا أخرى، يكون ذلك آخر اهتماماتها، لأسباب كثيرة. ففي مستعجلات مستشفى الأطفال، يصادف المريض، الأطر الطبية التي تسهر على العمل وتقديم المساعدة، وأيضا التي لا تهتم بكل ذلك، فيما فئة ثالثة تستغل الفرص وتختفي عن الأنظار في أول فرصة تتاح لها.
ففي الوقت الذي كان فيه قسم المستعجلات، يعيش على وقع أجواء رتيبة، إذ أن المرضى وعائلاتهم ينتظرون في قاعة الانتظار، وبعض الأطر الطبية داخل المكاتب، تغير الوضع، وصار الجميع، يهرول ويركض في اتجاه سيارة إسعاف، كانت تحمل أطفالا تعرضوا لحادثة سير خطيرة. في تلك الفترة، توقف العمل داخل قسم المستعجلات، بشكل كامل، ودخلت كل الأطر الطبية لغرفة صغيرة، لمعاينة الأطفال ضحايا حادث السير، فيما بعض رجال الأمن الخاص، تكلفوا بمهمة طرد الذين كانوا في قاعة الانتظار، وإخلاء المكان.  وبعد حوالي نصف ساعة، خرجت بعض الأطر الطبية، بعد نقل الأطفال المصابين إلى غرف العمليات، وغرف أخرى، ليعود الوضع إلى طبيعته.  لكن المفاجأة، هي أن بعض الأطر لم تعد إلى مكانها، ما يعني أن الأطفال الذين كانوا ينتظرون دورهم للاستفادة من العلاج، سيعودون أدراجهم أو سيقصدون مصحات خاصة، لأن الذين من المفترض أن يعالجونهم، غادروا المكان، ولا وجود لهم.

ناقوس الخطر
إذا كانت لجائحة كورونا، تأثيرات سلبية كثيرة، سيما على قطاع الصحة، فإن مستشفى الأطفال بالرباط، في فوضى دائمة، وقبل ظهور هذا الفيروس، وهو ما جاء على لسان حبيب كروم، عضو الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة.
وقال كروم في حديثه مع “الصباح”، إن مستشفى الأطفال التابع للمركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا، يعيش وضعا “مأساويا”، منذ مدة، إذ سبق أن طالب بفتح تحقيق من قبل وزارة الصحة، في الوضعية التي كان يعيش عليها المستشفى، وإرسال لجنة لمعاينة “الاختلالات» التي يتخبط فيها.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة، حذرت أكثر من مرة من “تردي” الخدمات الصحية، بالنظر لسيل الشكايات التي تتصل بها من قبل المرتفقين وذويهم، قبل أن يذكر بعدد من الحوادث التي شهدها المستشفى، بسبب “الاستهتار” بصحة المرضى. وتحدث كروم عن وفاة أربعة رضع في يوم واحد، السنة الماضية، وسلط الضوء على الاختلالات التي تعرفها المؤسسة الاستشفائية، خاصة أن الأمر لا يتعلق بحادثة منفردة بل بتوالي عدد من الأحداث المؤلمة التي يروح ضحيتها أطفال وتتسبب في اندلاع احتجاجات. وأوضح كروم أنه رغم إصدار تقرير في الموضوع لم يتم اتخاذ إجراءات تذكر، مؤكدا أن السنوات الماضية عرفت عددا من الأحداث السلبية، من بينها العثور على مولود حي بمستودع الأموات بالمستشفى ذاته، قبل أن يضيف أن الأطفال المرضى بالمستشفى “لا يجدون العناية الكاملة للعلاج وتشخيص المرض”، وهو ما أظهرته تقارير كثيرة أصدرتها الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة.

إيمان رضيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى