fbpx
مجتمع

مستعجلات ابن رشد … “روينة وصافي”

متشردون يبيتون في مصالحه وضغط كبير على العاملين و”سيكيريتي” يوجه المرضى

مازالت المرأة دون مأوى، تفترش ملاءة فوق الكرسي الإسمنتي بقاعة الانتظار بمصلحة التسجيل وتتوسد حقيبة ملابسها، وقربها طنجرة صغيرة وقارورة ماء وخبز وبقايا نفايات.
المرأة ذات الخمسة عقود، تحولت إلى جزء من هذه المصلحة بقسم المستعجلات التابع لمستشفى ابن رشد بالبيضاء. لا أحد يعرف من أين أتت، وكيف وصلت إلى هذا الكرسي الإسمنتي البارد وفي أي فصل وما هي قصتها، ولا أحد يريد أن يعرف من الأساس ماذا يجري بالتحديد بهذا القسم.

المكان نفسه، تناوبت عليه أجيال من المتشردين ودون مأوى ومرضى مهملين، أو متخلى عنهم، وجدوا أنفسهم في إقامة دائمة في مصلحة للتسجيل، وبعضهم حول كراسيها إلى أسرة للمبيت ليلا، ولتبادل أطراف الحديث في ساعات النهار التي تمضي طويلة في جنبات قسم يعج ضجيجا ومنبهات قوية لسيارات الإسعاف، وتفوح منه رائحة كريهة، لقربه من تجمع المراحيض ومطارح صغيرة لرمي النفايات.

بعد أن يشعروا بالملل، يتحول جزء من «ضيوف» قسم المستعجلات، إلى المصالح الداخلية، أو بعض الممرات التي تقل فيها الحركة، خصوصا قرب مصلحة الفحص بالأشعة، حيث يفترشون هناك ملاءات ويضعون رؤوسهم على حقائب ملابس، ويغطون في النوم. وبعضهم يتمددون فوق كراس متحركة، ويحتمون بالبرد بوضع معاطف على أرجلهم المتجمدة.

هؤلاء الأشخاص لا يمكن أن تخطئهم العين وأنت تتجول بمصالح وقاعات انتظار قسم المستعجلات. يختفون أياما، ثم يعودون إلى المكان نفسه، حيث يعرفهم بعض الممرضين والمستخدمين والتقنيين بأسماء مستعارة.
حارس الباب الرئيسي، قال لـ»الصباح» إنه لا يأبه لوجودهم، ولا يهتم بهم أصلا، ماداموا لا يشكلون خطرا على أمن المؤسسة، مضيفا أنه تعود أن يرى عددا يبيتون ويقضون نهاراتهم في أماكن متفرقة من القسم، دون إزعاجهم، باعتقاد أن وجودهم في هذا المكان له سبب قاهر «فحتى واحد ما كيبغي ينعس في سبيطار»، حسب تعبيره.

لا تتوقف الحركة بقسم مستعجلات ابن رشد. الضغط الكبير للمرضى والمعطوبين وضحايا حوادث السير والأزمات المرضية (القلب، والربو، والكلي..)، يحول الأطباء والممرضين والتقنيين إلى «روبوهات» تتحرك وسط المصالح والقاعات بسرعة كبيرة، حتى أنك تنتظر عدة دقائق للظفر بحديث متقطع مع أحدهم.

يعلق حارس الباب طويل القامة «الله يحسن العون، البشر للي كيجي هنا بزاف والناس للي خدامين عياو وزادها حتى هذا الوباء للي طحطح كلشي».

يتحدث حارس الباب أحيانا، دون أن توجه له سؤالا. فما إن يطئمن إليك، حتى يتحول إلى ناطق رسمي باسم القسم، ويستطيع بخبرته وطول إقامته في هذا المكان، أن يشرح لك ميكانيزمات اشتغال المستعجلات وعدد المصالح بها وعدد التخصصات ونوعية المرضى الذين تستقبلهم، والآخرين الذي تحولهم إلى مصالح ومستشفيات أخرى.

يعرف «السيكيرتي» أيضا نوعية التشخيص الذي تتطلبه حالات الوافدين الجدد، ما لاحظناه حين تسلم الأوراق من شاب «مهلوك» يتكئ على كتف والدته ويربط رأسه بضماد طبي. تفحص الأوراق بسرعة، ثم أعادها إلى المريض وقال له «سير حتى ليمن وضور وسير حتى تسالي الكولوار ودخل بيرو على ليسر». وحين تحرك المريض ببطء، صرخ في وجهه الحارس « زرب اصاحبي، راه الطبيب غادي يسد ويسلت عليك».

يحاول الشاب أن يسرع الخطى بصعوبة، حسب تعليمات عون الحراسة، لكن ما أن يصل إلى منتصف الممر، حتى يفاجأ بخروج ممرضة تقود سريرا صغيرا متحركا فوقه طفل يصرخ من الألم، وأمه تهرول وراءه في حالة قصوى من الرعب.

يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى