fbpx
حوادث

الإدارة وكورونا … الحصيلة وأولويات الإصلاح

حالة الطوارىء جواب قانوني أحدثه الاجتهاد القضائي للتعامل السريع والفعال مع كارثة صحية

بقلم: الدكتور هشام برجاوي*

يقول Jean MONNET، أحد الآباء المؤسسين لفكرة الاتحاد الأوربي، “لا يقبل البشر بالتغيير إلا في إطار الضرورة، ولا يرون الضرورة إلا في إطار الأزمة”، ويقول الوزير الأول الفرنسي Pierre MAUROY : “الأزمة ليست كمرض لا يمكن أن نشفى منه، وإنما هي كميلاد جديد”. فإن كانت الدول مهددة، على الدوام، باندلاع أزمات، من مختلف الأحجام والأنواع، فالأزمة لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.

يستفاد من بلاغات وزارات المالية والصحة والداخلية أن المغرب يتحكم في انتشار جائحة كوفيد-19، وذلك بفضل التدابير الاستباقية التي جرى إعمالها، تحت الإشراف الملكي، كإغلاق الحدود وتنفيذ حالة الطوارئ الصحية وتعليق العديد من الأنشطة الإدارية والاقتصادية. ورغم أن الكلفة الاجتماعية والمالية والنفسية لهذه التدابير باهظة ومؤلمة، إلا أن المغرب اختار أن يحمي الحق في الحياة، وأن يصون النظام العام الصحي، مُقدما، بذلك، الإنسان على الاقتصاد.
وهنا، تجدر الإشارة إلى أنه ليس من السهل على بلد أن يوقف نشاط القطاعات الإنتاجية التي تزود اقتصاده بالأوكسجين اللازم للحياة خلال فترة تناهز ثلاثة أشهر، ذلك أن دولا أخرى أعطت الأسبقية للاقتصاد، بينما كان المغرب حاسما في اختياره المصيري أن يحمي المواطنات والمواطنين، وأن يُعبِّئ جميع موارد منظومته الصحية للتصدي للفيروس.
وأخذا في الحسبان النتائج الميدانية، يبدو أن المغرب تمكن، إلى حد الآن، من تدبير الأزمة بأضرار أقل، مقارنة مع دول أخرى وذلك، تحت الإشراف الملكي، وبفضل انخراط الإدارة بمختلف أطقمها، وخصوصا أطقم وزارة الداخلية من رجال سلطة وغيرهم، وأطقم وزارة الصحة من ممرضين وأطباء وإداريين، وأطقم وزارة الاقتصاد والمالية، وأطقم القوات المسلحة الملكية من طب عسكري ودرك ملكي، دون أن ننسى، طبعا، انخراط المواطنات والمواطنين.
ومن المنطقي، بل من الضروري، بعد أن استعملنا موارد هائلة لتدبير الفترة الحرجة من الأزمة، أن تهفو عقولنا وانشغالاتنا إلى وضع سيناريو الخروج من الأزمة.
لقد شكلت الأزمة اختبارا دقيقا للإدارة العمومية، والأداء الذي أنجزته يُعيدُ، بإلحاح، طرح سؤال الإصلاح الإداري عن طريق توجيهه نحو استمرارية الدولة، خصوصا في خضم تنازع وتصادم الأجندات والأولويات التي تصدر عن الفاعلين السياسيين مع دنو موعد الانتخابات، خالقين، بالنتيجة، مناخا سياسيا متذبذبا يعيد إلى الأذهان قولة الأديب الفرنسي Henri FAUCONNIER ، : “إن نوبة أعصاب ليست وجهة نظر”، ففريق منهم صدرت عنه تصريحات حول انفراد وزير الداخلية والولاة والعمال بتدبير الأزمة، وفريق آخر نادى بتأسيس ما يُسمى “حكومة إنقاذ وطني”، وهو طرح يثير سؤال مدى جدواه ومدى تلاؤمه مع تدبير الأزمة. إذا استحضرنا المشهد الدولي، سنلاحظ، بسهولة، أنه لم تبادر أي دولة في العالم، سواء الدول المتقدمة أو التي في طور النمو، إلى خلق “حكومة إنقاذ وطني” لمواجهة الجائحة. وإذا استحضرنا خصائص تدبير المغرب للأزمة، سنلاحظ أن هذا التدبير نهضت بأعبائه لجان تقنية، كلجنة اليقظة الاقتصادية ولجان اليقظة المحلية، التي تتألف، كما نعلم جميعا، من موظفين متخصصين.
إن حالة الطوارىء الصحية، التي جرى إقرارها بغية محاصرة الجائحة، ليست تمرينا سياسيا أو ديمقراطيا، وإنما جواب قانوني تقني، أحدثه الاجتهاد القضائي للتعامل السريع والفعال مع كارثة صحية تهدد الإنسان في أهم حق يتمتع به، وهو الحق في الحياة. وفي هذا الصدد، لا ضير من التذكير بأن نظرية الظروف الاستثنائية، التي اشتقت منها حالة الطوارئ الصحية، والتي بمقتضاها تُؤهَّل السلطات الإدارية للحد من ممارسة الحقوق والحريات درءا لخطر يحدق باستمرارية المجتمع، ليست “اختراعا لشخص ما أو هيأة ما”، يروم، من خلاله، الالتفاف على الاختصاصات الدستورية للبرلمان، بل هي اجتهاد قضائي وحقوقي.
فعلى مستوى الاجتهاد القضائي، أصدر مجلس الدولة في فرنسا قرارا شهيرا في قضية Heyriès بتاريخ 28 يونيو 1918، أبرز من خلاله أنه تجوز الاستعاضة عن الشرعية العادية بشرعية استثنائية، لمواجهة وقائع تهدد استمرارية المجتمع، كما أن المؤسسة القضائية نفسها أصدرت القرار المتعلق بقضية السيدتين Dol و Laurent سنة 1919، إضافة إلى اجتهادات قضائية أخرى، تتيح للسلطات الإدارية، كما ذكرنا، تنفيذ تدابير تقيد مؤقتا ممارسة الحريات والحقوق.
وعلى مستوى القانون الدولي لحقوق الإنسان، فإن حالة الطوارئ الصحية تتأسس على أسانيد قانونية وحقوقية تتجلى في المادة 4 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وكذا المادة 15 من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان، وهذه المادة أفضت إلى صدور عدة قرارات للمحكمة الأوربية لحقوق الإنسان تعزز نظرية الظروف الاستثنائية.
وتأسيسا على القرارات القضائية الصادرة عن كل من القاضي الإداري وقاضي حقوق الإنسان، نستشف أن حالة الطوارئ الصحية ليست “حيلة” أو “مؤامرة” للالتفاف على اختصاصات المجالس التداولية المنتخبة سواء الوطنية منها (البرلمان) أو المحلية (مجالس الجماعات الترابية).
إن استمرار الدولة، والتي ثبتت حاجتنا الماسة إليها خلال الأزمة الصحية وما نتج عنها من مناخ الشك والخوف والتردد والتشنجات النفسية، يحتاج، أساسا، إلى إدارة:
• تتوفر على هيكل تنظيمي معقلن وذي مقروئية، وهنا لا بد من تكثيف الجهود للحد من انعكاسات التوافقات السياسية على تشظي الإدارة، من خلال تمتيع الهياكل الإدارية بآليات تدبيرية مستقلة عن التفاوض السياسي الذي يفضي، كما قلنا، إلى إدارة متضخمة تتداخل فيها الاختصاصات والموارد بسبب التغيرات المستمرة لمكونات وبنيات الأغلبيات الحكومية مع ما يترتب عن ذلك من هدر للموارد.
• رقمنة برامج الدعم العمومي، تعزيزا لدورها في الحفاظ على التماسك الاجتماعي وتلافيا لتسييسها.
• موظف عمومي محفز، وهنا لا بد من معالجة إشكالية الإفراط في الأنظمة الأساسية والتفاوتات في الأجر.
• إحداث المجلس الأعلى للأمن المنصوص عليه في الفصل 54 من الدستور، وهنا نشير إلى أن الفصل 54 سالف الذكر أسند، بصفة صريحة، إلى المجلس الأعلى للأمن: التشاور بشأن استراتيجيات الأمن الداخلي والخارجي للبلاد، وتدبير حالات الأزمات ومأسسة ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة.
* أستاذ القانون العام بجامعة القاضي عياض بمراكش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى