خاص

طريق الهراويين … شارع الدواب

״قطاع״ بعمالة مقاطعة مولاي رشيد بالبيضاء تحول إلى ״رحبة״ للعربات المجرورة

لا تختلف الصورة في الأطراف الجنوبية للبيضاء عن واقع الحال في المداشر النائية، بل إنها أكثر تخلفا من مراكز حضرية وجماعات قروية مجاورة مثل مديونة وتيط مليل، التي أصبحت أحياء راقية بالمقارنة مع القطاع الفاصل بين شارع عبد القادر الصحراوي بعمالة مقاطعة مولاي رشيد والطريق السيار المداري البيضاء آسفي، بعدما تحولت إلى “قاعة” للعربات المجرورة بالدواب في اتجاه تراب جماعة الهراويين المجاورة.

إعداد : ياسين قُطيب – تصوير (أحمد جرفي)

كثبان نفايات

باستثناء مثلث معزول بفيلات غارقة في بحر الفوضى، يمتد سوق عشوائي على جانبي شارع عبد القادر الصحراوي وملتقى شارع مقداد الحريزي إلى تقاطع شارع عقبة بن نافع، تكاد تتساوى فيه أعداد البشر بجحافل الدواب، وأزقة تقود إلى نقط سوداء تكتسحها الأزبال والنفايات، إلى حد أن المارة يشعرون وكأنهم يتجولون في ممرات مطرح عمومي، يستلزم وضع الكمامة حتى بعد زمن الوباء، إذ اختفت الحاويات القليلة تحت كثبان نفايات متراكمة تتحدى شركات النظافة والسلطات والمجالس المحلية.
ليست في الشارع نفايات منزلية فقط بل تفيض أرصفته بمخلفات الباعة المتجولين المجتمعين في أسواق عشوائية لا يتردد أصحابها في قطع طريق عام استبيحت حرمته في هذا القطاع العازل ، الذي يجسد مشهد مد الترييف على جوانب المدينة.
يصعب على فرق شركات النظافة الولوج إلى هذا القطاع المحاصر بعربات الخضر و”الكراول” و”التريبوتورات”، بالنظر إلى الاحتلال الدائم للملك العام من قبل الدواب التي تضع المقاطعة في المقدمة من حيث عدد رؤوس الخيل والبغال والحمير، إذ تتجاور المساكن مع الإسطبلات المغطاة وتلك الممتدة في الهواء الطلق كما هو الحال في أحياء الهراويين وحي المسيرة.
ولم تصل استغاثات السكان إلا إلى مسامع الأمن الذي سارع إلى تدارك الخصاص الكبير وتزايد الاعتداءات والسرقات وترويج المخدرات، بفتح دائرة شرطة تابعة لأمن مولاي رشيد، بملتقى شارع 20 غشت والزنقة 40 بحي لهراويين، في محاولة للحد من الظواهر السوداء التي تعرف بها المنطقة، وتحسين ظروف الاستقبال والارتفاق والتفاعل بسرعة مع احتياجات المواطنين.

عاصمة “التريبورتور”

ليست مأمورية إعادة النظام إلى القطاع مستحيلة، فقد عمل المسؤولون خلال زيارة ملكية على إجلاء كل الأجسام الغريبة عن المجال الحضري، كما هو الحال بالنسبة إلى “الكراول” والدراجات الثلاثية الدفع (التريبورتور)، التي تعد وسيلة النقل الوحيدة لربط الهراويين بباقي المناطق، عبر شارع عبد القادر الصحراوي، باستثناء خط حافلة يتيم، غالبا ما يقوم سائقوها بالالتفاف من أزقة هامشية لعدم التعرض للصوص ولركاب غير مرغوب فيهم.
وتسببت سريالية المنطقة للمسؤولين في غضبة ملكية أثناء تدشين مرافق وبنيات تحتية، إذ لم تدم زيارة سابقة للملك أكثر من خمس دقائق، وهو ما فسر من قبل المنتخبين والسلطة المحلية بأنه تعبير عن عدم الرضى.
لكن المسؤولية لا يتحملها المنتخبون وحدهم، بالنظر إلى أن المنطقة سبق لها أن كانت محط فضائح كبرى سيق إثرها مقدمون وشيوخ وقياد، إلى زنازين السجون، ومحاكمات لاستغلال النفوذ، والمساعدة على تنامي البناء العشوائي، وهو ما يكلف الدولة خسائر مهمة.

حروب الأحياء

ينفجر الوضع أحيانا وتتحول “السيبة” إلى مواجهة بين تجار مخدرات أو حتى في ما بين الجيران بالأسلحة البيضاء، وأحيانا مواجهات بين أحياء في ما بينها تكسر خلالها المحلات التجارية ويهشم زجاج السيارات، قبل أن تتدخل عناصر الشرطة لاستتباب الأمن، مستعينة بالرصاص الحي في بعض الأحيان.
ولا يتعلق الأمر بفئة صغيرة من الوافدين من خارج المدار الحضري، بالنظر إلى أن الاتجار في المخدرات، وما ينجم عنه من سرقات واعتداءات بالأسلحة البيضاء، أصبح مصدر عيش أعداد كبيرة من شباب “القطاع” المحروم من أبسط المرافق الاجتماعية والثقافية.
ويدافع المسؤولون عن إخفاقهم في ضمان النظام العام، بقلة الإمكانيات للنهوض بالبنيات التحتية القادرة على استيعاب الشباب التائه بين تجارة “الفراشات” ومقاهي الشيشة التي تزيد الوضع تسيبا، خاصة أن أغلبها يوجد في قلب إقامات سكنية يتركز معظمها حول شارع عبد القادر الصحراوي، إذ يسمح لها في الأيام العادية باستقبال زبنائها إلى الفجر.

فشل كل المحاولات

أدى قرب سوق السمك وانعدام سيارات النقل المزدوج في اتجاه دواوير الجماعة القروية للهراويين، إلى تعاظم أسطول الدراجات الثلاثية العجلات، وعربات تجرها دواب، بكل أصنافها المتنوعة، بدءا بتلك الخاصة بنقل الأشخاص (الكراول) ومنها الخاصة بالبضائع، وأخرى تتجول في الأزقة الضيقة المحتلة من قبل الباعة المتجولين.
وتتسبب العربات في العديد من الحوادث، وفي عرقلة السير، علما أنها لا تتوفر على أي تأمين، بالإضافة إلى تعرض الدواب لإصابات بالغة، في ظل انعدام أقسام بيطرية، ولا حتى وسائل نقلها من مكانها وإخلاء الشارع العام.
وتخلف الآلاف من العربات أطنانا من الأزبال وروث البهائم، توصلت مصالح ولاية البيضاء بخصوصها بالعديد من شكايات المواطنين، تطالب بضرورة التدخل وفرض احترام القانون، و مؤاخذة سائقي العربات المجرورة بالحمير والبغال، الذين يساهمون في تلويث الشارع ونشر الروائح الكريهة.
وتسعى أغلب الجمعيات المهتمة بالمحافظة على البيئة، للتدخل وتقييم الخسائر، ووضع جرد على مستوى الشوارع والأزقة، التي تمر منها كل هذه العربات، وتطالب بضرورة الشروع في تحرير مخالفات خاصة، لكن رغم الحملات التي يخوضها أعضاء تلك الجمعيات بين سائقي تلك العربات، للتحسيس بأهمية تثبيت الأكياس الوقائية على الدواب وتنظيف الأماكن التي يشتغلون بها، فقد باءت كل المحاولات بالفشل.

أمواج “السويقات”

وإذا كان الالتزام بإجراءات الطوارئ الصحية والامتثال للتدابير الاحترازية التي أقرتها الدولة في مواجهة فيروس كورونا هوالمشهد الغالب في جل مناطق البيضاء، فإن الوضع يبدو مختلفا في هذه المنطقة التي تعيش تسيبا وفوضى تجعلها بعيدة تماما عن كل ماله علاقة بالحجر الصحي ، إذ تغيب مقتضيات حالة الطوارئ الصحية أرصفة شارع عبد القادر الصحراوي خاصة في الجهة العليا، التي تختبئ فيها أحياء عشوائية خلف بنايات في الواجهة تحاصر إقامات حديثة البناء غارقة بين أمواج “السويقات” وتجمعات “الكرارس”.
وهناك غياب شبه تام لارتداء الكمامات الطبية داخل أزقة تضم تجمعات وأسواقا تحجب المحلات التجارية على مرأى ومسمع من السلطات العمومية التي تراقب خرقا جماعيا للحجر دون أن تتحرك لتطبيق القانون وزجر المخالفين ، خاصة بعدما ازداد الأمر خطورة خلال الأيام الماضية جراء، قيام محلات بيع الملابس التجارية بإعادة فتح أبوابها أمام المواطنين الراغبين في اقتناء ملابس العيد، في ظل عدم احترام مسافة التباعد الاجتماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق