حوادثمقالات الرأي

هـلال: المحاكمة الزجرية عن بعد ومبدأ الشرعية الإجرائية (3/1)

في التشريع الجنائي ليست هناك نصوص إجرائية تؤطر استعمال تقنية المحاكمة عن بعد

تعتبر المحاكمة العادلة حقا من حقوق الإنسان الأساسية التي تهدف إلى حماية الأفراد من المساس بحقوقهم أو الانتقاص أو الحرمان منها، ولأهميتها نصت عليها الاتفاقيات الدولية وكرستها الدساتير الوطنية، وعملت التشريعات الداخلية الإجرائية على تنظيمها، كما أنها مؤشر على مدى احترام الدولة لكرامة المواطن وفق ما هو متعارف عليه دوليا، ومقياس أصيل في بناء دولة الحق والقانون ودليل على صحة وسلامة النظام القضائي والجنائي. وإذا أقر المشرع الجنائي صراحة بمبدأ قرينة البراءة في مادته الأولى، ونص في ختامه على أن الإجراءات القانونية المتخذة من قبل الأجهزة المتدخلة في سير المسطرة الجنائية، يجب أن تتم وفق ما حدده المشرع من قواعد تحت طائلة اعتبارها كأنها لم تنجز.

بقلم: ذ. خـالد هـلال *

تمسك المتهم أمام المحكمة الزجرية ببطلان الإجراءات المرتبطة بالبحث التمهيدي، أو المتابعة أو التحقيق أو المحاكمة، لوجود اختلالات مسطرية ماسة بحقوقه وحرياته، لا يتأتى إلا في شكل دفوع أولية وشكلية وقتية قد تسقط بفوات الحق فيها.
ولذلك لا يقبل منطقا ولا قانونا تصور محاكمة تختل فيها شرعية قواعد المسطرة، والتي أحاطها المشرع بجزاءات مختلفة ومنها البطلان والإبطال.
وبما أن مبدأ الشرعية الإجرائية صار من المبادئ الهامة، وهو بلا شك يمثل ضمانة لكل أفراد المجتمع قبل أن يعتبر من أهم ضمانات المتهم لأنه مبدأ موحد في كل دساتير العالم ويكاد يكون مختلفا عن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، الذي يثير الكثير من الاختلاف على مستوى الأنظمة الوضعية المقارنة.
وفي ظل الوضع الوبائي الذي تعيشه جل دول العالم، ومنها بلادنا في تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد، شرعت وزارة العدل في تطبيق وأجرأة نظام “المحاكمة الزجرية عن بعد” باستخدام تكنولوجيا التواصل بين المتهمين نزلاء المؤسسات السجنية من جهة، والقضاة من جهة ثانية، بتنظيم جلسات التقاضي والمحاكمة عن بعد في إطار تنفيذ التدابير الاحترازية، وتعزيز الأمن الصحي للسجناء ومكونات أسرة العدالة، ولا شك أن هذا الإجراء الاحترازي في هذه الظرفية مرتبط بأفق المحكمة الرقمية مستقبلا في إطار المشاريع الإستراتيجية التي تشتغل عليها الوزارة، في سياق تنفيذ خطة الإصلاح الشامل لمنظومة العدالة.
لا أحد منا يجادل في هذه المبادرة الاحترازية والمؤقتة في ظل غياب تشريع، إذا كان هدفها الأمن الصحي وحماية الأفراد وسلامتهم من الأخطار وتكريسا للحق في الحياة، كما ينص على ذلك الفصل 20 من دستور2011، لكن احتراما لمبدأ الأمن القانوني، الذي يعد غاية القانون، وظيفته تأمين النظام القانوني من العيوب والاختلالات وهو مبدأ أسست له المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان.
وإذا كان تصدير دستور 2011 أسس على حماية منظومتي حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني من جهة، وجعل الاتفاقيات الدولية المصادق عليها في نطاق أحكام الدستور، والقوانين تسمو على التشريعات الوطنية من جهة ثانية، فإلى أي حد ستساهم تقنية المحاكمة الزجرية عن بعد إجراء احترازيا مؤقتا مع حالة الطوارئ في حماية سلامة وصحة المتهمين نزلاء المؤسسات السجنية، وأطراف الخصومة الجنائية ومكونات أسرة العدالة؟ وهل هذه التقنية تتعارض مع مبادئ وحقوق الدفاع المتعارف عليها دوليا؟ وما هو الإطار والسند القانوني لهذه التقنية؟
يحق لنا من خلال الإشكالية طرح الأسئلة الفرعية التالية :
– ما هو سند اعتماد تقنية -video conférence- في إطار محاكمة زجرية عن بعد؟
– هل هذه التقنية مباحة ولا تتعارض مع قواعد المحاكمة العادلة؟
– هل حالة الطوارئ والظرفية الوبائية تبرر اللجوء إلى هذه التقنية الاحترازية لمحاكمة السجناء عن بعد؟
– هل هذه المحاكمة تساير مبادئ حقوق الإنسان وما أملته المواثيق والاتفاقيات الدولية؟
– هل هذا الإجراء الاحترازي يضمن آليات الحضورية والعلانية في المحاكمة؟
– كيف يمكن للقاضي الجنائي أن يحكم حسب اقتناعه الصميم في ظل محاكمة عن بعد؟
– وهل هذه المحاكمة تتوقف على إذن كتابي أو شفوي أو موافقة صريحة من أطراف الخصومة الجنائية؟ وهل الموافقة الصريحة لأحد أطراف الخصومة الجنائية دون الأطراف الأخرى تجيز المحاكمة؟
تلكم مجموعة من التساؤلات التي قضت مضجع العديد من أقلام الباحثين والحقوقيين والإعلاميين، سنحاول بكل تواضع المساهمة في الإجابة ولو عن بعضها بقلم حر مليء بمداد من ضمانات وحقوق المتهم من خلال الواقع والقانون والممارسة المهنية.
– أولا: التأطير القانوني والتشريعي لتقنية المحاكمة الزجرية عن بعد
كان للتطور العلمي والتكنولوجي الكبير الحاصل في عصرنا الراهن، أثره الواضح في كافة مرافق الحياة المعاصرة، الأمر الذي أدى إلى استفادة العديد من القطاعات العامة والخاصة من هذا التطور، وفي ظل تطور المعطيات التكنولوجية الحديثة ومتطلبات القواعد الجزائية، جعل بعض التشريعات الجزائية تحاول إعادة النظر في المبادئ القانونية المستقرة واستحداث قواعد ووسائل جديدة تواجه كل المشكلات والظروف الطارئة لخدمة العدالة الجزائية ولمسايرة التطور العلمي الحاصل.
وتعد تقنية المحاكمة الزجرية عن بعد، من أهم ثمار تلك الجهود، إذ تعتبر هذه الوسيلة خروجا عن الطابع التقليدي في ميدان التحقيق والمحاكمة، الذي اتسم به مرفق العدالة الجنائية، إلى طابع تكنولوجي وإلكتروني عصري لتحقيق محاكمة جزائية عن بعد، والتي تعتمد إحدى وسائل الاتصال المرئي السمعي –البصري من خلال الأنترنيت، حيث يتم نقل الصوت والصورة لمجموعة من الأشخاص، المجتمعين في مكان ما إلى مجموعة أخرى من الأشخاص المجتمعين في مكان آخر، وهي تقنية تطلبت وجود أنترنت ذات سرعة عالية وميكروفونات وسماعات ذات جودة معقولة، وكذلك كاميرات “الويب” يستطيع المشتركون فيها التحقيق أو المحاكمة سماع ورؤية الطرف الآخر في الوقت نفسه، كما لو كان الاجتماع في المكان نفسه وليس في مكانين متباعدين.
وارتباطا بهذا التطور التكنولوجي العلمي، لم نجد ضمن التشريع الجنائي ببلادنا أية نصوص إجرائية سواء في قانون المسطرة الجنائية أو ضمن مجموعة القوانين الجنائية ما يوثق ويؤطر لاستعمال تقنية -video conférence- في إطار المحاكمة الزجرية عن بعد.
وغير خاف أنه بغض النظر عن غياب النص التشريعي والسند القانوني الذي يؤطر هذه المحاكمات عن بعد، إلا أنه وإحساسا من المحامي بما تمليه الظرفية المؤقتة، وما تعيشه بلادنا من تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد19)، لبى المحامون نداء رسالة الدفاع النبيلة ونداء الوطن الحبيب بكل تضحية وتفان، وخروجهم إلى إعلاء رسالة الدفاع الإنسانية والمشاركة في تجربة المحاكمة الزجرية عن بعد، محاولة منهم لإبراز مكامن سلبيات وإيجابيات هاته التجربة، وما تتطلبه المحاكمة العادلة من حقوق وضمانات مسؤولين عن حمايتها وإثارة كل خرق أو إخلال بشأنها.
* محام بهيأة البيضاء
عضو المكتب التنفيذي للجمعية الدولية
للدفاع عن حقوق الإنسان والإعلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق