fbpx
خاصمقالات الرأي

نزهة لحريشي: “كوفيد 19 ” يسرع الرقمي

حرب رقمية بين أمريكا والصين والمغرب مطالب بأن يكون قطبا للشركات الناشئة

بقلم: نزهة لحريشي *

فرض علينا الحجر الصحي الذي تسبب فيه وباء “كوفيد 19″، زمنا رقميا يسائل من ضمن ما يسائل: العمل عن بعد، ندوات على الأنترنيت، إرسال المساعدات عبر الهاتف… إلخ. يتعلق الأمر بتجارب تشكل مقدمات لتسريع رقمنة اقتصادنا.

لعل أهمها التي أعتبرها دالة وواعدة من أجل قفزة نوعية، تلك التي تشمل مستويين:
1- قدرة السلطات العمومية على الابتكار وعلى تملك التكنولوجيات الجديدة، مثلما يقدم الدليل عليها ابتكاران هما سجل الرسائل الإلكترونية من أجل معالجة الوثائق في الإدارات، ومكتب الضبط الرقمي، الذي هو قناة إلكترونية لتلقي رسائل المواطنين المتضمنة لكل أنواع الطلبات بما فيها أداء الفواتير. فالتطبيق المتبع يسمح بالتوقيع الإلكتروني الذي صدر القانون المتعلق به منذ سنوات، وهي مبادرات كانت مصاحبة بتكوين عن بعد للموظفين المكلفين باستغلال تلك التقنيات والوسائل الجديدة، مما مكن من ميلاد ملامح عهد جديد في الخدمة العمومية منحها مصداقية راسخة، والتحدي هو في مواصلة السير على النهج ذاته بعد الجائحة.
2 – الوعي بأن الانتقال الرقمي فرض ذاته وأنه ملزم، إذ “لا شيء يظهر، لكن كل شيء قادم”، حتى نستعير حكمة للجنرال دوغول. فأمثلة الرقمنة متعددة: السياحة (التي هي قطاع متقبل للأمر بشكل خاص)، الإعلام، البنوك، التجارة، الخدمات الإدارية، وتقليص جزء من الدور البشري في الإنتاج ضمن قطاع صناعة السيارات كمثال.
هكذا، فإننا حين نتحدث عن الأولوية التي يجب منحها للصناعة ضمن السياسة التحفيزية، فالأمر يتعلق بقطاع سيزاوج بين التصنيع والخدمات. وإدماج الاستثمار اللامادي ضمن صيرورة الإنتاج، يعني صناعة لن تعود فقط هي تلك المتعلقة بالإنتاج الكمي الموحد، بل بتكوين منتج يتواءم مع الطلب الخاص والنوعي للزبون.
نحن، صحيح، ضمن نسق دولي سلبي، باعث على اليأس، لكن ذلك لا يعني نهاية التاريخ، فكل جيل يواجه كتلة التهديدات التي تستهدفه، مثلما يواجه أيضا ممكناته وفرصه، ومنح الاهتمام للرقمي هو فرصة لتوفير الشروط حتى لا تبقى أغلبية الشباب متروكة لاستلاب التكنولوجيات الجديدة مما يحولهم إلى كائنات غير ذات فائدة اجتماعيا.
ولقد أبرزت لنا هذه المحنة أيضا التفاوتات المجالية على مستوى الربط مع شبكة الأنترنيت، مما يجدد طرح سؤال التفاوتات داخل نفس الجيل، كما يعكس ذلك ضعف التجهيز بالحواسيب والحواسيب المحمولة عند العائلات ذات الدخل المحدود.

الثورة الرقمية…ثورة السلط

إن الثورة الرقمية ليست تقنية فقط، فهي ثورة للسلط، حيث تتم إعادة ترتيب للأوراق كيفما كان المجال المدروس. علينا بداية فهم علاقات توازن القوة التي ستحدد أكثر فأكثر التقسيم العالمي الجديد للمعرفة. فقد أصبحت التكنولوجيا مجالا إستراتيجيا لا توافق فيه أبدا بين قوتين كبريين من حجم الصين والولايات المتحدة الأمريكية المنخرطتين في حرب تكنو – تجارية، أبعد من ذلك، هناك تنافس على الهيمنة العالمية.
صحيح أن مجانية “غوغل” اليوم متحققة وجلية، لكن ثمة عاملان مركزيين للاغتناء يتبرعمان هما: المعلومات الضخمة (البيغ داتا)، وتنامي المنصات الرقمية، ولقد انطلقت هذه المرحلة الثانية من الزمن الرقمي حين جعلت الولايات المتحدة الأمريكية من الرقابة على المعطيات محور أولوية استراتيجيتها الاقتصادية والأمنية. وتستند في ذلك على “الغافام ” الذي هو تسمية تجمع “غوغل”، أمازون، فايسبوك، آبل و ميكروسوفت، مع تركيز للأسواق حول هؤلاء الفاعلين الكبار. وفي أيامنا هذه لم يعد توفير البيانات والمعطيات يعوض حقيقة أن المنصات الرقمية الكبرى هي الفاعل الدافع للاغتناء وإشباع رضى المستعملين، مما يوفر لهم إمكانية الحكم، بهذا الشكل أو ذاك، لصالح الفوائد الحقيقية على حساب المخاطر المفترضة. الأمر يتعلق هنا بسؤال السيادة الوطنية. فالمجلس الوطني الأسبق للتجارة الخارجية، المهموم بالأمن الاقتصادي للمغرب، بلور أرضية تغطي كل صيرورة تدبير المعلومة بما فيها المعطيات غير المبنينة.

الصراع حول الهيمنة الرقمية

إن الهيمنة الرقمية اليوم، أمريكية، وهي موجودة في كل الروابط من البنى التحتية التكنولوجية، إلى محركات البحث والشبكات الاجتماعية… إلخ. لكن الولايات المتحدة تستشعر أنها مهددة من قبل الصين التي ولجت خلال 2010، الفضاء الإلكتروني بشروطها الخاصة، عبر خلق فاعليها الكبار المتمثل في تجمع “الباتكس” (بايدو)، غوغل الصيني، علي بابا الذي هو موقع للبيع عبر النيت والذي بلغ رأسماله في البورصة مستوى ما بلغه منافسوه في مؤسسة “أمازون”، ثم تانسنت- مع تطبيقها على المحمول “وي تشات “، الذي هو المقابل لفيسبوك، وأخيرا شركة كزياومي المنافسة ل “آبل” على مستوى الهواتف المحمولة المستحوذة اليوم على 10 بالمائة من السوق الدولية.
إن هؤلاء الفاعلين المهيمنين هم في قلب نظام تمنحهم سلطتهم اكتساب ثروات كبيرة، حتى وهي ليست منصة للوساطة، فكيف السبيل إذن لوقف سلطتهم؟. ذلك لن يكون سوى بالرقابة على المادة الأولية وتنظيم ملكية البيانات الضخمة الكبرى (البيغ داتا).
تحتل، هنا، الأدوات المرتبطة بالشبكة مكانا مركزيا، فهواتفنا المحمولة وحواسيبنا تسجل كل عملياتنا اليومية التي تتحول إلى معلومات، تضاف إليها رقمنة كل مصادرنا المؤسساتية، الثقافية، وتقاليدنا، وقوانينا، فالكل مصفى من خلال خواريزميات تصنف ذكية وتوظف لأداء مهام تجارية أو مهام أخرى.
إن مجموع تلك المعطيات هو من الضخامة ما يجعله صعب المعالجة بالوسائل الكلاسيكية لتدبير المعلومة، بهذا المعنى ف”البيغ داتا” يعني مجمل التكنولوجيات والبنيات والخدمات التي تسمح بتجميع وتخزين وتحليل المعطيات المجمعة أو المنتجة بأحجام ضخمة.
و”غوغل” المتحكمة في أكبر شبكة للحواسيب هي التي تسمح بعمليات حسابية على نطاق واسع جدا (هيبرسكال)، فهي رائدة شبكات الأدمغة الصناعية، المشتري الأول للتكنولوجيا، للكفاءات في مجال الذكاء الاصطناعي، والخبراء في المعطيات الكبرى الضخمة… إلخ. لكن، رغم هذه الضخامة، فإن التجميع الهائل للمعطيات الشخصية قد سمح بميلاد فاعلين جدد هم وسطاء المعلومات والمعطيات “الداتا بروكرز” الذين يمارسون تجارة فعلية للمعطيات.
وما يجب تدقيقه هنا، هو أن معالجة المعطيات تتم بشكل آلي، اعتمادا على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، مما يعني أنه للتوصل إلى نتائج فعالة، فعلى الذكاء الاصطناعي أن يستند على قواعد هامة للمعطيات انطلاقا منها يصبح بإمكان برامج أن تمتلك معرفة وتنسج ارتباطات. ولم يكن الذكاء الاصطناعي، على كل حال، مفيدا جدا في ما يرتبط ب “كوفيد 19″، لأنه لم يكن هناك تراكم تاريخي بسبب جدة الفيروس.

أسلحة الصين التكنولوجية

لكن، للصين أيضا أسلحتها ضمن هذا التسابق التكنولوجي للهيمنة العالمية، أولها أرضياتها (الباتكس)، واحتكارها سوقا ضخمة من 1.4 مليار من الصينيين. ثانيها أنها قد ربحت مسافة على مستوى تسويق خدمات الجيل الخامس من التكنولوجيا (G5)، التي صبيبها من الأنترنيت هو من السرعة ما يجعله يقلص من زمن الربط. إن الرهان جدي وهام، فهو يتعلق بالتموقع ضمن الثورة الصناعية الرابعة، التي محدداتها أدوات الربط، الذكاء الاصطناعي والإنسان الآلي. فالصين متقدمة اليوم بعيدا عن الولايات المتحدة وبإمكان “هواوي” تحديد الشروط القادمة للسوق المرتبطة بهذه التكنولوجيا.
مجال القوة الثالثة للصين كامن في رأسمالية الدولة، لقد أطلقت مشاريع ضخمة، مثل البرنامج الطموح “صنع في الصين 2025″، الذي يهدف إلى تحويل العملاق الآسيوي إلى قوة للتكنولوجيات الجديدة محققة للاكتفاء الذاتي على المستوى التكنولوجيا، مثلما يتعلق الأمر، خصوصا، بمشروعها الطموح للطرق الجديدة للحرير، الذي يتضمن طريق حرير كهربائية، لصيقا بطريق حرير رقمية، واعتبارا لأن كلاهما يعمل بشكل مشترك بسبب الاستهلاك الهائل للطاقة الرقمية، فإن طموح الصين هو غزو الأسواق الأروبية والأمريكية، من خلال جعل “الباتاكس” المنافس المباشر ل “الغافام” على كافة مجموع الأصعدة والشرائح (“غزياومي” دخلت أصلا السوق الفرنسية).

حرب تكنولوجية

ردة الفعل على هذا المشهد الجديد بدأت تنتظم، فمنذ أواسط ماي 2019، انطلق مسلسل عزل تكنولوجيا هواوي، إذ لم يعد من حق أية مؤسسة أمريكية بيع معدات أو تجهيزات تكنولوجية لها. مثلما أن غوغل قررت حرمان الهواتف المحمولة القادمة لهواوي من الولوج إلى نظام أندرويد، فيما منعتها ميكروسوفت من الولوج إلى الوينداوز، ولم يعد في مقدور الفرع الأمريكي “للاتصالات الصينية” من تقديم خدماته دوليا… إلخ. بينما تتواصل ضغوط واشنطن على حلفائها للقطع مع “هواوي” في شبكاتها التواصلية. مثلا اليابان اختارت حليفها، حين قررت شركة “باناسونيك” أن لا تزود الشركة الصينية وفروعها 68 ببعض القطع الإلكترونية ذات المصدر الأمريكي.
باختصار فإن الولايات المتحدة الأمريكية تسن سلاحها خلف الحرب التجارية الأكثر ظهورا على الساحة العامة والأكثر بروزا في الإعلام، ويمتد مجال حربها إلى أروبا وما وراء إفريقيا.
أولا، في ما يرتبط بأروبا، فقد تبنت في 2016 مبادرة “السحاب الأروبي”، التي لا تزال تنتظر التنفيذ، وهي محاولة للرهان على التكنولوجيات البديلة التي ستمنحها مسافة متقدمة فعالة ضمن التنافس مع المنصات الأمريكية والآسيوية. يتعلق الأمر بامتلاك قدرات عالمية على مستوى التوجيه والتخزين ومعالجة المعطيات، شبيهة بتلك التي يتوفر عليها كبار الفاعلين مثل الولايات المتحدة والصين واليابان. والهدف هو معالجة المعطيات الضخمة بأروبا.
أما في ما يرتبط بإفريقيا، فإن “هواوي” الصينية قد وسعت نموها ضمن السوق الإفريقية، حيث منحتها حوالي 30 دولة إفريقية مهمة تطوير شبكاتها للاتصالات، مثل الكاميرون، الجزائر، مصر وأيضا جنوب إفريقيا، بل إن “هواوي” تجرب تكنولوجيا “ج. 5” مع كبريات شركات الاتصالات بالقارة، مثل المجموعة الجنوب إفريقية “م.ت.ن” المتواجدة في حوالي 20 بلدا إفريقيا، و”فوداكوم” واتصالات المغرب، ولها القدرة على القفز إلى الأمام بطبيعة الحال، بعد “العزل” التكنولوجي الأمريكي، والحرب التكنولوجية القائمة هي فرصة للبحث عن حلول بديلة للبلدان الإفريقية حتى لا تبقى سجينة زاوية المستهلك السلبي.
فإفريقيا هي ثاني أكبر سوق بالعالم على مستوى طلب التكنولوجيا، إذ 37 بالمئة فقط من مجموع 1.2 مليار إفريقي لهم الإمكانية للولوج إلى الأنترنيت، والتوقعات بخصوص 2020، تراهن على 600 مليون مالكين للهواتف الذكية، وغالبية المعطيات فيها مخزنة خارج القارة الإفريقية، وإطلاق آلاف الأقمار من قبل “إلونموسك” بغاية ربط مجموع الكرة الأرضية بالأنترنيت ليس ترفا، بل إنه سيمكن إفريقيا من تغطية كل الزوايا الفارغة فيها. بالتالي، فإن الرهان كبير جدا ويقدر رقم استثماراته بعشرات الملايير من الدولارات خلال العشر سنوات المقبلة.
ضمن هذا السياق الدولي، كيف يمكن للمغرب الولوج إلى البعد الرقمي ضمن استراتيجيته للتعاون التنموي مع إفريقيا؟

المغرب قطب الشركات الناشئة

للاستفادة من تموقعه الجيد بإفريقيا، على المغرب أن يتحول إلى قطب لا غنى عنه للشركات الناشئة، ليس هناك نموذج قار ثابت، لكن بإمكاننا الاستفادة من تجربة من نجحوا قبلنا، حتى وإن كانت الخصوصيات تنتصر على أي مرجع نموذجي.
لقد تأخر المغرب كثيرا، لكنه تأخر سهل تجاوزه، لأن الثورة الرقمية لا تزال في بداياتها، كون الذكاء الاصطناعي، وأدوات الربط، و”البلوك شاين”… إلخ، ستغير كثيرا من المعادلة. للأسف، فقد تم التخلي عن مشروع مقترح سابق من أجل قفزة نوعية للمغرب، وأستطيع الشهادة هنا، انطلاقا من ما عشته، لأؤكد أن كل شيء ممكن، الأمر يتعلق بمشروع “تكنوبول” بوزنيقة في عهد حكومة عبد الرحمان اليوسفي، لجلب الاستثمارات الخارجية في قطاع تكنولوجيا الإعلام والاتصال، وأن نكون منتجين ومصدرين للخدمات والإنتاجات، وليس فقط مستهلكين لها.
لقد تم إنجاز دراسة الجدوى، وتم تخصيص قطعة أرض من 200 هكتار من قبل الأملاك، وتمويل مضمون من صندوق الحسن الثاني، وأنجز التصميم، بل تم أصلا توقيع اتفاقية شراكة مع مؤسسة “ميلتيميديا كوريدور” الماليزية، التي هي النسخة الآسيوية لوادي السيليكون (الأمريكي). ذلك أنه خلال تنظيم المغرب سنة 2000 لمؤتمر الإتحاد الدولي للاتصالات، خصص منتدى موازيا لإنجاز “تكنوبول” بوزنيقة، ووقعت اتفاقيات مع مجموعات صينية كبرى ضمنها هواوي، وتمت اتصالات لتشكيل مجلس علمي كان مفروضا أن يشارك فيه “بيل غيتس” و “وينتون سيرف”، واحد من الآباء المؤسسين للأنترنيت، فيما كان إحداث “تكنوبارك” الدار البيضاء نوعا من المختبر لإدماج المغرب ضمن مجتمع الإعلام. وكانت مؤسسة تدبير “تكنوبارك”، على كل حال، هي التي ستنجز تكنوبول (بوزنيقة)، بل إنها قد باشرت فعليا رفع رأسمالها.
إن القصد هنا، هو التنبيه إلى أن هناك دوما خيارا استراتيجيا علينا انتهاجه لبناء وتخطيط مستقبلنا. والمغرب قادر على ذلك، خاصة أن الأمثلة المتعلقة بمشاريع تاريخية مهيكلة متعددة قائمة مثل: إنشاء القطب الفوسفاطي، الذي هو حجر الزاوية ضمن سياستنا الإفريقية، ثم توجه إنتاج الطاقة الشمسية، وبناء ميناء طنجة المتوسطي… إلخ.
هذا يفترض مبادرة، مسنودة سياسيا، لإحداث تكامل وتآزر بين كل الفاعلين في الرقمي من قطاع الاتصالات، جامعات، كبريات مدارس المهندسين، مراكز الأبحاث، رؤوس الأموال، صناديق التنمية، جمعيات مهنية، وكل المؤسسات المنخرطة مسبقا مثل وكالة التنمية الرقمية، صندوق الإيداع والتدبير، الصندوق المركزي للضمان، المكتب الشريف للفوسفاط، اللجنة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي… إلخ، واللائحة طويلة. إن التحدي إذن كامن في إيجاد الصيغة الملائمة.

نموذج إستونيا

يقدم لنا نموذج إستونيا، هذه الأيام كمثال، مادة للتأمل، فإستونيا بلد صغير من 1.3 مليون نسمة، يقدم فيها المواطن مرة واحدة في حياته كل المعلومات المرتبطة بشخصه. فقد تبنت تلك الدولة – المنصة، نظام “إكس – رود “، الذي يسمح لكل قواعد البيانات أن تتواصل في ما بينها، مثل تلك المرتبطة بمختلف الوزارات والمؤسسات العمومية وصناديق التأمين الاجتماعي وخدمات أخرى متعددة، والربح هنا مزدوج، فالمستعمل ليس مضطرا لإعادة تكرار المعلومات نفسها وليس هناك سوى قاعدة بيانات واحدة تسمح باقتصاد في التدبير.
هي إذن بنية دائرية تسمح بتكاملية وتوافقية مختلف نظم المعلومات. الأساس الثاني، يتمثل في نظام التعريف الرقمي، الذي هو نوع من بطاقة التعريف الإلكترونية تسمح بالولوج إلى الخدمات بشكل مؤمن ومصدق عليه.

فإلى أي مدى يمكن نقل هذا النموذج؟

لابد من الإشارة إلى الخصوصيات التاريخية والثقافية لهذا البلد، ممر العبور بين أوربا وروسيا، الذي بعد نصف قرن من الاحتلال السوفياتي كان ملزما ببناء الدولة وليس فقط تحديثها، إنه بلد بارع في العلاج بالصدمات، وقد اكتشفه حين اشتغلت على الصخور الزيتية ضمن إطار إعداد أطروحتي لنيل الدكتوراه حول القضايا الطاقية، فهو البلد الوحيد الذي كانت له جرأة تنظيم استقلاله الطاقي ضمن اقتصاد عالمي يهمين عليه البترول، من خلال إنتاج 90 بالمئة من كهربائه انطلاقا من مصادر الصخور الزيتية.
والجرأة نفسها نجدها في انفتاح البلد عبر الرقمي، فقد تبنت إستونيا مبدأ الإقامة الإلكترونية، حيث يمكن أي بلد في العالم أن يلج المتوفر على تلك الإقامة الإلكترونية إلى الخدمات الرقمية وإحداث شركاتهم، مما يترجم النجاح المتحقق لهم مع مستثمري العالم. ليس صدفة إذن، أن تكون إستونيا هي بلد “السكايب”، فالخيار هو أولا سياسي ويتحدد في خدمة الشركات والمؤسسات بشكل أفضل.
بعيدا عن الخصوصيات وأمور أخرى، فإننا إن اكتفينا بالشق التكنولوجي، مفترضين حل التفاوتات المجالية في الولوج والربط مع الأنترنيت، فإنه ممكن التوفر على القدرة على التكيف بمستويات عالية وأن نمتلك توافقية بين كل المصالح، فبلدان كبيرة مثل الهند وكندا تستعمل نظام “الإكس – رود”، لكن هناك مستلزمات ومتطلبات أولية للتكنولوجيا، فقد قررت حكومة إستونيا تكوين كل سكانها في المجال الرقمي. والمواطن هناك هو في قلب الاهتمامات، فهو زبون تبذل الدولة مجهودا لخدمته كما يجب. إن ترسيم هذا النوع من العلاقة بين الدولة والمواطن سيشكل ثورة ثقافية في العديد من البلدان، ففي إستونيا، فإن الفكرة الغالبة تتجاوز حتى مبدأ المصلحة العامة، بل هي كامنة في المصالح المشتركة، المتوائمة مع أسئلة القرن 21 المحددة في: الشبكات الرقمية، اقتصاد المعرفة، حقوق الملكية اللامادية … إلخ. باختصار ممكن استلهام هذا النموذج لكن بشرط التوفيق بين الحالة الذهنية، الثقافة والإرادة السياسية.
إن المغرب، الحاضن لجامعة القرويين، التي ليست فقط أقدم جامعة بالعالم منذ القرن التاسع الميلادي، بل وإنها لا تزال فاتحة أبوابها، قادر على أن يجد له مكانة ضمن مجتمع المعرفة.

* مستشارة سابقة للوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي
عضوة سابقة بالمجلس الإداري للوكالة الوطنية لتقنين المواصلات
رئيسة سابقة للمجلس الوطني للتجارة الخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى