fbpx
مقالات الرأي

الفرفار: احتجاجات منتصف الليل … الخفافيش لا تخرج الا ليلا.

الواحدة ليلا , الكل نائم بعد يوم صعب و عصيب , التقارير المتتالية الصادرة عن وزارة الصحة بازدياد عدد المصابين و انتقاله إلى بؤر محلية يزيد الأمور تعقيدا و توثرا .
الدولة بكل مؤسساتها تعمل ليلا ونهارا و تبصم على عائد تدبيري اعترف به الجميع و قدره الوطنيون حق تقديره , و أشاد به الأجانب , لدرجة ان مقولة المغرب دولة الاستثناء أصبحت بديهية و مسلما به .
الدولة كانت حاضرة و أصبحت مرئية في كل الزوايا , و في تفاصيل حياة الناس و قضايا المجتمع من توفير العلاجات و تامين المؤن , و الحفاظ على الأمن و السلم الاجتماعي , و ضمان الاستقرار النفسي و الحفاظ على الإنتاج الاقتصادي الأساسي , اظافة الى بناء حملات للتوعية قادتها السلطات بتميز، وأنتجت تجاوبا منقطع النظير يعكس حجم الانسجام بين الملك و الشعب, و بين مؤسسات الدولة و المجتمع .
كارل شميد المفكر الألماني، اعتبر ان الدولة القوية تظهر في وقت الأزمات الكبرى, وهو ما كان جليا من الحضور المتوازن للدولة و كل مؤسساتها في تدبير أزمة قاتلة , لدرجة ان دولا كبيرة و متقدمة فشلت في تدبير الأزمة و هو ما عبر عنه رئيس الوزراء الايطالي : لقد انتهت كل حلول الأرض , فالأمر مكفول لأمر السماء , و هي إشارة على حالة اللا- جدوى و عدم فعالية الدولة لتطويق تداعيات فيروس قاتل .
دولة حاضرة و مجتمع مدني يقظ , و متملك لمصيره و قد امسك بوعي شفاف و حقيقي الأزمة و تداعياتها , ادرك قيمة الحضور الايجابي، و أن بناء المستقبل يكون عبر الحضور في وقت الشدة، و النتيجة ترافع و تعبئة شاملة تجسدت في حجم الانسجام و حجم الانخراط و الالتزام بقرارات الدولة، حيت اختفى التافهون، وكل البقايا الاجتماعية بتعبير السوسيولوجي الايطالي باريتو، كل من لا ينتج و لا يؤدي وظيفة في منظومة الانتاج , وإنما يعيش على مجهود الآخرين وتتغذى على التفاهة.
البارحة ,و بشكل صادم، عشرات المواطنيين يخرجون ليلا في فعل احتجاجي على الله , و على فيروس مواجهته موكولة للعلم و ليس عن طريق الصراخ و البكاء، وهو خروج صادم يكشف ان الخارجون ليلا هم اشبه بخفافيش ازعجها النور و الحقيقة و العائد التدبيري الفعال لازمة , عبر ثلاث مؤشرات لتشابه :
المؤشر الاول غزو منتصف الليل .
بشكل غير متوقع و بعد يوم طويل من العمل , و الساعة الواحدة ليلا و الكل نائم , الأطفال و الأمهات و العجزة و المرضى و من تعبوا طيلة النهار من اجل توفير الحماية لمن ينامون نهارا و يستيقظون ليلا .
كل الغزوات كانت تنطلق من فكرة مقدسة ان من يملك الحق هو من يكبر و بالتالي ينتصر , لذا كان صراخ الجهاديين الجدد و الدين اكتسبوا شجاعة بعد ان فرغت الساحات و نام الناس, و اطمأنت السلطات على الجميع على امل معركة جديدة ضد فيروس فتاك قاتل . لكن الجهاديون الجدد، و أميل إلى تسميتهم بخفافيش الظلام او بغزوة الخفافيش لعدة اعتبارات أهمها :
ان الخافيش لا تعيش إلا في الظلام و لا تخرج إلا في الظلام , فالنور شرط هروبها , لذا النزول ليلا في غزوة الشوارع الفارغة ازعاجا للمرضى و الاطفال و الشيوخ و العجزة و لكل الامنيين في منازلهم .
ان تصيح الله اكبر كبيرا و الحمد لله كثيرا ليس دليلا على امتلاك الحق , لان من يمتلك الحق لا يصرخ و لا يخرج الى المواجهات مختبئا , ففرسان الاسلام لا يخافون و لا يختبئون و لا يزعجون . ربما انصار علي كانوا يهللون , و انصار معاوية كانوا يهللون كذلك , و كلا من الجيشين يقوده صحابي مبشر بالجنة .
التهليل و التكبير اثناء القتل هو فكر داعشي , لدرجة ان الغرب جعلها سبة و دليلا على تناقض العقل الاسلامي , و هو ما عبرت عنه المستشارة الالمانية ميركل : ان المسلمين جعلوا الله مع القاتل ومع المقتول في مشهد سريالي يجعل العاقل مجنونا , فالقاتل يردد الله اكبر و المقتول يردد الله اكبر . هذا التناقض المؤلم هو ما عبر عنه بحزن عميق الروائي ئ العربي إبراهيم نصر الله, و في روايته الرائعة زمن الخيول البيضاء , يتساءل امام بشاعة الوضع و ماساويته يلزمنا قلوب اكبر لكي تتسع لكل هذا الاسى و لكل هذه الأوجاع والإحزان ؟
قول الحق يشترط قوة القائل , فالخروج في منتصف الليل هو مؤشر على ان مفعول الجبن كان مضاعفا من خلال استغلال خلو الساحات من اجل بناء فنتازيا احتجاج , و استغلال ظرف استثنائي حيت الكل مجند من اجل مواجهة الموت .
ربما , تجربة هؤلاء الجهاديين الجدد و الذين لا يملكون الا الصراخ و الكثير من الجبن , تجعل منهم خفافيش تنتعش في الظلام و تقتات على راحة الاخرين
المؤشر الثاني : خفافيش تزعج الاطفال و الشيوخ .
ماوقع البارحة شبيهة باكتساح الخفافيش لشمال استراليا سنة 2012. وهي قصة اوردها الصحفي المتخصص في شؤون الخافيش كيرين باري جونز و الذي كتب أن الخفافيش ليست فقط مزعجة، بل إنها تسلب الأطفال النوم، و ان الخافيش تسببت بحالات اكتئاب للكثير من ساكنة المنطقة.
و ان مجلس مقاطعة يوروبودالا خصص سنة 2021 مبلغ 2.5 مليون للتخلص من الخفافيش المسببة للازعاج و الكثير من الاذى لاسيما منع الأطفال من النوم.
اورد الصحفي ان مجلس المقاطعة قرر قطع الأشجار من اجل التخلص من الخفافيش وهو الاقتراح الذي لقي معارضة شديدة , و تم استبداله عن طريق إزعاج أعشاشهم بماكينات دخان، وضوضاء عالية تخرج من مكبرات صوت قوية وأضواء قوية قبل الفجر، ويحذر المجلس من أن البشر القريبين سيتحملون أسابيع من النوم المضطرب
هجوم الخافيش على مدن استراليا , و ما نتج عنها من نتائج من أهمها ازعاج الأطفال وحرمانهم من النوم , لعل حكاية الامس وخروج من المحتجين على فيروس غير مرئي و بعد الواحدة صباحا وهم يصرخون , عبر اقحام الله في جريمة حرمان الاطفال من النوم , حرمان العجزة من النوم , حرمان المتعبيين من الحق في راحة . و هو ما يشكل خروجا صريحا عن النص القراني سورة النبأ الايتين التاسعة و العاشرة مصداقا لقول الله تعالي : وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا ﴿9﴾ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ﴿10﴾ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا .
هؤلاء جعلو الله سببا في حرمان الاطفال من نومهم و هي حكاية تشبه و تتقاطع مه مرويات الصحفي الاسرائيلي ادم شاف في حكايته التي تفسر لماذا يكره الطفل الاسرائيلي الرسول محمد , حيت يتم تصوير الرسول الكريم باللص وسارق السعادة من أطفال إسرائيل، مضمون الحكاية انه في المناسبات الدينية يشتري الآباء اليهود لأبنائهم ملابس وهدايا قبل يوم العيد ويتم تخزينها بعد أن يراها الأطفال، في انتظار حلول العيد وفرحة العيد بتسلم الهدايا، ولكن صبيحة العيد وبعمل مسرحي ماكر تظهر علامات الحزن والأسى وسط العائلة والطفل يسأل أين لعبي؟أين ملابسي؟ليخبره الأب:إنها سرقت. والطفل يسأل: من سرقها؟ فيجيب الأب:إنه محمد زعيم العرب قد سرق لعبك وملابسك بعد أن تسلل ليلا . فيثور الطفل ليذهب مسرعا ليأخذ لعبة في شكل بندقية ويخرج للشارع يريد أن يستعيد لعبته المسروقة من سارق اسمه محمد ومن قوم محمد اللصوص الذين يريدون سرقة سعادته حسب التوصيف اليهودي.
ربما حكاية تتقاطع مع حكاية الخروج المزعج , انها جعلت من الله مزعجا للاطفال و الرضع و هو تصور عدواني يجعل من المقدس طريقا للتدمير و العنف , واسلوبا لبناء الكراهية و الحقد , عكس روح الإسلام و عظمة القران و الذي جعل للحرب اخلاقا و ووضع للسيوف اخلاقا .
المؤشر الثالث : كائنات يزعجها النور .
المؤشر الثالث , على ان الخارجون ليلا , هو خارجون عن القانون , خارجون عن النظام و خارجون عن القيم الدينية و المجتمعية , من يفكر في الظلام و يخطط في الظلام لا يمكن ان يعلن عصيانه الا في الظلام و لا ينفذ مخططاته الا في لظلام .
هؤلاء يتشابهون و الخفافيش في كراهية النور , بل ان النور شرط لا ختفائهم وهروبهم , ما تقوم بالدولة و المجتمع اليقظ من انجازات في لحظات صعبة و قاسية يثير الاحترام و التقدير , كبريات الصحف العالمية بمن فيها تلك التي عادت المغرب و سياسات المغرب كثيرا تكتب باندهاش عن الدرس المغربي و عن الاستثناء المغربي و عن الوحدة المغربية و عن اهمية المواطن المغربي و كيف فضل جلالة الملك المواطن و صحة المواطن على الاقتصاد و عائداته المرتبطة بالخارج .
الاكيد ان معركة المغرب و المغاربة دولة و مجتمعا , ملكا و شعبا ليست الان , و ان مواجهتهم قادمة بلا شك من اجل بناء وطن بلا حقد .

الفرفار العياشي: دكتوراه في علم الاجتماع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى